روبورتاج

ربورتاج | كيف تورطت وزارة الفلاحة في تدمير خلايا النحل المغربية

بين العشوائية في التسيير وغياب التكوين

يعيش قطاع تربية النحل وضعية مزرية على الصعيد الوطني بعد تعرضهم لانتكاسة خلال الشهر الفارط، خاصة لدى المهنيينالصغار الذين فقدوا الكثير من خلايا النحل، ولازالوا ينتظرون التوصل بالدعم من الوزارة الوصية، لتعويض الخسائر التي أدت إلى فقدان نسبة تصل إلى 70 بالمائة من الصناديق والخلايا.

وانتقد فاعلون مهنيون الوضع الذي يعرفه القطاع منذ عدة سنوات، بسبب الوصاية التي تفرضها مديرية سلاسل الإنتاج والعديد من الاختلالات والإقصاء والتهميش، وغياب التكوين والبحث العلمي، بالإضافة إلى إغلاق مدارس وطنية كانت رائدة في مجال تكوين الشباب وأطر متخصصة في تربية النحل، مما خلق فراغا كبيرا وجعل القطاع يتخبط في العشوائية.

وأكد الفاعلون أن الفيدرالية البيمهنية المغربية لتربية النحل، قامت بعدة أخطاء خلال السنوات الماضية، حيث لم تعقد أي جمع عام لتجديد المكتب المسير، وصرفت أموال الدعم التي حصلت عليها من وزارة الفلاحة دون أن تسفر عن نتائج ملموسة على أرض الواقع، بينما يعاني المهنيون من قلة الإمكانيات وغياب الدواء الناجع، وضعف الخبرة والتكوين.

 

إعداد. خالد الغازي

 

    يقول جواد متاك، عن اتحاد مربي النحل بالمغرب، أن المشكل سببه طفيلية “الفاروا” التي دخلت منذ 30 سنة للمغرب، وتعيش مع النحل وداخل الخلايا، وتتم معالجتها بالأدوية وهي السبب في الضرر الذي أصاب النحل على الصعيد الوطني، ولكن الإشكالية تكمن في عدم ضبط مربي النحل لكمية الأدوية المخصصة لكل خلية وغياب التكوين واستعمال نفس الصنف من الدواء، مما جعل طفيلية “الفاروا” تكتسب مناعة ضده وتتكاثر داخل الخلايا، مشيرا إلى أن هذا المشكل وقع في أوروبا وأمريكا، لكنهم تمكنوا من الوصول إلى حلول ناجعة لمحاربة هذه “القرادة” بينما لازلنا في المغرب نتخبط وننتظر الحل.

وأوضح أن معظم مربي النحل لا يعلمون كمية طفيليات “الفاروا” الموجودة في الصندوق والتي تعيش وسط النحل، والمدة اللازمة لبقاء الدواء داخل الخلية خلال مرحلة احتضان البيض، حيث يلجؤون لطرق عشوائية وغير علمية في إعطاء الدواء، مما يجعل “الفاروا” تؤثر على حجم وحياة خلية النحل وعلى نظامه الطبيعي، مضيفا أن النحل الحامل لـ”الفاروا” يكون ضعيفا بنسبة 30 بالمائة عن النحل السليم، ويفقد 60 بالمائة من نسبة الطيران و50 بالمائة من مدة حياته، كما تؤدي إلى تنقل الفيروس بين الخلايا.

اختفاء مدارس تربية النحل

    كشف جواد متاك، أن المغرب فقد ثلاثة مدارس كانت متخصصة في التكوين وتربية النحل، مثل مدرسة الأمير سيدي محمد المعروفة بـ”الكدية” بسيدي يحيى زعير، ومدرسة تربية النحل بمنطقة للاميمونة ومدرسة “الفوارات” بالقنيطرة، وقد كانت مدرسة “الكدية” تضم دكاترة أجانب، وتخرج منها 5 أفواج هم من أشرفوا على تكوين النحالة في المغرب بكامله، موضحا أنه منذ اختفاء جميع المدارس، ظلت الأمور تسير بعشوائية ولم يعد لدينا باحثون وخبراء بعدما كان لدينا دكاترة متخصصين في البحث في أمراض النحل أمثال الدكتور الدكاك وأزلاك.

وأشار إلى أن مدرسة “الكدية” المذكورة المتخصصة في التكوين في تربية النحل، كان يشرف عليها خبراء ودكاترة أوروبيون قاموا بتكوين العديد من الشباب المغاربة في مجال تربية النحل، لكنهم رحلوا إلى بلدانهم، وأصبح القطاع يعيش فراغا ومشاكل تراجع الإنتاج، بسبب غياب الاستمرارية والبحث وتتبع المجال لتطويره، ومعرفة المستجدات، مشيرا إلى أن خريجي المدارس السابقة لم يواصلوا مسار البحث والتقدم العلمي، إلى جانب أطباء المكتب الوطني الذين بدورهم يفتقدون للتكوين في قطاع تربية النحل، والدليل هو دعوة خبراء أوروبيين إلى اللقاء الذي نظمته الوزارة حول مشكل اختفاء النحل.

 فيدرالية تحت وصاية الوزارة

    العديد من مهنيي النحل ينتقدون طريقة تأسيس الفيدرالية البيمهنية المغربية لتربية النحل سنة 2011، والتي لم تعقد جموعها العامة منذ تلك الحقبة، حيث ظل الأشخاص الذين وضعتهم وزارة الفلاحة يتحكمون في القطاع ويحصلون على الدعم منذ تلك الفترة، لكن دون أن ينعكس ذلك على المهنيين الصغار.

في هذا السياق، أكد جواد متاك،أن مديرية سلاسل الإنتاج التابعة لوزارة الفلاحة، قامت بخلق الفيدرالية البيمهنية لتربية النحل، والتي تلقت دعما ماليا بلغ 1.48 مليار درهم، وهو مبلغ خيالي لإصلاح القطاع ورفع الإنتاج من 3 آلاف طن إلى 16 ألف طن، لكن دون تحقيق أي شيء، حيث تم تخصيص هذا الدعم بناء على اتفاقية وقعت بمكناس سنة 2011 بين ممثلي الفيدرالية ووزير الفلاحة وفق عقدة أهداف من 2010 إلى 2020، منتقدا تحكم الوزارة في القطاع بعدما أسست الفيدرالية ووضعت أشخاصا في المكتب يبحثون عن المصالح والصفقات.

بدوره، اعتبر محمد الميلودي ستيتو، المنسق الوطني للتنظيمات المهنية لمربي النحل، أن المشكل يكمن في السياسة العشوائية التي تنهجها الفيدرالية التي أسستها وزارة الفلاحة، والتي تسببت في وقوع الكارثة، بسبب طريقة التسيير والتدبير، مما أدى إلى تفاقم الوضعية، مبرزا أن الفيدرالية كان مفروضا عليها تقديم الدواء لمربي النحل بشكل منتظم، لكن الإشكال الذي وقع،أن “الفيماب” منحت الدواء 11 مرة فقط عوض 22 مرة المطلوبة، مما أسفر عن انتشار المرض بين النحل، والذي ظهر منذ ثلاث سنوات بسبب السياسة العشوائية في تدبير القطاع.

جانب من الوقفة الاحتجاجية التي نظمها النحالون مؤخرا بمقر وزارة الفلاحة

 خسائر بـ 80 في المائة

    أوضح محمد ستيتو، المنسق الوطني للتنظيمات المهنية، أن مطالب المهنيين تكمن في هيكلة القطاع، لأنه عشوائي وغير مهيكل، يضم سماسرة وأصحاب “المارشيات”، والنحال يعيش التهميش والإقصاء، حيث أن مشكلة انهيار خلايا النحل هي النقطة التي أفاضت الكأس ودفعت المهنيين إلى الاحتجاج، داعيا إلى إشراك المهني الحقيقي وفق مقاربة تشاركية، والإنصات إليه وفتح باب الحوار.

وأضاف نفس المصدر،أنالخسائر تقدر بحوالي 80 في المائة في منطقة الغرب لوحدها، والتي تعتبر الجهة الأولى بالمغرب المتخصصة في تربية النحل منذ الستينات، إلا أن الفيدرالية والمكتب الوطني للسلامة الصحية “أونسا”، ينفيان وجود المرض في هذه الجهة، لحرمانها من الدعم، رغم أن هناك أدلة ووثائق تؤكد انتشار المرض في المنطقة وتضرر نسبة كبيرة من الخلايا، مؤكدا أن التنسيقية سبق أن حذرت منذ سنوات من انتشار المرض عبر عدة مراسلات وجهتها إلى الداخلية ووزارة الفلاحة والقطاعات المعنية، وقال: “نحن كتنسيقية وطنية، ندق ناقوس الخطر من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، فالنحال المغربي هو الذي يقوم بالتدبير المفوض، النحال هو الذي يقومبتلقيح المحاصيل الزراعية من 70 إلى 80 في المائة، والنحال يقوم بالتدبير المفوض الطبيعي بدون مقابل، وسلاسل إنتاج النحل هي الحلقة الأضعف في السلاسل الفلاحية مثل اللحوم الحمراء والدجاج والحليب، والتي يخصص لها الدعم والمساندة المعنوية، باستثناء تربية النحل رغم أنها عامل سوسيواقتصادي واجتماعي في المغرب”.

 مرض قديم منذ الثمانينات

    من جانبه، أوضح الحسن بنبل، رئيس النقابة الوطنية لمحترفي تربية النحل، أن المغرب سبق أن عرف في أواخر الثمانينات، ظاهرة انهيار خلايا النحل بشكل أشد، حيث تسببت الظاهرة وقتها في انهيار أكثر من نصف خلايا النحل بالمغرب، وكانت نقابتنا، في تلك الأثناء سباقة لاكتشافها في نهاية سنة 1987 وبداية 1988، بالتعاون مع خبراء أجانب كانوا مقيمين بالمغرب، إذ تعلق الأمر حينها بفيروس “الجناح المشوه” المعروف اختصارا بفيروس “DWV”، الذي تنقله طفيليات “الفاروا”، وقد اعترفت وزارة الفلاحة والإصلاح الزراعي بوجوده سنة 1989، واتخذت قرارا رسميا في شأن التدابير الواجب اتخاذها لمحاربة ما أسمته حينها داء “لقاع النحل”، وتم تخصيص تعويض للنحالين الذين أتلفت خلايا نحلهم سواء كانت عصرية أو تقليدية، وكل التفاصيل منشورة بالجريدة الرسمية رقم 4042 بتاريخ 18/04/1990.

وأضاف بنبل، أن الظاهرة نتجت عن مرض فيروسي معدي يصيب حضنة النحل، وينشأ عن فيروس عالمي يسمى اختصارا “SBV”، وهو ما أثبتته الأبحاث والتحاليل المخبرية التي قام بها فريق علمي أكاديمي على العديد من العينات، بعد القيام بتجارب ميدانية على خلايا نحل سليمة، حيث لوحظ أنه عند إدخال حضنة مريضة تنتشر العدوى في كل الخلية وبعد مرور 30إلى 40 يوما على الأكثر، لا يبقى في تلك الخلية سوى الملكة رفقة بضع نحلات، وستموت الملكة بدورها، مؤكدا وجود مرض فيروسي معدي ينتقل من الخلايا المصابة إلى الخلايا السليمة، مما يؤدي إلى انهيار متفاقم لطوائف النحل الواحدة تلو الأخرى.

وأشار إلى أن العلاج الفعال للقضاء على هذا الطفيلي، يتعلق بدواء بيطري استعمل في دول عرفت مناحلها هذا المرض قبلنا بعدة سنوات، مثل بعض الدول الأوروبية وخاصة إسبانيا وبعض الدول العربية، حيث أثبت هذا الدواء نجاعته، وهو عبارة عن عبوة تحمل الجرعة الخاصة بمعالجة النحل، وكذلك ضرورة استشارة الطبيب البيطري المختص، الذي يمكنه تشخيص نوع المرض وتحديد وسائل العلاج وعدد الجرعات.

انفراج جزئي

    كشفت النقابة الوطنية لمربي النحل، أن ظاهرة انهيار طوائف النحل بالمغرب عرفت انفراجا مع نهاية فصل الشتاء الذي يتوقف فيه نشاط الفيروس المسبب للمرض، بحيث أن ما عرفته طوائف النحل المصابة بالمرض من انهيار شامل مع بداية فصل الشتاء (خصوصا في منزلة “الليالي” التي تبدأ في بلدنا يوم 25 دجنبر وتنتهي في اليوم الثاني من شهر فبراير)، يعد من التوابع الجانبية للمرض (يرقات النحل التي أصابها المرض تموت قبل اكتمال نموها)، الذي أدى إلى انهيار التوازن الطبيعي لطوائف النحل بعد انتهاء العمر الافتراضي لشغالات النحل المسنة دون أن تجد خلفا لها من الجيل الشتوي.

وأضافت النقابة، أن الأبحاث التي أجريت على العينات أكدت تناقصا ملحوظا للفيروس، حيث تحقق الانجلاء الكامل والخلو التام في العينات الشتوية، ولذلك وصف الخبراء المتخصصون المرض الناتج عن فيروس SBV، بغير الخطير، إذ تعود طوائف النحل التي تعافت منه إلى وضعها الطبيعي مع اكتسابها للمناعة، مشيرة إلى أن أصحاب بعض الضيعات الفلاحية التي تستغل النحل في تلقيح الأشجار، أثبتوا جميعا حالة التعافي تلك، حيث عادت الحياة الطبيعية والنشاط إلى مختلف خلايا نحلهم، واستغلوا هذه الفترة المهمة من السنة، وهي “موسم التطريد”، حيث تمكن العديد منهم من أن يسترجعوا إلى حدود الساعة، مابين 50 و75 في المائة من رصيد خلايا نحلهم عن طريق التقسيم.

من جانبها، أكدت الفيدرالية البيمهنية لتربية النحل، أن المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، أجرى تحريات ميدانية وتحاليل بيطرية، للتأكد من خلو النحل من أي مرض، كما أنه تم تنظيم ندوة علمية شارك فيها خبراء مختصون في هذه الظاهرة، وخلصت إلى توصيات سيتم إدماجها في برنامج الدعم لسلسة تربية النحل.

ودعت الفيدرالية جميع مهنيي تربية النحل إلى دعم تنظيمهم عبر الانخراط بتمثيلياتها الجهوية المتواجدة بجميع أنحاء المملكة، وذلك حتى تتمكن من ضبط المعطيات والإحصائيات، مشيرة إلى أنها تواصل مجهوداتها الرامية للحد من الأثار السلبية لهذه الظاهرة في إطار التعاون مع كافة المتدخلين، من بينهم مديرية تنمية سلاسل الإنتاج، والمديريات الجهوية لوزارة الفلاحة، و”أونسا”، والمكتب الوطني للاستشارة الفلاحية، وذلك بالنظر إلى أهمية المناحل والنحل في التوازن البيئي والفلاحي والتنمية الاقتصادية.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى