روبورتاج

ربورتاج | اختلالات أسواق الجملة تكرس الريع وضعف التدبير

المسكوت عنه في تجارة الخضر والفواكه

تعيش أسواق الجملة على الصعيد الوطني عدة مشاكل واختلالات في التدبير اليومي من قبل الجماعات المحلية، والسلطات الوصية، في ظل قانون معمول به يعود لفترة الستينات، مما يتطلب مراجعة للمقتضيات القانونية المتعلقة بتسييرها، لاسيما من جانب الامتيازات التي تعطى للوكلاء والمستفيدين، والذين يضيعون على خزينة الدولة مبالغ مالية كبيرة سنويا.

 

إعداد. خالد الغازي

 

    كشف تقرير المجلس الأعلى للحسابات، مؤخرا، عنالعديد من الاختلالات والخروقات،التي تعرفها أسواق الجملة على الصعيد الوطني، محملا المسؤولية للجماعات المحلية بسبب عدم مراقبة أسواق بيع الخضر والفواكه، مسجلا تراجعا ملحوظا في أداء الجماعات والفاعلين داخل السوق، مما يخلق عدة اختلالات على مستوى المداخيل وعمليات البيع وانتعاش التهرب الضريبي.

وبالرغم من الدور الذي تقوم به أسواق الجملة داخل المجتمع في الحفاظ على الأمن الغذائي وتوفير جميع المتطلبات والحاجيات الأساسية، إلا أن تقارير رسمية تؤكد وجود مشاكل واختلالات في تدبير هذه الأسواق، سواء من قبل الجماعات المحلية أو من قبل الشركات المكلفة بالتدبير أو السلطات المحلية المسؤولة عن المراقبة، وقد سبق أن أكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بدوره، وجود عدد من الاختلالات بأسواق الجملة، سواء في التنظيم أو التجهيزات أو نمط التدبير، ووضعية المهنيين العاملين داخل الأسواق (التسجيل في الضريبة التجارية، السجل التجاري، التغطية الصحية).

ميلود الدبالي

 يقول ميلود الدبالي،الكاتب العام لجمعية تجار أسواق الجملة،أن الإشكالية الموجودة في هذا القطاع تكمن في نظام الأعشار واقتطاع 7 في المائة من مداخيل التاجر وأحيانا من رأسماله رغم خسارته، تصل لـ 3 دراهم من أصل 50 درهما، أو 700 درهم من مبلغ 10 آلاف درهم،مضيفا أن التاجر يؤدي الواجبات لكنه لا يتمتع بحقوقه على غرار التغطية الصحية، والنظافة والأمن داخل السوق.

وأكد أن من بين المشاكل التي تعرفها أسواق الجملة، غياب النظافة وانتشار الأزبال، وذلك راجع للعدد المحدود لعمال النظافة مقارنة مع مساحة السوق التي تفوق خمس هكتارات، وتتطلب مجهودات كبيرة للحفاظ على نظافته والعناية به، إلى جانب مشكل تسربات مياه الأمطار إلى السلع والبضائع داخل الأماكن المخصصة للتخزين.

وأضافالدبالي،أن تاجر سوق الجملة بالرغم مما يقال عنه داخل المجتمع، إلا أنه محروم من عدة حقوق واجبة مثل التغطية الصحية، حيث يطلب منه التسجيل في نظام المقاول الذاتي لكي يستفيد ويتم تسجيله في صندوق الضمان الاجتماعي، عكس تجار في مهنأخرى تمكنوا من التسجيل في نظام الرعاية الاجتماعية الصحية، داعيا إلى مراجعة الإجراءات والمساطر المعقدة من قبل الجهات المسؤولة حتى يتمكن تجار أسواق الجملة من الحصول على هذا الحق.

نظام “المربعات” والريع

    يشتكي العديد من تجار الجملة من استفحال الريع داخل الأسواق، والذي يعطي لفئة من الناس امتيازات كثيرة ونسبة من الأرباح دون أن يقدموا أي خدمة، مثل نظام “الكريمات” المعمول به في قطاع النقل، حيث يؤكد الدبالي أن من أبرز المشاكل التي تتخبط فيها أسواق الجملة، نظام “المربعات” أو المساحات والوكلاء، والذي يطبق منذ سنة 1962، حيث ينص القانون على منح مبالغ مالية لهؤلاء الأشخاص الذين يستفيدون من مداخيل جميع أسواق الجملة دون أن يقدموا أي إضافة أو خدمة مقابل ذلك.

وأضاف أن أغلب المستفيدين يحصلون على نسبة1.5 في المائة من نسبة الأعشار التي تقدر بحوالي 7 في المائة من المداخيل اليومية التي تحققها أسواق الجملة والتي تصل لملايين الدراهم في اليوم، معتبرا أن الظرفية والواقع يتطلب مراجعة هذا القانون القديم وإعادة هيكلة أسواق الجملة حتى تساير التطور الذي تعرفه القوانين الأخرى في مختلف القطاعات، وتطور المجتمع.

في نفس الصدد، يقول عبد الرزاق الشابي، الكاتب العام لسوق الجملة بالدار البيضاء، أن المشكل الذي تعاني منه أسواق الجملة على الصعيد الوطني يكمن في اقتصاد الريع المتمثل في وكلاء “المربعات”، وهي مساحات مخصصة للبيع يضع فيها تجار الجملة السلع والبضائع مقابل تقديم نسبة للوكيل الذي يستفيد من هذا الامتياز دون القيام بأي مجهود أو خدمة، مشيرا إلى أن هؤلاء الوكلاء المستفيدين ينتمون لقدماء جيش التحرير يحصلون على مساحات داخل الأسواق ومحلات تجارية تمكنهم من الحصول على مداخيل مالية في إطار الريع، ويضيعون على خزينة الدولة مبالغ مهمة.

وأشار إلى أن أسواق الجملة تحقق ملايين الدراهم لفائدة خزينة الجماعات المحلية، وكمثال على ذلك، فسوق الجملة بالدار البيضاء يحقق مابين 15 إلى 16 مليار سنتيم في السنة، لكن عند مقارنة المداخيل مع الاعتمادات المخصصة للعناية بالسوق، يظهر فرق كبير، في ظل غياب بنية تحتية ومشكلة النظافة والإنارة العمومية، مطالبا المسؤولين بتأهيل أسواق الجملة والنهوض بها لكونها مرافق عمومية مهمة ذات علاقة كبيرة بالأمن الغذائي للمغاربة والسلم الاجتماعي.

مشكل النظافة وضيق المساحة

عبد الرزاق الشابي

    يقول عبد الرزاق الشابي: خلال السنوات الأخيرة، لم تعد مساحة سوق الجملة بالدار البيضاء تتحمل التوافد الكبير للسلع، سواء الخضر أو الفواكه، بسبب تزايد عدد الشاحنات والبضائع، وما زاد من تفاقم الوضع، الأشغال الجارية أمام السوق، والتي عرقلت عملية الدخول، مضيفا أن سوق الدار البيضاء يعاني من مشكل النظافة، حيث أن الآليات والمعدات المستعملة ليست في المستوى، إلى جانب قلة عمال النظافة الذين يبلغ عددهم حوالي 60 شخصا وهو عدد غير كافي بالنظر إلى مساحة سوق الجملة التي تصل لثلاثين هكتارا.

وأوضح أن المشكل الآخر الذي يعاني منه التجار، يكمن في مشكلة فواتير الماء والكهرباء التي يتوصل بها التجار من طرف شركة التدبير المفوض “ليديك”، حيث أن تسعيرة الكهرباء تصل لـ 2.40 درهم للكيلوواط، مما يجعل الفواتير تفوق مبلغ 5 آلاف درهم، وتصل في بعض الأحيان إلى مليونين أو ثلاثة ملايين سنتيم، داعيا إلى مراجعة التسعيرة المفروضة على التجار والتي لا وجود لها في دول أخرى،وإنما تزيد من مشاكل التجار داخل سوق الجملة بسبب المصاريف الكثيرة.

وكشف أن المشكل يكمنأيضا في غياب المراقبة بسبب تحرير الأسعار، وتجريد القسم الاقتصادي من سلطته الرقابية لمراقبة الأسواق وتجار التقسيط، خاصة وأن الأثمنة الحالية في أسواق الجملة في المتناول، حيث أن سعر الطماطم لا يتجاوز درهمين، والجزر درهما واحدا ونصف، غير أن هذه الأثمنة لا تنعكس على المستهلك الذي يصطدم بأثمنة باهظة عند محلات بيع الخضر أو في الأسواق الصغيرة، مشيرا إلى أن إشكالية “كوطا” التصدير من بين مسببات زيادة الأسعار، بسبب عدم تحديد كميات الخضر والبضائع المسموح لها بالتصدير نحو الدول الأوروبية والإفريقية، مما يسبب أزمة داخل السوق الوطنية.

قانون منذ الستينات

    كشف تقرير المجلس الأعلى للحسابات عن الاختلالات والمشاكل التي تعيشها أسواق الجملة، التي تواجه عدة صعوبات تحد من أدائها ومن القيام بدورها، منها بعض مقتضيات الترسانة القانونية ذات الصلة، والتي تعود بعضها لستينيات القرن الماضي والتي أصبحت متجاوزة، خاصة فيما يتعلق بإلزامية ولوج الخضر والفواكه عبر هذه الأسواق والاستمرار في العمل بنظام الوكلاء وأيضا المقتضيات المتعلقة بالأداء.

وأفاد نفس التقرير،أن أسواق الجملة تعاني من منافسة مختلف الأسواق بحكم الواقع من المسالك الموازية، بحيث تنشط أسواق البيع بالجملة في بيئة تتكاثر فيها الأسواق غير النظامية، والتي قد تفوقها حجما، مسجلا أن الحصة التسويقية لأسواق الجملة النظامية لا تمثل سوى ثلث الاستهلاك الوطني، بينما الثلثان المتبقيان يتم تسويقهما من خلال مسالك أخرى، مضيفا أنه من خلال المراقبة والافتحاصالداخلي والدراسات المنجزة من طرف المتدخلين، تبين أن هناك نقصا في مراقبة وضبط السلع والمستفيدين، سواء عند الولوج أو أثناء إجراء عمليات التفريغ والبيع.

وأبرز التقرير أن الخدمات المقدمة في الأسواق تتسم بالضعف مقابل عمولة غير مبررة، بالإضافةإلى احتلال الفضاءات وغياب النظام داخل وخارج هذه الأسواق، ووجود بنية تحتية متهالكة وانعدام معايير النظافة، مؤكدا أن أداء الجماعات والوكلاء يعرف تراجعا كبيرا داخل فضاءات هذه الأسواق، وهو ما يتجلى من خلال ضعف المراقبة وعدم ضبط الكميات المتداولة والأثمان.

ووصف المجلس الاقتصادي والاجتماعي بدوره الإطار القانونيبـ”المتقادم” حيث يعود إلى سنة 1962، وأصبح غير مناسب ويعيق تنافسية سلاسل الإنتاج الفلاحي، مبرزا أن تقادم النصوص التشريعية المؤطرة لتنظيم واستغلال أسواق الجملة وعدم ملاءمتها للتحولات الاقتصادية والاجتماعية، يشكل عقبة كبرى تحول دون تطوير منظومة تسويق سليمة وعادلة وعصرية، وهو ما ينعكس سلباعلى جاذبية أسواق الجملة ويشجع على التعاطي للأنشطة التسويقية غير المهيكلة واللجوء إلى القنوات الموازية.

 

أحمد رضى الشامي، رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي

ملاحظات مجلس الشامي

   كشف المجلس الاقتصادي والاجتماعي، الذي يرأسه أحمد رضى الشامي، بدوره عن عدة مشاكل وصعوبات تعيشها أسواق الجملة، تتعلق على الخصوص بطريقة التدبير ووضعية التجهيزات والمنظومة الجبائية، ونقص احترام قواعد النظافة والصحة والسلامة، وقال أن المملكة تعرف تواجد 38 سوقا للبيع بالجملة، موزعة على 32 إقليما وعمالة، ويتألف الفاعلون الذين يرتادون أسواق الجملة، حسب المصدر ذاته، من 3700 منتج و4600 تاجر جملة و374 وكيلا و20 ألف مستخدم، من عاملين لدى الجماعات ووكلاء وتجار جملة وحمالين وغيرهم.

وأوضح أن من أبرز الاختلالات التي رصدها، تجاوز حجم منتجات الفواكه والخضر التي يتم بيعها في السوق الداخلية الوطنية 9 ملايين طن، لكنتمر 5.3 ملايين طن فقط منها عبر أسواق البيع بالجملة، بينما يباع الباقي في باقي الأسواق، وأشار المجلس إلى أنه يتوقع أن تتسع هذه الحصة التي يتم تسويقها في الأسواق الموازية خلال السنوات المقبلة بالنظر إلى الارتفاع المطرد في إنتاج الفواكه والخضر.

وسجل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، ارتفاع نسبة الإتاوة التي يتلقاها القائمون على تدبير السوق والمحددة في 7 في المائة من المبلغ الإجمالي لمبيعات الفواكه والخضر بالجملة، إذ تذهب 2 في المائة منها، للوكلاء، لكن دون تقديم خدمة حقيقية في المقابل.

تعليق واحد

  1. بسم الله الرحمن الرحيم؛ تعلقنا على ماجاء في التقرير. هنالك حقائق مغلوطة بالنسبة للوكيل والتجار أولا الوكيل يقدم خدمات جليلة وكبيرة طاقم من المحاسبين والحراس والكهرباء وخدمات أخرى…. إما التجار فقليل ماهم بل أكثرهم سماسرة يقتطعون نسبة اكثر من الوكيل وقد تتساوى ونسبة الجماعة فنسبة التجار المزاولين للجملة في المغرب لا تتجاوز 10 بالمئة… إذن كل السماسرة يتهربون من الضرائب وكلهم المستفدون وهناك جمعيات داخل الأسواق تنهب المال العام دون تحريك المسار القانونية وبالتالي هناك فساد أخلاقي واجتماعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى