للنقاش

للنقاش | الأزمة البنيوية للحركة النقابية في المغرب

بين السياسي والنقابي

يذهب جميع الباحثين على اعتبار النقابة تلك المنظمة التي تضم في عضويتها مجموعة من الأشخاص الذين يمتهنون مهنة موحدة أو مهنا متقاربة، ويهدفون إلى الدفاع عن مصالحهم المهنية والاقتصادية، ويجمع جميع الكتاب والمفكرين من كارل ماركس إلى اليوم، على أن ظهور النقابات جاء نتيجة طبيعية لتغوّل وجشع الرأسمالية الغربية، بعد حدوث نوع من الصدام بين العمل وملكية وسائل الإنتاج، نتيجة لتشكل قناعة لدى العمال بأن جهدهم ومساهمتهم في تطور الرأسمال وتحقيق الربح، لا يلازمه تطور في مستويات عيشهم الاقتصادية والاجتماعية، بقدر ما يصاحبه نماء لثروات مشغليهم من محتكري وسائل الإنتاج، وهو ما فرض عليهم التكتل في تجمعات عمالية كحركات نضالية تهدف إلى تمتيعهم بحقوقهم كمساهم أول ورئيسي في تطوير الرأسمال وخلق الثروة، وهي الحركات التي تم تصديرها إلى باقي دول العالم بما فيها دول العالم الثالث، بعد انتشار القيم الرأسمالية، وانتقال عمليات التصنيع إليها كمستعمرات للدول الغربية.

بقلم: فتح الله رمضاني

    بالنسبة للمغرب، بدأ تبلور العمل النقابي وككل المستعمرات، خلال مرحلة الحماية الفرنسية، حيث ظهرت العديد من النقابات التي ضمت في عضويتها موظفي إدارة الحماية فقط، وبصورة تمنع انخراط المغاربة، ذلك قبل أن تتأسس نقابة “الاتحاد العام للنقابات الكونفدرالية” بداية الأربعينات من القرن الماضي، وهي النقابة التي أسسها الحزب الشيوعي الفرنسي فرع المغرب، والتي عرفت انخراط وانتخاب المغاربة أيضا في أجهزتها، سواء المحلية أو الوطنية، ويمكن الجزم أن بداية تبلور العمل النقابي المغربي، وبداية تاريخ الحركة النقابية بالمغرب، كان أواسط الخمسينات، وبالضبط سنة 1955، عندما أسس حزب الاستقلال “الاتحاد المغربي للشغل” كأول مركزية نقابية مغربية، قبل أن يؤسس مركزية جديدة سنة 1960، وهي “الاتحاد العام للشغالين بالمغرب”، وذلك بعد الانشقاق الذي عرفه سنة 1959، والتحاق قيادة “الاتحاد المغربي للشغل” بالاتحاد الوطني للقوات الشعبية كحزب منشق عنه، غير أن العلاقة بين هذه النقابة وبين القيادة السياسية للاتحاد الوطني ستعرف تنافرا عنوانه الخلاف حول الغاية من العمل النقابي، وهو الخلاف الذي أدى إلى تأسيس مجموعة من النقابات القطاعية المعارضة لتصور القيادة النقابية والقريب من تصور القيادة السياسية، وهي النقابات التي ستشكل لبنة أساسية لتأسيس “الكونفدرالية الديمقراطية للشغل” سنة 1978، أي بعد ثلاث سنوات من المؤتمر الاستثنائي لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وتحوله لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ليعرف المشهد النقابي بعد ذلك، تأسيس العديد من المركزيات النقابية والنقابات القطاعية. وبالموازاة مع عملية التشكيل هذه، عرف مسار تطور الحركة النقابية بالمغرب عملية تحديث وتقنين مستمرة، حيث كان ظهير 1957 بشأن النقابات المهنية، أول المبادرات في هذه العملية، ليتلوه دستور 1962 الذي نص على أن العمل النقابي حق دستوري، وهو ما سارت عليه كل الدساتير اللاحقة، وهذه العملية توجت مع حكومة التناوب التوافقي بالتأسيس للحوار الاجتماعي الذي كان من المفروض أن يجعل من النقابات شريكا أساسيا في تحديد اختيارات الحكومة قبل أن يتم تعطيله من طرف أول حكومة تشكلت بعد دستور 2011.

الأكيد، أن مسار الحركة النقابية بالمغرب عرف ومنذ الحماية، مجموعة من التحولات التي همّت طبيعتها وأداءها وأدوارها وعلاقتها سواء بالسلطة السياسية أو بالعمل السياسي، وهو ما انعكس على موقعها وحضورها.. فما الذي تغير في الواقع النقابي المغربي بين الأمس واليوم؟ وهل لانحسار العمل السياسي بالمغرب علاقة بالواقع النقابي اليوم؟ ثم ما هي مكانة النقابات المغربية في المشهد السياسي المغربي اليوم؟

إن الملاحظة الأولى لمسار الحركة النقابية بالمغرب، وخصوصا خلفيات تأسيس ونشأة النقابات المغربية، تظهر بشكل لا يدع أي مجال للشك والتردد، أن جل النقابات تأسست بقرارات سياسية لإطارات سياسية، ولدواعي سياسية مضمونها تدبير الصراع مع الخصم، سواء كان هذا الخصم هو المستعمر، أو السلطة السياسية، أو هو الفاعل السياسي الحامل لتصور مختلف، لكن، وبالرغم من هذه الحقيقة، إلا أن العلاقة بين النقابي والسياسي لم تكن دائما علاقة تكاملية ولا علاقة تبعية، فمباشرة بعد استقلال المغرب، وتأسيس أول نقابة مغربية، طفا على سطح المشهد صراع فكري حول دور النقابة في النضال السياسي، هل هي تنظيم موازي للحزب وتابع له ولاختياراته، أم أنها تنظيم مستقل لا دخل له في الصراع الدائر في المجتمع؟

عموما، فإن أصل تبلور العمل النقابي هو الوعي باستغلال الطبقة العاملة، وهو النضال من أجل تمتيعها بحقوقها لتكون النقابة تنظيما عماليا تابعا للإطار السياسي المؤمن بضرورة رفع الاستغلال عن العمال، والتبعية هنا لا نعني بها الإلحاقية أو الذيلية، بل نقصد بها تلك العلاقة التكاملية والمتوازنة، المؤسسة على الأهداف المختلفة والوسائل المختلفة والغاية الموحدة، وكفهم بسيط لتصور الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي للعلاقة الصحية بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني، فإن حزبية النقابة في هذه الصورة ليست ممارسة تحريفية، ذلك أن النضال النقابي جزء من النضال السياسي الطامح لمجابهة الاستغلال، وخصوصا استغلال الطبقة العاملة، وهو ما يفسر أفول النضال النقابي اليوم، فانحسار النضال السياسي، وانزياح الفاعل السياسي عن مسار النضال لأجل وقف الاستغلال، ولأجل إعادة توزيع الثروة بشكل يتأسس على إعادة تأطير ملكية وسائل الإنتاج، أدّى بشكل مباشر إلى تراجع العمل النقابي في صورته الأًصيلة التي أنشئ لأجلها في المجتمعات الرأسمالية الغربية، ليصير عملا لا يطمح إلا إلى تحسين ظروف استغلال الطبقة العاملة.

ويثبت التاريخ أن النقابات المغربية كان لها دور أساسي في عملية التغيير، بسبب المكانة المهمة التي كانت تحتلها داخل المشهد السياسي المغربي منذ تأسيس أول نقابة مستقلة عن النقابات الفرنسية وإلى حدود تسعينات القرن الماضي، لكن الواقع يظهر اليوم أن دورها في التغيير أصبح دورا ثانويا، وأن مكانتها أضحت مكانة بهوامش ضيقة جدا، فهناك إجماع تام على أن الحركة النقابية المغربية تعيش اليوم أزمة بنيوية، بمسببات اختلفت بين ما هو موضوعي متمثل في توحش العولمة، وانتشار القيم الرأسمالية المشرعنة للاستغلال، وما هو ذاتي مرتبط بمظاهر متعددة، أهمها تشرذم المشهد النقابي واستفحال البيروقراطية وغياب الديمقراطية الداخلية للنقابات، بما يعنيه من جمود في أجهزتها القيادية، وهو ما انعكس على امتداداتها وسط الشغيلة المغربية، إذ أن نسبة التنقيب أصبحت صغيرة جدا، مما فتح الباب أمام تشكل تنسيقيات وجمعيات عمالية فئوية، كما انعكس على حجم حضورها داخل المشهد، فحتى الحوار الاجتماعي الذي كان من المفروض أن يجعل منها شريكا في صناعة القرار السياسي، وخصوصا فيما يتعلق بمصالح الشغيلة المغربية، هو اليوم حوار معطل، وهي نقابات عاجزة عن تفعيله وعن فرض اختياراتها من داخله، فالنقابات المغربية اليوم هي مجرد جمعيات عمالية كبيرة بعيدة كل البعد عن المفهوم الأصيل لتسمية النقابة، وبعيدة عن المبادئ الأساسية للعمل النقابي، فلا هي منظمات جماهيرية ولا هي ديمقراطية ولا هي تقدمية، فمن العادي جدا أن يعرف أداؤها انكماشا ظاهرا.

وكخلاصة، فقد كانت للنقابات المغربية مكانة مهمة داخل المشهد السياسي العام، حينما كانت تناضل لأجل الديمقراطية، ولأجل مواجهة جميع صور الاستغلال، في التزام تام مع الغاية الأساسية من العمل النقابي الأصيل، المتمثلة في تحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية للشغيلة المغربية، من خلال تأطيرها وتكوينها وتسليحها بفكر الانعتاق الفعلي من الاستغلال، وهو ما يجب عليها استدراكه اليوم، خصوصا مع تراجع حضور الدولة الوطنية الحديثة، الذي يعتبر فرصة سانحة لبروز أدوار المجتمع المدني، الذي تشكل النقابات أهم مكوناته كهيئات متموقعة طبيعيا في موقع المعارضة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى