مع الحدث

هل يؤشر ملف مزرعة تربية الأسماك قرب الجزر الجعفرية على أزمة جديدة في العلاقات المغربية الإسبانية ؟

بعد الهدوء النسبي الذي طبع العلاقات المغربية الإسبانية خلال الفترة الأخيرة، بعد أن كانت قد شهدت تصعيدا خطيرا على إثر أزمة “ابن بطوش”، عاد التوتر من جديد بين البلدين، وهذه المرة ليس بسبب قضية الصحراء المغربية، بل بقضية الثغور المغربية المحتلة، ويتعلق الأمر بمزرعة تربية الأسماك التي أقامها المغرب بجوار الجزر الجعفرية قرب إقليم الناظور، حيث تقدمت وزارة الخارجية الإسبانية بشكل رسمي، حسب ما كشفت عنه مصادر دبلوماسية لجريدة “إلباييس” الإسبانية، بمذكرة احتجاجية للسفارة المغربية بإسبانيا، على إقامة هذه المزرعة، كما قامت بتحريك الجيش الإسباني نحو هذه الجزر المحتلة، من خلال إرسال وحدة عسكرية لزيارتها كما أفادت وسائل إعلام إسبانية.

 

بقلم: إيمان حسين

باحثة في العلاقات الدولية

 

    تم إحداث مزرعة تربية الأسماك بموجب رخصة منحتها السلطات المغربية لشركة “ميديتيرانيان أكوافارم المغربية”، والتي بدأت منذ الصيف الماضي بتركيب الأقفاص لمحاصرة الأسماك، وهو ما اعتبرته إسبانيا إجراء ينطوي على “احتلال غير قانوني للمياه الإقليمية الإسبانية” من وجهة نظرها، وقامت بالرد عليه بخطوات صارمة، تمثلت في الاحتجاج بطريقة رسمية وعبر القنوات الدبلوماسية، وهو ما له دلالاته في عالم السياسة، كما أنها لجأت إلى مطالبة الشركة التي أقامت الأقفاص بإزالتها تحت طائلة التعرض لعقوبات قانونية في حال امتنعت عن ذلك، حسب ما تناقلته وسائل الإعلام، وهو ما يعني أن هذه الخطوة ستكون لها تبعاتها ولن تتوقف عند التحذير فقط، كما يفهم مما سبق، والأهم من ذلك، تحريك مدريد لقوات الجيش الإسباني نحو هذه الجزر المحتلة، حيث قامت إسبانيا، حسب بلاغ نشرته وسائل الإعلام الإسبانية خلال الأيام القليلة الماضية، بإرسال ضباط عسكريين في زيارة للصخور المحتلة التي يقام مشروع المزرعة بالقرب منها، ويتعلق الأمر بالجزر الجعفرية قرب إقليم الناظور، فضلا عن  صخرتي النكور وباديس قرب الحسيمة، في خطوة أعادت للأذهان صورة مماثلة تمت قبل سنوات عديدة وكادت أن تعصف بأمن البلدين وغرب المتوسط ككل، وهي “أزمة جزيرة ليلى”.

إن فهم الحدة التي تميزت بها ردود فعل إسبانيا على مشروع اقتصادي أنجز بالقرب من إحدى الجزر التي تحتلها، يتطلب ربطه بمجموعة من التطورات الأخيرة، التي كانت إسبانيا غير راضية عليها وترى فيها تهديدا لوجودها ولمصالحها في الثغور الشمالية المحتلة، ويتعلق الأمر بداية بقانون ترسيم الحدود البحرية للمغرب طبقا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وهو القانون الذي تمت المصادقة عليه من قبل البرلمان المغربي ونشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 30 مارس 2020، ولاقى معارضة من قبل العديد من الجهات داخل إسبانيا وكان من بين الأسباب التي ساهمت في تأزم العلاقات المغربية الإسبانية، حيث يفرض هذا القانون سيادة المغرب على مناطق تعد حيوية في لغة المصالح الإسبانية، ليس فقط في المحيط الأطلسي وقرب جزر الكناري، والذي أربك حسابات إسبانيا فيما يخص نزاع الصحراء المغربية والثروات الطبيعية الموجودة في المياه المقابلة للأقاليم الصحراوية، بل أيضا في مياه المتوسط القريبة من الثغور المغربية المحتلة من قبل إسبانيا، والذي جاء مشروع تربية الأسماك هذا ليجسد السيادة المغربية على هذه المياه التي لا يعترف المغرب بالسيادة الإسبانية عليها، وهو ما ترى فيه إسبانيا خطرا على وجودها في هذه المناطق، التي تعد حيوية بالنسبة للمؤسسة العسكرية الإسبانية ولمصالحها في منطقة مضيق جبل طارق.

المسألة الثانية التي يمكن أن تساعدنا في فهم طبيعة ردة الفعل الإسبانية، هو التقارب المغربي الإسرائيلي الذي توج بالتوقيع على اتفاقية للتعاون العسكري والأمني بين البلدين، وهو الاتفاق الذي تنظر إليه إسبانيا بتوجس، حيث المخاوف داخل إسبانيا من أن يؤثر على ميزان القوة بينها وبين المغرب الذي تجمعها معه العديد من الملفات الخلافية الحساسة، التي تتطلع المملكة للضغط على إسبانيا من أجل الحسم فيها وطيها نهائيا، بما فيها ملف الثغور المحتلة سبتة ومليلية والجزر المغربية المتوسطية، خاصة مع تزايد الحديث عن احتمال إقامة إسرائيل لقاعدة عسكرية قرب مدينة الناظور، أي قرب مليلية والجزر الجعفرية وباقي الثغور المحتلة، وهو المشروع الذي لن يكون طبعا في مصلحة إسبانيا، وهو ما قد يفسر طبيعة الرد الإسباني على مشروع مزرعة تربية الأسماك، وكذا الزيارة التي قام بها الضباط العسكريون الإسبان إلى الجزر المحتلة، والتي قد يكون الهدف منها بعث رسائل تؤكد من خلالها إسبانيا سيادتها على هذه الثغور المغربية المحتلة وعلى كونها خط أحمر بالنسبة إليها ولا يمكن المساس بها.

المعطى الثالث الذي يمكن أن نستحضره هنا لفهم الرد الإسباني على مشروع مزرعة تربية الأسماك قرب الجزر الجعفرية، يتعلق بما تسميه الأوساط الإسبانية  بـ”الخطة المغربية لفرض السيادة على الثغور المحتلة من خلال إجراءات غير عسكرية وغير مباشرة”، والتي تضيق الخناق على الوجود الإسباني في هذه الثغور وتحدث تغييرات في واقعها قد يدفع مستقبلا نحو تعزيز مساعي المغرب لفرض السيادة عليها، مثل تلك الإجراءات الاقتصادية التي طالت سبتة ومليلية كمنع التهريب المعيشي وإغلاق المعابر الحدودية بدعوى حماية الاقتصاد المغربي من الأنشطة غير المهيكلة التي تضر به، والتي تسببت في أزمة اقتصادية للثغرين المحتلين، وكذا المشاريع التي أطلقها المغرب في مناطق الشمال المحيطة بسبتة ومليلة كالمنطقة التجارية الحرة في الفنيدق وتوسيع مطار “العروي” بالناظور، وغيرها من المشاريع التي من المنتظر أن تزيد من تضييق الخناق الاقتصادي على المدينتين وجعلها عبئا على إسبانيا تمهيدا لدفعها للجلوس والتفاوض بشأن السيادة عليهما، والآن يأتي مشروع تربية الأسماك بالقرب من الجزر الجعفرية والذي يضيق بدوره على الوجود الإسباني بهذه الجزر، وكلها إجراءات تدخل – كما وصفتها أحد التقارير الإسبانية – ضمن المنطقة الرمادية، والتي يصعب الرد عليها حيث هامش التحرك محدودا بالنسبة لإسبانيا بفعل طبيعتها غير المباشرة وغير العسكرية، ولربما تسعى إسبانيا، من خلال طريقة ردها على ملف مزرعة تربية الأسماك، إلى وضع حد لهذه السياسة المغربية من خلال تبني ردود مباشرة وصارمة عبر الوسائل الدبلوماسية والعسكرية لدفع المغرب إلى الخروج من المنطقة الرمادية نحو المواجهة المباشرة مع إسبانيا.

باختصار، إن الخطوات التي أقدمت عليها إسبانيا في تعاملها مع قضية ذات طبيعة اقتصادية متمثلة في مشروع اقتصادي لتربية الأسماك قبالة الجزر الجعفرية، تتسم بصرامة وحدة قد تدفع نحو التصعيد في العلاقات بين البلدين، خاصة وأن احتمال تراجع المغرب عن هذا المشروع مستبعد مبدئيا، ذلك أن إنشاءها تم بقرار سيادي منشور في الجريدة الرسمية، وأن اختيار موقع المشروع قرب الجزر المحتلة يحمل في طياته دلالات تهدف لتأكيد السيادة المغربية على هذه المياه، خاصة وأن المشروع جاء بعد قانون ترسيم الحدود البحرية للمغرب، مما يعني أن التراجع عن المشروع قد يشكل نقطة لصالح إسبانيا تعزز طرحها بخصوص تبعية هذه المياه لها، وهو أمر مرفوض بالنسبة للمغرب، مما يرجح فرضية عدم تجاوب المغرب مع المطالب الإسبانية، وهذا الأمر قد يشكل مؤشرا لتجدد الأزمة في العلاقات بين البلدين والاتجاه نحو التصعيد، خاصة وأن العلاقات بينهما لازالت متوترة ولم يتم الحسم بعد في القضايا الخلافية الكبرى التي طرحت عقب أزمة “ابن بطوش”، والتي تحول دون عودة العلاقات بين البلدين إلى طبيعتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى