للنقاش

للنقاش | من يعرقل مشروع قانون تجريم الإثراء غير المشروع ؟

بقلم: حسوني قدور بن موسى

محامي بهيأة وجدة  

    بعد الانتشار الواسع لأنواع الفساد المستشرية وكثرة المفسدين المحترفين في جميع القطاعات في المغرب، ظهرت الحاجة إلى المطالبة بمشروع قانون يجرم الإثراء غير المشروع الذي يستنزف ثروات البلاد، وبمجرد الإعلان عن هذا المشروع، بدأ المفسدون الذين يحتلون مناصب المسؤولية في الدولة، يعارضونه، لكونهم يعلمون أنهم هم الذين يقصدهم مشروع تعديل القانون الجنائي المساند لجهود مكافحة الفساد والرشوة واختلاس الأموال العمومية والاعتداء على ثروات البلاد السطحية والباطنية والبحرية، وبسبب الفساد ارتفعت نسبة الفقر والبطالة وانعدام السكن والحرمان من التعليم والصحة ومن جميع متطلبات الحياة، ويمكن تعريف الإثراء غير المشروع بأنه حصول المفسدين على الكسب بلا سبب وبدون أي جهد بطرق غير مشروعة على حساب قوت المواطنين، وغالبا ما تكون جريمة الإثراء غيرالمشروع عن طريق استغلال واستثمار الوظيفة العمومية للحصول على منفعة خاصة، وهذا يؤدي حتماإلى أثار سلبية خطيرة تنعكس على الاقتصاد الوطني وعلى الاستقرار السياسي والاجتماعي في البلاد، فجريمة الإثراء غير المشروع لها طابع خاص تختلف عن الجرائم الأخرى التقليدية، سواء من حيث الأشخاص الذين يرتكبونها، أو الضرر الذي يترتب عنها، فالأشخاص الذين يرتكبون هذه الجريمة يتمتعون بخبرة في مجال عملهم تمكنهم من إخفاء معالم الجريمة عن الأجهزة الرقابية، بفضل قدرتهم المالية على تقديم رشاوى للتستر على جرائمهم والإفلات من المحاسبة والعقاب، كما أن حجم الضرر الذي ينتج عن هذه الجريمة يقع بصفة مباشرة على المال العام، مما يؤدي إلى إضعاف مقومات الاقتصاد الوطني، وبالتالي، فإن المواطنين وخاصة الفقراء وأصحاب الدخل المحدود، هم المتضررون بالدرجة الأولى من هذه الجريمة، ولهذا، فإن التشريع الجنائي وحده لا يكفي لمكافحة هذه الجريمة ما دام أن القانون تتحكم فيه فئة معينة من رجال المال والأعمال الذين يسيطرون على الحياة السياسية، بل لا بد من وجود قوى شعبية مكافحة ضد الفساد والمفسدين تدافع عن مصالح المواطنين الاقتصادية والاجتماعية لاسترداد المال العام المسروق من طرف المسؤولين الكبار في الدولة ورؤساء الجماعات وغيرهم من المتورطين في نهب المال العام وإلزامهم بتقديم إقرار عن ذمتهم المالية وذمة أزواجهم وأبنائهم على أن تتضمن هذه الإقرارات مصدر الزيادة في الذمة المالية، إلا أن المفسدين في السلطة يرفضون التصريح بممتلكاتهم، ويعتبر هذا استهتارا مؤسساتيا مع العلم أنه لا يوجد في المغرب قانون يتعلق بإشهار الذمة المالية بالنسبة للموظفين العموميين كما هو معمول به في الدول الديمقراطية، وبسبب هذا الفراغ التشريعي تظل الوظيفة العمومية في المغرب مثل البقرة الحلوب يستفيد منها المفسدون، وفي هذه الحالة يصعب مكافحة الإثراء غيرالمشروع، في حين أنه في الدول الديمقراطية، إذا طرأت زيادة على مال المسؤولين أو على مال أزواجهم أو أبنائهم بعد توليهم المسؤولية، وكانت هذه الزيادة لا تتناسب مع مواردهم وعجزوا عن إثباتها، تعتبر ناتجة عن استغلال الوظيفة العمومية، فيخضعون حتما للمحاسبة والمحاكمة كما وقع في قضية الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك، الذي تمت محاكمته من أجل الوظائف الوهمية واستغلال السلطة واختلاس أموال عامة، وكذلك في ألمانيا، أجبر الرئيس الفيدرالي كريستيان فولف على الاستقالة بتهمة الفساد، وفي البرازيل أقال مجلس الشيوخ الرئيسة ديلما روسيف، معتبرا أنها تلاعبت بالحسابات العامة، وشخصيات أخرى أدينت بسبب استغلال النفوذ واختلاس المال العام، لكن في المغرب، يتساءل الكثير من المواطنين عن ظاهرة الإفلات من العقاب وعدم محاكمة المفسدين الذين يعرقلون تعديل بعض فصول القانون الجنائي المتعلقة بتجريم الإثراء غيرالمشروع، بل أكثر من ذلك، يعود المفسدون من جديد إلى كراسي المسؤولية رغم الفضائح المالية عن طريق شراء الأصوات في الانتخابات.

إن التغيير لا يأتي إلا بعد صراع مرير وشاق ضد الفساد والمفسدين، لأن القانون الذي نريد تغييره أو تعديله ما هو إلا تعبير عن إرادة الأشخاص الذين يتحكمون في البلاد والعباد وفي السلطة والمال عن طريق القوة والقهر، لكن الحقيقة هي أن الكون منذ نشأته، يعيش حالات التغيير المتعددة في الطاقة والمادة، فالمادة والأفكار والواقع يستمد قوته وبقاءه من عناصر الحركة والتغير والتكيف، فالإنسان وفكره وما يحيط به، لم يكن على هذه الحالة منذ آلاف السنين، ولن يكون على نفس الحالة مستقبلا، وبالتأكيد سيعرف تقلبات وتغييرات ولن تستطيع أي قوة إيقاف تغييره، لأن جميع علماء الكيمياء والفيزياء والجيولوجيا والآثار والفلك والاجتماع والسياسة والتاريخ.. يجمعون على أن التغيير حالة إجبارية وليست اختيارية، وسوف يجرف جميع الأفكار الراكدة والعقول المتحجرة والطقوس والخرافات الخيالية والمعتقدات المتخلفة، والإنسان يعيش دوما حالة من الصراع بين القانون الثابت والقانون المتحرك الذي ينتج أفكارا متحررة ومفاهيم جديدة تتناسب مع الحاجة والضرورة، وفي مختلف البلدان توجد قوى محافظة مرعوبة وخائفة من رياح التغيير، وفي المقابل توجد قوى تقدمية مناضلة صامدة داعية إلى التغيير من أجل الحرية والعزة والكرامة والمساواة..

إن الرشوة الواسعة النطاق والاختلاس والاحتيال، مترابطة بهيكلة القطاع العام وبطبيعة العلاقات بين الحكومة والاقتصاد، والحكم المطلق يحدث الفساد المطلق وأهم عناصر قوة الأمة جودة تعليمها ونزاهة قضائها وحسن اختيار قادتها ومحاربة الفساد والمفسدين، وعندما يأمن المسؤول من المحاسبة والعقاب، سيقع في الفساد وستظل السياسة تتلاعب بمصالح المواطنين، وسيظل الصراع قائما بين المواطنين والمفسدين، ومكافأة المفسدين لم تكن يوما سوى إطعام “ديناصورات” لا تعرف معنى الشبع، فالشعب يريد إزالة الفساد والمفسدون يتشبثون بالبقاء للدفاع عن مصالحهم ومكاسبهم غير المشروعة، وبدون مؤسسات رقابية قوية يصبح الإفلات من العقاب هو الأساس الذي تبنى عليه أنظمة الفساد وإذا لم يتم القضاء على الإفلات من المحاسبة والعقاب، فإن كل الجهود المبذولة لوضع حد للفساد، تصبح دون جدوى.

ينص مشروع القانون الجنائي رقم 16-10 الذي يتضمن مادة تتعلق بتجريم الإثراء غير المشروع، على “فرض غرامات ما بين 100 ألف إلى مليون درهم، على أي موظف عمومي ثبتت زيادة ثروته بشكل غير مبرر خلال فترة أداء مهامه، ولرصد ذلك، يلزم الموظف بالكشف عن ممتلكاته وممتلكات زوجته وأولاده قبل تولي المنصب”، وهذا هو ما يعرف في كثير من الدول الديمقراطية بـ”إقرار الذمة المالية”، ومنذ سنة 2016، لا زال هذا المشروع مجمدا في رفوف البرلمان الذي يفترض في أعضائه الدفاع عن حقوق ومصالح المواطنين الذين صوتوا عليهم، لكنهم غير راغبين في التصويت على مشروع هذا القانون، فكلما طفى على السطح ملف من ملفات الفساد وسرقة ونهب المال العام، يضع المغاربة أيديهم فوق رؤوسهم فتصيبهم الدهشة من هول كارثة هذه الملفات وضخامة الأموال المسروقة التي تعد بالملايير وهم يعلمون أن أسماء المسؤولين الكبار لن تظهر على قائمة المتورطين في سرقة أموال الشعب المغربي، بل تقدم مكانهم أكباش فداء أبرياء تجر إلى السجون لإيهام المواطنين بمحاربة الفساد.. وهكذا بدأت الحرب على الفساد في المغرب بسجن خادمة بيوت وهي امرأة فقيرة وجهت إليها النيابة العامة تهمة سرقة قطعة لحم من مطبخ موظفة سامية بوزارة الداخلية، فحكمت عليها محكمة القنيطرة بالحبس لمدة 6 أشهر نافذة دون تمكينها من حقها في توكيل محامي يدافع عنها، فهذه الواقعة المؤلمة تذكرنا برواية فيكتور هوغو “البؤساء”، التي تحكي عن بؤساء فرنسا في بداية القرن 18، حيث تم سجن بطل الرواية “جان فال جون”، لأنه سرق رغيف خبز احتاجه لكي يسد به جوع أسرته، وهنا يظهر الفرق الشاسع بين سرقة الملايير التي يرتكبها كبار الموظفين وبين سرقة قطعة لحم أو رغيف خبز لإطفاء لهيب الجوع، هذا يقع في الوقت الذي تتحدث فيه وسائل الإعلام المأجورة عن ملفات الفساد واختلاس المال العام والإثراء غير المشروع، دون متابعة ولا محاكمة في الوقت الذي كشفت فيه المؤسسة العربية لضمان الاستثمار، أن الدخل الفردي للمواطن المغربي يعد من بين الأضعف عربيا، يقابل ذلك تصاعد عملية تهريب الأموال إلى الخارج وشراء الشقق الفاخرة والقصور بالملايير، وفي هذا الصدد ذكرت صحيفة “القدس العربي” الصادرة في لندن في عددها بتاريخ 2013.1.10، أن الأموال المهربة من المغرب إلى الخارج بلغت 12 مليار دولار خلال العقد الأخير، مما جعله يحتل المرتبة 45 في قائمة الدول التي تعرف تهريبا للأموال، أي أن المغرب يحتل المرتبة 45 عالميا من بين 143 دولة فيما يخص تهريب الأموال ما بين سنتي 2001 و2010، بما يفوق 12 مليار دولار، أي أكثر من 109 ملايير درهم، ويعتمد مهربو الأموال عدة أساليب تحايلية وتقنيات لغسل الأموال منها اللجوء إلى الشركات الوهمية والبيانات الكاذبة في أرباح الشركات الكبرى والمتوسطة، هذا إضافةإلى الأرباح الخيالية الناتجة عن اقتصاد الريع الذي يستفيد منه بعض كبار المسؤولين في الدولة، وقالت مؤسسة “بوسطن” الاستشارية الأمريكية، أن أكثر من 30 في المائة من أموال الأغنياء في المغرب، توجد أساسا في بنوك سويسرية وبريطانية، وأكدت أن المغرب يحتل المرتبة الثانية في دول شمال إفريقيا فيما يخص تهريب الأموال، وفي هذا الصدد قال رئيس الحكومة المغربية السابق بنكيران أمام البرلمان، أنه يملك وثائق تشير إلى تورط مسؤولين كبار في تهريب الأموال من المغرب إلى الخارج.. وبذلك يكون قد شهد من أهلها شاهد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى