متابعات

متابعات | ظاهرة الموظفين الأشباح تستنزف المالية العامة

الريع العمومي يتحدى المنطق

عاد الجدل والنقاش من جديد حول ظاهرة الموظفين الأشباح في الإدارات والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، والذين يتلقون رواتب دون تأدية أي مهام، أو لا يحضرون إطلاقا لمقرات العمل، مما أثار استياء عامة المغاربة، خاصة في ظل تزايد نسبة البطالة في صفوف حاملي الشواهد العليا.

 

الرباط. الأسبوع

 

    فجرت عمدة مدينة الرباط، أسماء أغلالو، قضية “الموظفين الأشباح” بعدما كشفت عن وجود أزيد من 2000 موظف شبح في جماعة الرباط وحدها، يتقاضون أجورا من دون تأدية مهامهم في الإدارة، حيث خلقت هذه التصريحات ضجة كبيرة في وسط النقابيين ولدى وزارة الداخلية، مما دفع بمسؤولي ولاية الجهة إلى فتح تحقيق في الموضوع.

وسبق أن أكد عدد من المسؤولين الحكوميين سابقا، وجود ظاهرة الموظفين الأشباح في الإدارات والمؤسسات الحكومية بالمغرب، لكن الملاحظ أن هناك تضاربا في الأرقام بخصوص العدد الحقيقي لهؤلاء “الموظفين” في مختلف القطاعات، خاصة على مستوى الجماعات الترابية والمجالس المنتخبة، حيث لم تتمكن الحكومات السابقة من معالجة هذه الظاهرة والقضاء عليها، رغم توفر المؤسسات على آليات ونظام معلوميات لتحديد هوية الموظفين الغائبين عن مقرات عملهم.

عبد الرحيم العلام

يرى المحلل السياسي عبد الرحيم العلام، أن الموظفين الأشباح لا يخفون على الدولة ويمكن اكتشافهم، إلا أن هناك موظفين تم تعيينهم بصفة قانونية في فترة معينة في مناصب بقطاعات حكومية ومؤسسات دون أن يتم تحديد طبيعة ذلك العمل، مثلا في قطاع الشباب والرياضة، مشيرا إلى أن من بين هؤلاء عددا من الرياضيين والفنانين يحصلون على وظيفة عمومية في إطار الريع الوظيفي، مثل رخص الصيد في أعالي البحار ومأذونيات سيارات الأجرة..

وقال العلام، أن هناك موظفين تم تعيينهم وتصرف لهم تعويضات شهرية، بعضهم يتلقى تعويضات من الميزانية العمومية للدولة، مثل بعض السائقين الذين يتم توظيفهم لكنهم يشتغلون عند زوجات المسؤولين، وهذا ما يطلق عليه الريع الوظيفي، مشيرا إلى أن هناك أيضا مسؤولين كانت لهم مناصب مسؤولية ويستفيدون من السكن الوظيفي، لكن عند إعفائهم، تنتهي مهامهم ويبقوا يتلقون الراتب الشهري ويقطنون بالسكن الوظيفي، موضحا: “أحيانا يكون موظف مسؤولا عن مصلحة أو قسم معين ويتم تجريدة من مسؤوليته، ويظل بدون مهمة وقد لا يأتي لمقر العمل لمدة طويلة، لكنه يظل يتقاضى أجرته، وحاليا هناك تقريبا 500 ألف موظف عمومي، لكن يقال إن حوالي 300 ألف هي من تشتغل”.

وتابع أن هناك فئة أخرى من الناس يفضلون التفرغ النقابي أو التفرغ الوظيفي يلتحقون بالعمل بقطاعات ومؤسسات، مثل النقابات والأحزاب أو دواوين الوزراء أو في البرلمان، مثل بعض الأساتذة في التعليم الذين يتخلون عن تدريس التلاميذ ويلتحقون للعمل في هذه القطاعات، وذلك في إطار التفرغ النقابي، وهم بمثابة موظفين أشباح لأنهم يتلقون أجورهم من الوزارة ولا يؤدون المهام المتعلقة بها، معتبرا أن البرلمانيين الذين يتغيبون عن جلسات مجلسي النواب والمستشارين، موظفين أشباح، لأنهم لا يقومون بدورهم، وبعض الأطباء أيضا الذين يلجؤون للتفرغ النقابي لكنهم يذهبون للعمل في المصحات الخاصة.

من جانبه، اعتبر المستشار الجماعي، عمر الحياني، أن إشكالية الأشباح بجماعات المغرب، ليست جديدة، حيث كانت الدولة تلجأ (خصوصا في عهد إدريس البصري)، إلى توظيف مئات العاطلين بالجماعات كطريقة لامتصاص البطالة، دون أن يكون لهذه الجماعات حاجة فعلية بهذا الكم الهائل من الموظفين، كما أن هناك منتخبين دأبوا على توظيف أقربائهم ومناصريهم بالجماعات، كطريقة لكسب ولائهم، وذكر مثالا لأحد نواب رئيسة جماعة الرباط، الذي وظف في فترة سابقة 3 من إخوته وزوجة أخيه بالجماعة.

وأوضح الحياني، أنه قبل 6 سنوات، طرح فريقه سؤالا في مجلس مدينة الرباط، حول ظاهرة الموظفين الأشباح، بعدما وصلتهم أخبار عن وجود أشخاص يعيشون في كندا وأوروبا، ومدن بعيدة، وبعدد من مدن الأقاليم الجنوبية، لكنهم يتلقون رواتبهم من الجماعة دون أن يكلفوا أنفسهم عناء الحضور.

الريع الوظيفي

محمد الغلوسي

    أكد محمد الغلوسي، أن موضوع الموظفين الأشباح أثير حوله نقاش وجدال كبيرين، ويلفه الغموض في غياب أرقام رسمية حول عدد هؤلاء في المؤسسات العمومية، لكن لحدود الآن، ليست هناك معطيات رسمية سوى تصريحات مسؤولين هنا وهناك، تتحدث عن تقديرات وأرقام، “إلا أنه في غياب معطيات مضبوطة، يصعب الحديث عن هؤلاء الموظفين، ورغم ذلك، فإن الظاهرة موجودة في الإدارات العمومية وفي مختلف المرافق بنسب متفاوتة من مرفق عمومي إلى آخر.”

وحسب الجمعية المغربية لحماية المال العام، فإن الظاهرة موجودة وتشكل جزء من سياسة الريع في البلاد، وفي نفس الوقت، تجسد ضعف حكم القانون في علاقة الإدارة بالمواطن بشكل عام، وعلاقة الإدارة بالموظف بشكل خاص، لاسيما وأن الموظف العمومي تحكمه علاقة وظيفية مع المركز العمومي، بمقتضاها يؤدي وظيفة مقابل أجر، إلا أنه عندما نتحدث عن الموظفين الأشباح، فإننا نتحدث عن أشخاص يتقاضون أجورا دون تأدية أية مهام، بل إن هناك من الموظفين من يوجد خارج المغرب، معتبرا أن قضية الموظفين الأشباح أصبحت ظاهرة الإدارة والمرفق العمومي، وهي ليست قضية ترف فكري أو موضوعا للمزايدة، فهي قضية مجتمعية لها ارتباط بمعضلة الفساد وسياسة الريع، ومواجهتها تقع في صلب تخليق الحياة العامة وبناء دولة الحق والقانون ومجتمع المواطنة.

وقال الغلوسي أن حصول هؤلاء على الأجور يشكل، من جهة، هدرا لأموال عمومية دون موجب حق، ومن جهة أخرى، يجسد تغلغل الفساد والريع في دواليب الحياة العامة، وبالتالي، لا بد من وضع حد لهذه الظاهرة والقطع مع الريع والفساد، وذلك بمزيد من الشفافية وتعميقها في الإدارة العمومية والحكامة الجيدة وتعزيز حكم القانون، مشيرا إلى أن بعض رؤساء الجماعات يستعملون التوظيف كورقة انتخابية من أجل حشد الأنصار وكسب الأصوات خلال الانتخابات عبر توظيف أشخاص دون تحديد طبيعة مهامهم داخل الجماعة.

مجلس الحسابات يتدخل

    دخل المجلس الجهوي للحسابات في جهة الرباط سلا القنيطرة، على خط قضية الموظفين الأشباح في الجماعة الحضرية للرباط، عقب تصريحات العمدة أسماء أغلالو، وشرع في مهمة تقييم نظام المراقبة الداخلية في الجماعات الترابية التابعة لجهة الرباط بتنسيق مع ولاية جهة الرباط للبحث في القضية.

وكشفت المراسلة أن المجلس الجهوي للحسابات عين لجنة مكونة من قضاة المجلس، للقيام بمهمة للبحث في موضوع الموظفين الأشباح وجمع معطيات ومعلومات إضافية لإنجاز المهمة، داعيا مجلس جماعة الرباط إلى تمكين المجلس من الوثائق المطلوبة للقيام بمهامه.

وفجرت عمدة العاصمة الرباط قضية الموظفين الأشباح في حوار تلفزي، حيث قالت أن عدد الموظفين في جماعة الرباط يصل إلى 3700 موظف، 200 منهم سيحالون على التقاعد، بينما عدد الذين يمارسون عملهم لا يتعدى 1000 موظف، والباقي كلهم موظفون أشباح يتقاضون أجورهم دون أن يقوموا بأي عمل، وأضافت أن ظاهرة الموظفين الأشباح في جماعة الرباط التي تترأسها، تكبد الميزانية العامة للدولة خسائر مالية كبيرة وتسبب عجزا ماليا لخزينة الجماعة بلغ 198 مليون درهم.

إحصائيات متضاربة

    تتضارب الأرقام بخصوص العدد الحقيقي للموظفين الأشباح في المؤسسات الحكومية والجماعات الترابية، إلا أن المؤكد أن الظاهرة متفشية في العديد من المرافق، حيث سبق للوزير السابق نجيب بوليف، المكلف بالشؤون العامة والحكامة خلال سنة 2012، أن كشف أن عدد الموظفين الأشباح في الوظيفة العمومية يصل إلى 80 ألف موظف، لكن وزير الوظيفة العمومية السابق، محمد بنعبد القادر، كشف عام 2019 في مجلس النواب، أنه ضبط 3 آلاف و339 موظفا شبح في الفترة بين 2012 و2017، وذلك نفيا للأخبار التي تتحدث عن وجود مائة ألف موظف شبح في الإدارات العمومية ضمن 800 ألف يشتغلون في القطاع العام.

وتتحدث مصادر أخرى، أن هناك آلاف الموظفين في الجماعات الترابية ومؤسسات عمومية وفي البرلمان لا يشتغلون أو يتغيبون لكنهم يتلقون أجورا ورواتبهم شهرية من الأموال العمومية دون تقديم مبررات لهذه الغيابات، ودون أن تتخذ في حقهم إجراءات قانونية، ما يشكل خرقا لأحكام القانون 12.81 بخصوص الاقتطاع من رواتب موظفي وأعوان الدولة المتغيبين عن العمل بصفة غير مشروعة.

أشهر الموظفين الأشباح

    كشفت تقارير سابقة، أن ظاهرة الموظفين الأشباح متفشية في عدة قطاعات، خاصة في قطاع الشبيبة والرياضة، الذي يضم العديد من الوجوه الرياضية والأبطال السابقين، الذين تمكنوا من الحصول على وظائف داخل القطاع بفضل الألقاب التي حصلوا عليها في التظاهرات الدولية والأولمبية، إلا أن الملاحظ أن هؤلاء الرياضيين لا يقومون بأي وظيفة داخل قطاع الرياضة ويتقاضون رغم ذلك رواتب تفوق عشرة آلاف درهم شهريا.

ومن بين أبرز الموظفين الأشباح على الصعيد الوطني، هناك أبطال سابقون في مختلف الأنواع الرياضية، على غرار هشام الكروج البطل الأولمبي السابق في سباق 1500 متر، والعداء صلاح حيسو والعداءة السابقة زهرة واعزيز، وخالد بولامي، إلى جانب مدربين في رياضة كرة القدم، وأبطال في رياضات فردية أخرى.

فظاهرة الموظفين الأشباح لم تقتصر فقط على القطاع الرياضي، بل امتدت إلى البرلمان، حيث سبق أن كشف رئيس مجلس النواب عن قائمة بأسماء الموظفين الأشباح الذين يتغيبون عن عملهم، من بينهم المصطفى بنعلي الأمين العام لحزب جبهة القوى الديمقراطية، إلى جانب برلمانيين لا يحضرون جلسات مجلس النواب.

كما يعرف مجلس المستشارين كثرة الموظفين بدون مهام لا يتوفرون على مكاتب للعمل داخل الغرفة التشريعية الثانية، مما يدفع بعضهم للغياب بسبب عدم وجود مكتب قار ويتحولون إلى موظفين أشباح في انتظار أن يوفر لهم المجلس أماكن للعمل.

وعرفت السنوات الماضية ظاهرة البرلمانيين الأشباح الذين كانوا يتغيبون عن جلسات مجلس النواب، حيث كان يضطر رئيس المجلس لإعلان أسمائهم للعموم، ومن أبرزهم حميد شباط الذي فضل الاستقرار في تركيا عقب مغادرته لحزب الاستقلال، إلى جانب فاطمة الزهراء المنصوري عندما كانت عضوة بمجلس النواب، والبرلماني ياسين الراضي عن الحزب الدستوري.

ظاهرة تساهم في هدر المال

    اعتبرت النقابة الوطنية للجماعات الترابية، أن ظاهرة الموظفين الأشباح باتت تشكل سرطانا ينخر الكثير من الجماعات الترابية، على غرار ما كشفت عنه عمدة الرباط من وجود 2400 موظف شبح بالجماعة التي ترأسها، مضيفة أن هذا الرقم المهول الذي كشفت عنه عمدة الرباط يعد فضيحة كبرى تستوجب فتح تحقيق عاجل من طرف وزارة الداخلية والمجلس الأعلى للحسابات وتحريك مساطر ربط المسؤولية بالمحاسبة.

وطالبت النقابة باتخاذ كل الإجراءات القانونية اللازمة لاسترجاع الأجور التي صرفت لهؤلاء الموظفين لفائدة الميزانيات الجماعاتية، وتحريك المسطرة الإدارية والقانونية من طرف الوزارة الوصية، واصفة ظاهرة الموظفين الأشباح المسكوت عنها، بأنها مظاهر الريع وهدر المال العام والفساد الإداري، وأن هؤلاء هم جيش احتياطي يوظف ضد العمل النقابي الجاد لتكسير النضالات والتحكم في نتائج انتخابات اللجن الثنائية.

وأكدت أن ظاهرة الموظفين الأشباح مستفحلة في الوقت الذي يعاني فيه آلاف الشباب حاملي الشواهد من العطالة، وتعاني جل مصالح الجماعات الترابية، خاصة المتوسطة والصغيرة، من الخصاص في الموارد البشرية، مما يعطل مصالح المواطنين، مطالبة بترسيم آلاف الموظفين العرضيين الذين يتقاضون أجورا أقل من الحد الأدنى للأجر، محرومين من التغطية الصحية والتقاعد والعطل وكل التعويضات الجاري بها العمل.

من جانبه، قال الاتحاد الوطني للدكاترة المعطلين، أن ظاهرة الموظفين الأشباح تسري في جل المؤسسات العمومية سريان السم في الجسد، وليست حكرا على قطاع دون غيره، وإن تفاوتت درجة حدتها، فقد كشف الوزير السابق للشؤون العامة، في تصريح له، أن عدد الموظفين الأشباح في الوظيفة العمومية لا يقل عن تسعين ألفا، يتوزعون بين الإدارات والمؤسسات والجماعات والبلديات والقطاعات الحكومية، في تحد سافر للقوانين، وأشار إلى أن البرلمان نفسه كمؤسسة دستورية وتشريعية وتنفيذية، لا يخلو من موظفين أشباح، وبذلك يستمر مسلسل إهدار الميزانية المالية العامة للدولة، إذ تصل الخسائر إلى ملايير الدراهم سنويا، فيما تقف الحكومة الحالية ومثيلاتها السابقة، عاجزة عن محاربة هذه الظاهرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى