متابعات

متابعات | خطر التدخين والإدمان يهدد الشباب والنساء أمام صمت الدولة

نتيجة وضع القوانين في الثلاجة

كشف تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، عن الخطر الذي يسبب الإدمان في أوساط الشباب وأطفال المؤسسات التعليمية وعلى المجتمع، في ظل الصمت الرهيب للسلطات والحكومة وفعاليات المجتمع المدني، عن النتائج العكسية والخطورة التي يسببها الإدمان على الأسرة والمجتمع وعلى الشخص المدمن على المخدرات والأقراص المهلوسة وغيرها.

 

إعداد. خالد الغازي

 

    التدخين يعتبر معضلة كبيرة وسط العديد من شرائح المجتمع، في ظل تعاطي الأطفال القاصرين والفتيات والنساء بكثرة للسجائر التي أصبحت تباع في كل مكان، سواء عند محلات البقالة والأزقة والشوارع وحتى أمام المدارس، وقرب المستشفيات العمومية والمصحات، في ظل تزايد الشركات المنتجة والمصنعة، وفي ظل غياب قانون يحمي الناشئة من خطر آفتي التدخين والإدمان.

وأضاف المجلس، أن “هناك 6 ملايين مدخن، منهم 5.4 ملايين من البالغين، ونصف مليون من القاصرين دون سن 18 سنة، حيث يتم استهلاك 15 مليار سيجارة كل سنة، علما أن محتوى السجائر في المغرب من النيكوتين والمواد السامة، أعلى من الكمية الموجودة في السجائر المرخصة بأوروبا، كما أن 35.6 في المائة من السكان معرضون للتدخين”، مشددا على “ضرورة توفير الحماية الاجتماعية للمدمنين، واهتمام طب الشغل بالإدمان، وبتحيين الإطار القانوني من أجل الارتقاء بجهود الوقاية من المخاطر المرتبطة بهذه الظاهرة المجتمعية وتقليصها”.

في هذا السياق، قال البروفيسور عبد الإله الهلالي، أخصائي نفساني، أن التقرير الصادر عن المجلس الاجتماعي والاقتصادي والبيئي يكشف مدى انتشار المخدرات وسط الشباب والشابات، والذي يبرز أن نسبة التحسيس والدعاية المصاحبة للاستعمال لا زالت ضعيفة، رغم مجهودات بعض الجمعيات التي تقوم بحصص للتحسيس بمخاطر الإدمان.

وأوضح المتحدث أن التدخين والمخدرات لم تعد شيئا يتسم بالوصم داخل المجتمع، حيث أنه في الماضي كانت طبقة الطلبة ترى في استعمال المخدرات شيئا مبخسا اجتماعيا وتنفر منه، هذا النفور ساهم في حماية شريحة كبيرة من الشباب والفئات من آفة المخدرات.

وأكد الدكتور الهلالي، أن الإدمان هو استعمال لشيء بشكل متكرر وقسري، حيث أن الشخص المدمن لا يستطيع التخلي عن استعمال الشيء المادي سواء كان صناعيا أو طبيعيا أو عادة معينة، مثل الإدمان الجنسي أو الإدمان على الأنترنيت، أو بعض السلوكيات المعينة، وبصفة عامة، هو التفسير السيكولوجي ونوع من الارتباط النفسي مع الأشياء، لأن الإدمان يرتبط بشكل كبير بإفراز مادة “التوبامين”، وهي هرمون النشوة واللذة والتي ترفع نشوة الشخص بالاستعمال، وأحيانا بتخفيف الألم وتقليص الضغط والإحساس بالسكينة التي يعتاد عليها الدماغ.

وأضاف أنه تعاطي المخدرات في الجامعات سواء العمومية أو الخاصة، أصبح أمرا عاديا في صفوف الطلبة، والبعض منهم أصبح يقتني آلة لإعداد سجائر المخدرات ويفتخر بحملها، إلى جانب فئات مهنية مثل طلبة الطب الذين بدورهم أصبحوا مدمنين على المخدرات في المقاهي بعدما كانوا لا يتعاطون لهذه الآفة الخطيرة.

الفتيات أكثر تعاطي للتدخين

عبد الإله الهلالي

    حسب الدكتور الهلالي، فإن ظاهرة الإدمان أصبحت ملتصقة بالفتيات كثيرا، بعدما دخلت الفتاة مرحلة الهوية الاجتماعية وتسعى لإثبات حريتها وحضورها اجتماعيا، الشيء الذي يجعلها تلتصق بهذا التمظهر المتفشي بين البنات، بحيث كشفت بعض الإحصائيات، أن الإناث يمثلن أكثر نسبة في تعاطي التدخين في الأماكن العمومية، بعدما كان الناس ينظرون إلى الفتاة المدخنة بصورة مبخسة، لأنها صورة تنقص من الأنوثة، إلا أن بعضهن الآن وصلن لمرحلة الإدمان بشكل كبير، لكون موضوع التدخين لم يعد يحظى بالضغط الاجتماعي، موضحا أن سبب ارتفاع نسبة الإدمان لدى الفتيات أكثر من الذكور، راجع لكون اللوزية الدماغية المسؤولة عن العاطفة تشتغل لدى الإناث أكثر، وهي مرتبطة بالجهاز الحوفي الذي يعطي النشوة للفتيات ويجعلهن أكثر ميلا إلى كل ما هو عاطفي، فعندما تتناول الفتاة أو الشابة السجائر أو المخدرات، يصبح لديها الارتباط بالمواد المخدرة دماغيا بشكل قوي، وهذا ما يجعلها أكثر التصاقا بالإدمان.

وخلص الدكتور الهلالي إلى أن محاربة الإدمان تحتاج إلى تظافر الجهود بشكل كبير من طرف وسائل الإعلام ومؤسسات التربية، والمجتمع المدني، من أجل ربط صورة مبخسة عن كل شخص يتناول المخدرات، والعمل على إبراز الأشخاص الغير مدمنين ومنحهم قيمة اجتماعية، وخلق نماذج للقدوة الحسنة، وإنجاز برامج تبين شبابا وشابات أصبحوا مثاليين ومميزين بعدما تخلصوا من الإدمان وأقلعوا عن تعاطي المخدرات، وذلك لإعطاء القدوة للجيل الناشئ، خاصة وأن هناك ما يسمى بصناعة التفاهة وانحراف القيم والمثل العليا، وهناك تبخيس للمتفوقين والمنضبطين، وشدد على ضرورة محاربة الفراغ لدى المراهقين، خاصة في الفترة ما بين 14 و24 سنة، والتي يكون فيها الشاب يعيش ضغطا اجتماعيا، ويريد إبراز شخصيته داخل محيطه العائلي والاجتماعي،  ويحس بالفراغ خلال هذه الفترة، مما يتطلب توفير برامج وأنشطة مسرحية وثقافية ورياضية لهذه الفئة من الشباب لحمايتهم من خطر الإدمان.

أدوية الإدمان والاكتئاب

ليلى العمراني

    ترى الدكتورة ليلى العمراني، أن خطر الإدمان اقتحم الأسرة الصغيرة، لأن بعض الأزواج أصبحوا يعانون من آفة الإدمان خلال فترة الجائحة داخل المنزل، سواء على الكحول أو المخدرات، الشيء الذي لم يكن من قبل ظاهرا للعيان، مما يخلق صعوبة كبيرة في التواصل والحوار بين الأزواج، وبالتالي، يؤدي إلى مشاكل اجتماعية وأسرية يكون لها تأثير سلبي على الأطفال بالدرجة الأولى.

وأضافت أن الشخص الذي يتعاطى المخدرات أو الكحول، يتولد لديه مرض الاكتئاب، ويلجأ للإدمان للتغطية على هذا المرض الذي يتطور مع مرور الوقت والإفراط في شرب الكحول أو تناول المخدرات، مما يؤدي ببعض الأشخاص إلى الإدمان بحثا عن النسيان والهروب من القلق وزيادة الجرعات أو الكميات للوصول إلى المستوى الذي يريدونه.

وأوضحت الدكتورة العمراني، أن فئة من الناس تتجه للإدمان بسبب معاناتهم من القلق، إذ أن العديد منهم يدخلون في مرض حاد ويتعاطون الأدوية كإدمان، أو للبحث عن السكينة وإزالة القلق، وهناك أدوية يتم استعمالها لمعالجة الإدمان، بحيث يصبح الشخص أكثر تعاطيا لها مع مرور الوقت بدون وصفات طبية، مشيرة إلى أن الكثير من النساء أصبحن مدمنات على عقاقير وأدوية بكيفية كبيرة، إذ تتناول بعض السيدات أكثر من 30 قرصا في اليوم، وهذا يتحول إلى إدمان على الدواء الذي يأخذ بطريقة غير صحية، مما يضع العائلة والأسرة والأزواج أمام مشكل صعب وخطير.

التدخين يقتل المغاربة

    كشف تقرير أصدرته الجمعية الأمريكية للسرطان سنة 2018، أن التدخين يؤدي إلى وفاة أزيد من 17600 شخص سنويا في المغرب، بسبب أمراض يسببها التدخين، ويقتل ما معدله 274 رجلا و64 امرأة كل أسبوع في المغرب سنة 2016، مبرزا أن استنشاق دخان السجائر يعرض الشخص لآلاف المواد السامة منها 70 مادة تسبب السرطان، ناهيك عن كون التدخين يؤدي إلى فقدان الإنسان لأكثر من 10 سنوات من عمره الافتراضي، بينما يؤدي إلى وفاة 6 ملايين شخص سنويا في العالم.

ورغم غياب إحصائيات دقيقة، إلا أن سرطان الرئة يعد المرض الأكثر انتشارا في المغرب، الذي يدخن فيه 31.5 % من الرجال و3.3 % من النساء، حيث أن 90 % من حالات سرطان الرئة ناجمة عن التدخين، كما أن التدخين يعد مسؤولا عن أمراض أخرى مثل القصور التاجي والجلطات القلبية.

ويستهلك المغاربة المدخنين سنويا ما يناهز 15 مليار سيجارة، أي بمعدل تقريبي يوازي 680 سيجارة سنويا للفرد الواحد، وفي رقم آخر، الذكور يدخنون 16 سيجارة يوميا فيما تدخن الإناث 8 سجائر في اليوم الواحد، حيث يعد المغاربة أكبر مستهلكي الدخان في المنطقة المتوسطية بما يزيد عن 15 مليار سيجارة في العام.

 

قانون في الثلاجة

حسن البغدادي

    في سنة 1991، صادق مجلس النواب على القانون رقم 15.91 الذي يتعلق بمنع التدخين والإشهار والدعاية للتبغ في بعض الأماكن العامة، وينص على غرامات تتراوح بين 10 و50 درهما لكل شخص يدخن السجائر في أماكن عمومية، حيث ((يعتبر مكانا عموميا بمقتضى هذا القانون، كل مكان معد للاستعمال الجماعي وكل مرفق عمومي، وكذا المؤسسات العمومية والمكاتب الإدارية، كالمستشفيات ووسائل النقل العمومي وقاعات المسارح ودور السينما وقاعات إلقاء الدروس والمحاضرات وما إلى ذلك))، لكن رغم وجود هذا القانون منذ 30 عاما، ورغم المحاولات العديدة لتفعيله ونداءات جمعيات المجتمع المدني والهيئات الحقوقية والطبية، إلا أن جميع المحاولات باءت بالفشل.

في هذا السياق، قال حسن البغدادي، رئيس الجمعية المغربية لمحاربة التدخين والمخدرات، أن ظاهرة الإدمان أصبحت كارثة وآفة خطيرة، لأنها تتوسع وتكثر في غياب قانون التدخين في الأماكن العمومية الذي صدر سنة 1991 ولم ير النور إلى حدود الساعة، ولم تنفذ الإجراءات التطبيقية، مشيرا إلى أن حكومة التناوب قامت ببيع شركة التبغ لشركة “ألطاديس” الإسبانية، وبعد مرور عشر سنوات، أصبحت السوق المغربية تعرف تواجد ست شركات تتنافس على استقطاب المواطن المغربي، بينما في دول أخرى توجد شركة واحدة مختصة في تجارة التبغ.

خطر السجائر وصعوبة العلاج

    قال البغدادي، أن تركيبة السجائر في السوق المحلية تعرف نسبا مرتفعة من “النيكوتين” و”القطران”، مما يؤدي إلى ارتفاع حالات الإدمان، وبالتالي، من المستحيل على الشخص المدمن أن يتراجع عن التعاطي للمواد المخدرة، وإذا لم يجد السجائر سوف يبحث عن بدائل أخرى أو مخدر آخر، مشيرا إلى أن الجمعية المغربية لمحاربة التدخين والمخدرات، قامت بإجراء اختبار في كلية العلوم بمكناس، وتوصلت إلى أن نسب “النيكوتين” و”الكودرون” تصل إلى 20 مليغرام، وهذا شيء خطير يهدد صحة المغاربة.

وحذر أيضا من خطورة السجائر الإلكترونية التي انتشرت بشكل مهول وسط المحلات التجارية بألوان مختلفة وديكورات متنوعة، لإغراء الشباب، مما يشكل خطرا كبيرا على الناشئة، مشيرا إلى مسألة إشهار التبغ والتدخين في القنوات العمومية من خلال سلسلات فكاهية، أو في الأفلام والمسلسلات التي تعرضها القنوات الرسمية، الشيء الذي يؤثر على الأطفال والمراهقين الذين يشاهدون البرامج المعروضة في الإعلام العمومي.

واعتبر البغدادي أن مسألة العلاج في المغرب تظل معقدة في ظل وجود ثلاثة مراكز لعلاج الإدمان فقط، في كل من فاس وسلا والدار البيضاء، وأن الطاقة الاستيعابية لكل مركز لا تتجاوز 12 سريرا، وبالتالي، يجد المواطن البسيط المنحدر من مدينة أخرى، صعوبة بالغة في الحصول على العلاج، لأن عدد الأسرة محدود، مضيفا أن الأمر الثاني المعقد، هو أن الاستفادة من العلاج ليست بالمجان، إذ تصل تكلفة العلاج إلى حوالي 600 درهم لليلة الواحدة، إلى جانب الاستشارة الطبية التي يؤدى عنها رغم أن هذه المستشفيات تابعة للدولة والمفروض أن تكون بالمجان.

تفشي الإدمان في صفوف التلاميذ

    كشف تقرير مجلس الشامي، عن خطورة تعاطي المؤثرات العقلية من طرف المراهقين المتمدرسين، بعدما بينت آخر معطيات وزارة الصحة، أن معدل انتشار تعاطي التبغ يبلغ 9 في المائة، وأن 7.9 في المائة من التلاميذ المتراوحة أعمارهم بين 13 و17 سنة هم مدخنون، و63.3 في المائة منهم بدأوا التدخين قبل بلوغ 14 من عمرهم، إذ صرح 9 في المائة من المستجوبين أنهم استهلكوا القنب الهندي مرة واحدة على الأقل في حياتهم، و64 في المائة بدأوا في استهلاكه قبل بلوغ سن 14، كما سبق لـ 13.3 في المائة من المستجوبين أن جربوا شرب الكحول، بينما صرح 5 في المائة منهم، أنه سبق لهم استهلاك المؤثرات العقلية.

في هذا الإطار، دعت الدكتورة العمراني، إلى المزيد من التواصل والتحسيس لجميع الفئات، وخاصة في المؤسسات التعليمية، بخطر الإدمان على صحة الناس، ومراقبة والعمل على محاربة ترويج وبيع المخدرات بمحيط المؤسسات التعليمية، والتي أصبحت تعطى للمراهقين والشباب على شكل حلويات ومشروبات تتضمن مخدرا معينا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى