روبورتاج

ربورتاج | رمضان بين غياب الوباء وحضور الغلاء

الشهر الكريم بدون تدابير احترازية

مع حلول شهر رمضان المبارك، تفكر الأسر المغربية في توفير الحاجيات الأساسية والقفة اليومية الخاصة بهذا الشهر الفضيل، في ظل الزيادات الكثيرة التي عرفتها المواد الغذائية الأساسية، خاصة الزيوت النباتية، والقمح والدقيق الممتاز، والقطاني، بحيث لا حديث اليوم في الشارع وبين الناس سوى عن الأسعار التي قفزت إلى مستوى قياسي مقارنة مع السنوات الماضية، التي كانت فيها قفة رمضان في متناول الأسر محدودة الدخل، والطبقة الهشة.

 

إعداد. خالد الغازي

 

    يأتي رمضان هذا العام في ظرفية اقتصادية واجتماعية صعبة تمر منها العديد من القطاعات، بسبب تداعيات الجائحة وعدم استفادتها من الدعم الحكومي الذي خصصته لبعض القطاعات مثل السياحة، والفلاحة، بينما تعاني شريحة كبيرة من المغاربة من أزمة مادية صعبة دفعت بالعديد منهم للجوء إلى القروض البنكية أو العائلية للخروج من الأزمة.

ورغم حلول شهر رمضان في ظل وضعية وبائية مستقرة، وتخفيف القيود واستبعاد فرض الحظر الليلي، إلا أن مخاوف المواطنين كثيرة بخصوص ميزانية الشهر الفضيل، والتي تتضاعف ثلاث مرات مقارنة مع الأشهر السابقة، سواء بالنسبة لاستهلاك المواد الغذائية أو اللحوم أو الكهرباء، مما يجعل المخاوف قائمة من حصول زيادات خلال شهر الصيام.

في هذا الصدد، يقول نور الدين احنانو، رئيس الجمعية المغربية لحماية المستهلك والدفاع عن حقوقه، وعضو المجلس الوطني للجمعية المغربية لحماية المستهلك، أنه مع اقتراب شهر رمضان عرفت العديد من المواد ارتفاعا في الأسعار مثل القطاني والتوابل، وحتى الخضر، لكن بعد إيقاف عملية التصدير، تراجعت الأثمنة بعض الشيء، موضحا أن ارتفاع الأسعار له تأثير كبير على المستهلك المغربي الذي يعاني منذ عدة أشهر من جائحة “كورونا”، بسبب فقدان الكثير من الناس لوظائفهم، والجميع فوجئ من ارتفاع أسعار المواد الغذائية في الأسواق مع حلول شهر رمضان الذي يعرف تزايد الطلب على مجموعة من المواد الغذائية.

بدوره، صرح حسن داندي، رئيس الهيئة الوطنية لحماية المستهلكين، أن هذا العام استثنائي، بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية التي لم يسبق أن وصلت إليها في السنوات الماضية، منها مواد تضاعفت أسعارها في السوق الوطنية، مما سيجعل تكاليف شهر رمضان فوق طاقة المستهلكين، مضيفا أن من بين المواد التي تعرف زيادات في الأسعار، التمور والتوابل، والقمح ومشتقاته، وهذا يشكل مشكلا بالنسبة للمستهلكين وارتباكا في السوق، وقال: “في منطقة الجنوب، كانت العبرة ديال القمح وزنها 18 كيلوغرام، لا تتعدى 70 إلى 80 درهم، اليوم وصلت 150 درهم، أيضا مواد العطرية ارتفعت بشكل كبير من 40 و50 درهم إلى 60 و70 درهما، والدجاج واللحوم بدورها ارتفعت إلى 70 درهم، يعني أثمنة خيالية يصعب على المستهلك المغربي أن يواكبها”.

مشكل السماسرة والاحتكار

    تعرف العديد من أسواق الجملة وغيرها، انتشار ظاهرة السمسرة والوسطاء، الذين يتحكمون في الأثمنة كل يوم ويفعلون ما يشاؤون، حيث أكد احنانو، أن “الوسطاء والسماسرة يتحكمون في الأسواق ويساهمون في ارتفاع الأسعار بالرغم من وفرة المواد الغذائية”، مبرزا أن “جمعيات حماية المستهلك دائما ما تطالب السلطات بتفعيل لجن المراقبة خلال شهر رمضان ومتابعة المخازن السرية والمضاربين في الأسواق، حتى لا ترتفع أسعار المواد الغذائية”.

من جهته، اعتبر حسن داندي، أن “المشكل يكمن في غياب استراتيجية على الصعيد الوطني لتحديد أسباب الغلاء، وفي ظل شبه غياب لمراقبة الأسعار ومحاربة احتكار المواد الأساسية خلال شهر رمضان”، مشيرا إلى أن “ثمن سمك السردين يقفز إلى 20 درهما في شهر الصيام، بينما يباع في المرسى بثمن لا يتجاوز 3 دراهم، لكنه يصل للمستهلك بثمن مرتفع بسبب وجود ثغرات في عملية البيع وعبوره عبر وسطاء متعددين بعد خروجه من المرسى، وهذا يدل على غياب المراقبة لتتبع المضاربين والمستفيدين من هذه الوضعية، والوضع ينطبق على عدة منتجات فلاحية أخرى بسبب الاحتكار والسماسرة”.

 

زيادات في التمور

    سجلت أسعار بيع التمور على المستوى الوطني، ارتفاعا خلال الأسبوعين الأخيرين من شهر شعبان، وخاصة المنتوج الوطني، مما يدفع المواطنين للبحث عن تمور أخرى مثل التمور التونسية أو العراقية أو المصرية عوض المنتوج المحلي الذي يعرف مضاربات وأثمنة مرتفعة مقارنة مع التمور المستوردة.

وحسب بعض الباعة بالتقسيط، فالتمور عرفت زيادات شملت التمر العراقي الذي يصل إلى 15 درهما بعدما كان ثمنه 10 دراهم فقط، والتمر التونسي ارتفع سعره لـ 25 درهما، بينما قفز ثمن تمر “السكري” من 25 إلى 35 درهما، بينما بلغ سعر التمور ذات الجودة الممتازة 50 إلى 70 درهما للكيلو غرام.

يقول أحد التجار، أن “التمر هذه السنة سجل ارتفاعا مقارنة مع السنوات الماضية بزيادات وصلت لـ 5 دراهم وأكثر، وخاصة التمور ذات الجودة والمستوردة”، معتبرا أن “هذه الزيادات ليست في مصلحة المواطن البسيط الذي يعيش ظروفا صعبة بسبب جائحة كورونا”.

 

“العطرية” تسجل أرقاما قياسية

    تعرف التوابل أو “العطرية” كما يحلو للمغاربة تسميتها، ارتفاعا صاروخيا بمناسبة شهر رمضان، حيث سجلت أرقاما قياسية مقارنة مع السنة الماضية، ويقول محمد، “عطار” بـ”سويقة” الرباط، أن “العطرية تزادت في هاذ المدة الأخيرة، والأثمنة ديالها كلها فوق 60 درهم، كانت بعض العطرية أقل من خمسين درهم هذي مدة، لكن كلها الآن ولّات غالية في سوق الجملة”، مضيفا: “حتى القطاني من عدس وفاصوليا وحمص، ارتفعت أسعارها مقارنة مع رمضان الماضي، حيث كانت تباع بأقل من 15 درهما، لكن خلال الأشهر الماضية سجلت زيادات بأكثر من 4 دراهم”.

التوابل من المواد الأساسية في شهر رمضان، لأنها تستعمل في الطبخ بكثرة، وفي إعداد الوصفات أو “السفوف” و”الشهيوات” التي تزين مائدة الفطور، لكن حسب التجار، فقد أصبحت الأثمنة مرتفعة مثل “التحميرة” 70 درهما، “البزار” 70 درهما، “القرفة” 80 درهما، “السودانية” 70 درهما، الثوم 40 درهما، “القزبر” 40 درهما، “سكين جبير” 60 درهما، “الزنجلان” 45 درهما، أما القطاني، فقد عرفت بدورها زيادات مفاجئة مثل الحمص الذي ارتفع ثمنه إلى 18 درهما بعدما كان بـ 12 درهما للكيلوغرام، والعدس الذي أصبح ثمنه بالجملة 15 درهما، والفاصوليا 14 درهما، حيث أن جميع أنواع القطاني فاقت العشرة دراهم.

 

غلاء مكونات “السفوف” و”الشباكية”

    من العادات التي يحافظ عليها المغاربة خلال شهر رمضان، تحضير مواد أساسية تزين بها طاولة الإفطار، من أهمها “السفوف” و”الشباكية” و”البريوات”، حيث تسهر النساء خلال الأيام الأخيرة من شهر شعبان، على إعداد هذه الوصفات التي تسعى العائلات المغربية للحفاظ عليها من خلال التضامن والتعاون من أجل إعدادها أو تقديمها كهدية للأسر بمناسبة حلول رمضان، بسبب غلاء المواد الأساسية.

يقول حميد (عطار بالسويقة)، أن “مكونات تحضير السفوف والشباكية موجودة في السوق، لكن الأثمنة مختلفة بين المنتجات المحلية والخارجية وحسب الجودة، إذ يتراوح ثمن اللوز بين 60 درهما إلى 80 درهما حسب الجودة، وثمن الكاوكاو وصل لـ 40 درهما، والزنجلان من 35 إلى 40 درهما، أما النافع، فقد وصل ثمنه إلى 80 درهما”، مشيرا إلى أن جل المواد الأساسية، سواء الفواكه الجافة أو “العطرية” أو الزبدة سجلت زيادات خلال هذه السنة.

بدورها، صرحت رشيدة، إحدى زبائن “العطار”، أن “أثمنة المواد الأساسية لتحضير السفوف أو سلو، غالية جدا وتتطلب مبلغا ماليا يفوق 500 درهم، وهو مبلغ فوق طاقة الأسر التي تفكر في مصاريف شهر رمضان بكامله”، مشيرة إلى أن “تحضير سطل يكفي العائلة من سلو، يتطلب 700 درهم لاقتناء المكونات الأساسية فقط، دون احتساب ثمن الزيت الذي وصل لـ 90 درهما، والزبدة التي أصبح ثمنها 100 درهم”.

إسراف الأسر في رمضان

    أكد نور الدين احنانو، رئيس جمعية حماية المستهلك، على ضرورة تحلي المواطن بترشيد الاستهلاك وعدم التهافت على المواد الباهظة خلال شهر رمضان، حتى يكون العرض أكثر من الطلب، ودفع التجار الذين يخزنون السلع في المستودعات، لإخراجها للسوق حتى لا تتعرض للتلف، وبالتالي، سوف تنخفض الأثمنة ويقتني المواطن المواد الغذائية بأثمنة مناسبة، وقال: “تقوم جمعية المستهلك بحملات تحسيسية لتوعية المواطن بضرورة التقليل من الاستهلاك وفق الحاجيات عوض التبذير ورمي مواد غذائية والخبز، لهذا على المواطن أن يقتني المواد التي يستعملها وفق الحاجة، مثل الزيت النباتي الذي أصبح ثمنه باهظا، الأمر الذي يتطلب من المستهلك شراء لترين فقط أو استعمال بدائل أخرى مثل الزبدة والدهون”.

في نفس السياق، أشار حسن داندي إلى أن ثقافة الاستهلاك ضعيفة عند المستهلك المغربي للتعامل مع ارتفاع الأسعار، ولمواجهة المضاربين الذين يستغلون الظروف للزيادة في المواد الغذائية الأساسية، وأن الهيئة تعمل من أجل توعية الناس والأسر من أجل تحسين ثقافة الاستهلاك، لأن ثلث المواد الغذائية تضيع بسبب طبخ كميات كبيرة، والبحث عن مواد بديلة وحلول أخرى للحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى