روبورتاج

ربورتاج | هل يستنزف لوبي النقل الحضري المال العام في غياب رقابة الدولة ؟

بين "ستاريو" و"ألزا"

تعاني العديد من المدن إشكالية كبيرة في النقل الحضري بسبب فشل تجربة التدبير المفوض منذ عدة سنوات، والتي لم تعط أي إضافة خاصة في ظل المشاكل المستمرة في القطاع بين مجالس الجماعات والشركة المكلفة بالتدبير المفوض، إلى جانب معاناة المواطنين اليومية جراء قلة الخطوط، وتدهور الحافلات وعدم تجديد الأسطول، الشيء الذي يطرح تساؤلات لدى الرأي العام عمن المستفيد من هذا المجال؟

الكثير من الجماعات الحضرية تقدم امتيازات وتسهيلات لشركات النقل الحضري، التي من المفروض أن تقوم بتغطية جميع المناطق والأحياء، وتوفر أسطولا في المستوى من حافلات النقل لفائدة الساكنة، إلا أن الملاحظ هو أن الكثير من المشاكل تعيشها العديد من الجماعات مع النقل الحضري بالرغم من الملايير التي تصرفها للنهوض بهذا القطاع، ليظل المواطن يتساءل عن المشاكل الكثيرة والاختلالات التي تشوب قطاع النقل الحضري منذ التسعينات، رغم جلب حافلات من هولندا والصين وإسبانيا وغيرها.. فهل المشكل يتعلق بالتسيير، أم بدفاتر التحملات؟

 

إعداد. خالد الغازي

 

دعم من المال العمومي

    قررت وزارة الداخلية دعم قطاع النقل الحضري المفوض خلال السنة الحالية بميزانية مالية تصل لـ 100 مليار سنتيم، كنفقات وإعانات لإصلاح النقل العمومي الحضري، وذلك من خلال صندوق مواكبة إصلاح النقل العمومي الحضري المخصص لتمويل مشاريع النقل العمومي الحضري في مسارات خاصة.

وتمثلت هذه النفقات في إعانات من صندوق مواكبة إصلاح النقل العمومي الحضري وشملت البنيات التحتية، ومواكبة الجماعات الترابية في إطار السياسة الهادفة إلى تطوير وعصرنة منظومة التنقلات الحضرية والنقل العمومي الحضري، وذلك عبر الآليات الخاصة بالتمويل.

واتخذت وزارة الداخلية مجموعة من التدابير في إطار صندوق مواكبة إصلاح النقل العمومي الحضري الذي أنشئ سنة 2014 لتمويل مشاريع النقل العمومي الحضري في مسارات خاصة، والذي تتم تعبئته من مساهمات المديرية العامة للجماعات الترابية ومساهمات الدولة، حيث بلغ مجموع موارد الصندوق إلى متم شهر شتنبر 2021، ما قيمته 7.7 ملايير درهم، من أصل 20 مليار مبرمجة في أفق سنة 2027، كما بلغ إجمالي الدعم المقدم من طرف الصندوق 5.9 مليار درهم.

 

شركات مستفيدة

    حسب تقرير حول منجزات وزارة الداخلية برسم السنة المالية 2021، تقدم المديرية العامة للجماعات الترابية، في إطار صندوق إصلاح النقل العمومي، الدعم التقني للجماعات الترابية من أجل إنجاز بنيات النقل العمومي في مسارات خاصة، وذلك عبر دراسة المشاريع واتخاذ القرارات اللازمة من أجل ضمان نجاح المشاريع الممولة، بالإضافة إلى برمجة موارد ومصاريف الصندوق.

وقد خصصت إعانات مالية مهمة استفادت منها العديد من الشركات التي تعرف اختلالات ومشاكل في قطاع النقل الحضري بالمدن، مثل شركة “ألزا” (مراكش والحوز، وطنجة) وحافلات “فوغال” (بركان وتازة وغرسيف) و”رقية للنقل” (جرادة) و”فكتاليا” (الناظور)، كما تم تخصيص 3 ملايين درهم، لدراسة إعادة هيكلة شبكة النقل بمراكش، حيث تم تخصيص ما مجموعه 23.14 مليون درهم منها 18.86 مليون درهم ما تبقى من الإعانات المزمع منحها برسم السنة الدراسية 2019-2020.

كما تم منح مبلغ 6 ملايين درهم من طرف صندوق الضريبة على القيمة المضافة، لدعم عقد التدبير المفوض لمرفق النقل الحضري بمدينة تازة، من أجل ضمان توازن العقود واستمرار المرفق.

تقارير تعري القطاع

    بالرغم من انتهاء العقد الموقع بين شركة النقل الحضري “ألزا” وجماعة مراكش منذ شهر يونيو 2019، إلا أن الشركة حصلت على عملية التمديد في عهد المجلس الجماعي السابق دون تطبيق مسطرة المنافسة، رغم توصله بتقارير من مجلس الحسابات تكشف عن العديد من الخروقات المتعلقة بهدر المال العام.

وقد سجلت تقارير المجلس الأعلى للحسابات، العديد من الخروقات والاختلالات المرتبطة بتدبير النقل الحضري في مدينتي مراكش وأكادير، حيث كشف خلال سنتي 2016 و2017، عن انعدام التفاصيل المتعلقة ببرنامج الاستثمار الأولي وطريقة تنفيذه، كما لاحظ تهالك أغلب أسطول الحافلات، وكذا الاستثمارات غير الكافية لتجديد الحافلات، وعدم وجود خطة لإنشاء محطات توقف محمية، وغياب التشوير في الطرق المتعلقة بالنقل الحضري، إلى جانب نقص المعدات اللازمة لنقاط توقف الحافلات وعدم الامتثال لمعايير الجودة على متن بعض الحافلات، بالإضافة إلى عدم مراعاة متطلبات الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة.

أما بالنسبة لمدينة أكادير، فقد عرفت صفقة النقل الحضري عدم إشراك الجماعات الترابية صاحبة الاختصاص في البداية، إلى أن صدر قرار من محكمة الاستئناف الإدارية بمراكش، أقر بوجود خرق لمقتضيات قانون الصفقات، مما أسفر عن تصحيح الصفقة عبر إشراك الجماعات وتوقيع عقد التفويض بين مؤسسة “التعاون بين الجماعات” وشركة “ألزا” للنقل الحضري.

وقد سجل تقرير المجلس الأعلى للحسابات عدم التزام الشركة المذكورة بمضامين دفتر التحملات، ووعودها بتجديد أسطول الحافلات خلال شهر شتنبر 2020، رغم توصلها بدعم مالي قدره 165 مليون درهم خلال الفترة الممتدة ما بين 2010 و2018، حيث لم يتجاوز استثمارها في تجديد الأسطول سوى 254 مليون درهم من أصل 456 مليون درهم التي تعهدت بها خلال العشر سنوات من الاستغلال.

كما أشار تقرير المجلس إلى تنصل الشركة عن أداء المستحقات الضريبية المترتبة عليها، وعدم الامتثال لالتزامات الاستثمار في التنقلات الحضرية المضمنة في دفتر التحملات، خاصة وأن المادة 5-11 من اتفاقية التدبير المفوض للنقل الحضري بأكادير الكبرى، تلزم شركة “ألزا” بدفع رسوم سنوية إلى السلطة المفوضة، تساوي 0.5 بالمائة من رقم المعاملات دون أن يقل عن مبلغ 750.000 درهم، غير أن تقرير قضاة المجلس الأعلى يؤكد أن شركة “ألزا” الإسبانية لم يسبق لها دفع أي رسوم منذ بداية استلامها عقد التدبير المفوض.

أما في مدينة الدار البيضاء، فيسود تكتم شديد عن بنود عقد التدبير المفوض الذي يجمع شركة النقل الحضري “ألزا” مع مؤسسة “التعاون بين الجماعات” بالدار البيضاء، إذ تمت صياغة العقد على مقاس الشركة الإسبانية وشروطها، والتي من بينها التزام الجماعات الترابية للدار البيضاء بتحمل تكاليف شراء أزيد من 350 حافلة، بينما حصلت الشركة على دعم من صندوق إصلاح النقل الحضري وقروض من الأبناك تحت ضمانة الجماعات الترابية، مما يؤكد أن الشركة الإسبانية لم تأت بأي عملة صعبة لاستثمارها في القطاع.

تحمل ديون شركة مفلسة

    في سنة 2010، حصلت شركة “ستاريو” التي تقودها مجموعة “فيوليا” الفرنسية، على صفقة التدبير المفوض للنقل الحضري، لكن الشركة لم تلتزم بتعهداتها وظل القطاع يعاني الكثير من المشاكل على مستوى الحافلات المزرية التي كانت تجوب شوارع العاصمة الرباط، رغم صرف أزيد من 100 مليار سنتيم من أموال الجماعات الترابية لشراء حافلات من شركة صينية مغمورة، في صفقة طرحت الكثير من التساؤلات لدى الرأي العام، خاصة بعدما تبين أن نوعية الحافلات ليست ذات جودة وتضررت بعد سنوات قليلة فقط.

فقد فشلت شركة “ستاريو” الفرنسية في تدبير قطاع النقل الحضري بكل من الرباط وسلا وتمارة، وتركت ديونا ثقيلة على عاتق رؤساء المجالس الجماعية، ومشاكل كثيرة منها حقوق المستخدمين وغيرها، إذ لا زالت مؤسسة “التعاون بين الجماعات” تسدد هذه القروض البنكية التي حصلت عليها الشركة السابقة من الأبناك، بحيث تم منح مبلغ 12.6 مليون درهم لفائدة جماعات العاصمة من طرف صندوق الضريبة على القيمة المضافة، لتسديد ديون شركة “ستاريو”.

غياب رقابة المجالس

    يعاني قطاع النقل الحضري في عدة مدن، من العديد من المشاكل، رغم أن رئاسة المجالس الإدارية لتدبير هذا المجال، تكون معهودة إلى رؤساء الجماعات والمجالس المنتخبة، إلا أن تفعيل الدور الرقابي لهذه المجالس شبه منعدم، مما يسمح للشركة بالتهرب من التزاماتها وعدم الوفاء بالوعود المبرمة في دفتر التحملات.

في هذا السياق، يقول محمد البركة، مستشار جماعي، أن قطاع النقل الحضري يعرف مشاكل كثيرة بسبب عدم احترام دفتر التحملات، مضيفا أن المشكل يكمن في عدم قيام المجلس الإداري بواجبه في إطار لجنة المتابعة للنقل الحضري.

وأكد أن قطاع النقل الحضري مجال متسيب، بسبب غياب المراقبة من قبل الجماعات، التي تترك المجال مفتوحا للشركات، مما يؤدي إلى تفاقم الوضع وتضرر القطاع، مشيرا إلى أن مجلس جماعة أكادير مثلا، يقدم دعما سنويا قدره 300 مليون سنتيم لشركة النقل الحضري، لكن لم يسبق له أن دقق في حسابات الشركة أو تتبع القطاع عبر اللجنة المختصة.

وشدد ذات المتحدث، على ضرورة تفعيل الدور الرقابي لقطاع النقل الحضري إذا كانت الدولة والجماعات تقدم الدعم المالي لهذه الشركات من المال العام، خاصة وأن عليها شروطا والتزامات يتضمنها دفتر التحملات، مثل الحفاظ على البيئة والمساهمة في التنمية، وتجديد الأسطول كل 5 سنوات، مبرزا أن هناك تساهلا من قبل الجماعات مع الشركات التي تقوم بتدبير النقل الحضري، مما يؤدي إلى حصول اختلالات في القطاع مع مرور السنين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى