الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | هل كان الدليمي بريئا من دم بنبركة ؟

الاختطاف والمختطفون "الحلقة 23"

تنشر لأول مرة

قضية المهدي بنبركة بقيت سرّاً غامضاً رغم انقراض ما يقارب ستة عقود على اختفاء هذا السياسي الكبير، ولكن اختطاف بعض المسؤولين المباشرين، أسهم في إرسال بعض الأضواء على جوانب مظلمة، مما كشف عن نوعية أجواء(…) القضية التي بقيت ماثلة كالطود، من جيل الستينات إلى اليوم.

والسلسلة التي تنشرها لكم “الأسبوع” اليوم وبشكل حصري، مُستخرجة من أوراق تركها مؤسس جريدتنا مصطفى العلوي، في خزانته الغنية، وهو الذي عاش ما قبل الاختطاف، وعايش ظروفه، وتعايش مع الأحداث التي أحاطت به، وجمع على مدى 60 سنة، ما يكفي من البيانات والصور، والوثائق والمراجع، وهي الأوراق نفسها التي نقدمها لكم وللتاريخ، ضمن حلقات “الحقيقة الضائعة”.

بقلم: مصطفى العلوي

    “الشتوكي” أو “الشتوكيون” إذن، هو العنصر المغربي الذي أسهم في تنظيم العملية، ولكنه أفلت من المحاكمة بفضل دهاء أوفقير، الذي لم يرتكب في مخططه أخطاء مثل التي ارتكبتها الشرطة الفرنسية، وقد هيمن اسم “الشتوكي” وخيم ظله على المحاكمة الأولى، لدرجة أثارت أعصاب الرئيس الفرنسي للمحكمة، بيريز، الذي صاح ذات يوم قائلا: ((اعطوني “شتوكي” واحدا، سواء كان “الشتوكي” عشرة أو مائة، أو ألف “شتوكي”، إن “الشتوكي” الذي يهمني هو الذي كان على اتصال مع “لوبيز”))، و”لوبيز” هو أحد الرجال الرئيسيين في الاختطاف، وكان “لوبيز” هذا معتقلا منذ اليوم الأول، ولكن “الشتوكي” الذي يعرف، لا تتطابق أوصافه مع “الشتوكي” الذي رآه المؤلف “بيرنيي” في القاهرة، وخلال المحاكمة الثانية، ثارت أعصاب محامي الطرف المدني “ألبيرنو”، فصاح قائلا: ((إن هؤلاء الذين يحملون اسم الشتوكي كثيرون، هذا يقول عنه أنه نحيف، وهذا يقول عنه أنه سمين..)).

وفعلا، فإنه يظهر أن الأيادي الخفية المغربية التي نفذت إرادة ومخطط أوفقير، كان أصحابها جميعا يحملون اسم “الشتوكي”، باستثناء ضابط الشرطة الماحي، الذي كان مسجلا في إحدى الجامعات الباريسية ممنوحا ماديا من طرف أوفقير، تربطه معه علاقة شبه مصاهرة تقل أهمية عن العطف الذي كان يوليه له أوفقير، ولكن المحاكمة الأولى والثانية، أثبتتا أن الماحي، واسمه الأول الغالي، إنما كان مقحما في القضية بحكم علاقته الشخصية مع أوفقير، ورغم أنه قضى في السجن حوالي سنتين في انتظار الحكم الذي صدر نهائيا في خامس جوان 1967، فإن المحكمة أصدرت قرارها ببراءته.

نفس المحكمة برأت ساحة أحمد الدليمي، الذي كان مديرا للأمن واتهم بأنه أسهم في عملية استنطاق المهدي بنبركة، ولكنه جاء قبل اللحظات الأخيرة من المحاكمة الأولى وسلم نفسه للعدالة الفرنسية في ظروف غريبة، إلا أنه زج في السجن في انتظار المحاكمة الثانية التي بدأت في 19 أبريل 1967، ليتشبث ببراءته، مقدما الحجج القاطعة على أنه كان في الجزائر يوم الاختطاف (29 أكتوبر 1965)، وأنه تم استدعاؤه في مهمة مستعجلة للرجوع إلى المغرب، إلا أنه لم يجد طائرة متوجهة من الجزائر إلى المغرب، فتوجه إلى باريس من الجزائر، وصلها عشية 30 أكتوبر 1965، حيث وجد صديقا له في انتظاره، هو مدير مكتب السياحة المغربي آنذاك، عبده الشرايبي، الذي رافقه إلى مطعم يسمى “لوسامبلون” في نهج “فوبور سانت هونوري”، ثم إلى أحد المراقص الليلية، إلا أن “لوبيز”، وفي إطار ما أسماه بالأوامر، قال بأنه شاهد الدليمي في البيت الذي كان فيه بنبركة محتجزا، ليلة 30 أكتوبر، في اليوم الموالي ليوم الاختطاف.

فكيف يكون الدليمي متواجدا في نفس اللحظة في ضواحي باريس “فونتوني لوفيكونت” حيث بيت “بوشسيش” الذي يحتجز فيه المهدي بنبركة، وفي نهج “فوبور سانت هونوري”، داخل باريس، في نفس الليلة؟..

لقد كان البحث في هذه القضية هو نقطة انطلاق قرار الدليمي بتسليم نفسه للعدالة الفرنسية. ففي جلسة المحكمة الباريسية يوم 14 مايو 1967، وفي نطاق المحاكمة الثانية، أصر رئيس المحكمة، جان بيريز، على التعمق في هذه الجزئية، وبعد أن سأل “لوبيز” عما إذا كان متأكدا من أن الدليمي كان مع أوفقير، وأجاب بالإيجاب، قال له: وكيف يمكن أن يكونا في نفس الوقت في مطعم “لوسامبلون” ما دمت مصرا على أنهما لم يفترقا؟ فأجاب “لوبيز” بالصمت، وقد استدعى رئيس المحكمة، المجموعة التي كانت تشتغل في مطعم “لوسامبلون” ليلة 30 أكتوبر، وتتكون من المديرة “مدام ريكاليا”، ورئيس الخدم “كي باربوريس”، وخادم الموائد “لويدجي أرنيتشي”، وأخيرا مقدم المشروبات “جيرار شينو”. وكانت جلسة رابع عشر ماي 1967، حافلة وحاسمة.. فقد ذكرت صاحبة المطعم ومديرته، أنها شاهدت شابين عليهما سحنة الشمال إفريقيين، وأن أحدهما كانت له شنبات رقيقة، جاء ليطلب منها مكالمة تلفونية، وأنه كلم امرأة بكثير من الامتثال يظهر أنها زوجته.

وكان الدليمي فعلا، معروفا بشنباته التي كانت رقيقة عندما كان مديرا للأمن، وأكد رئيس الخدم أنه لم يلحظ شيئا غريبا، وأن الرجلين كانا يتحدثان بالعربية، أما مقدم المشروبات، فقد قدم شهادة لا تخلو من أهمية.. فقد قال إنه استغرب كيف أن شابا مغربيا صغير السن، يحمل شارة جوقة الشرف الفرنسية، التي لا يحملها في فرنسا إلا ذوو الماضي الكبير، وملاحظة مقدم المشروبات تغني عن كل تعليق، فلو كان أوفقير مع الدليمي في مطعم “لوسامبلون”، للاحظ مقدم المشروبات “جيرار شينو” أن الرجلين معا يحملان نفس الشارة، لأن الدليمي وأوفقير كانا يتوفران على جوقة الشرف، وكانت تزين دائما طرف كسوتهما.

ولم تكن المحكمة في حاجة إلى الإصرار، خصوصا وأن “لوبيز”، المتهم الأساسي في مجموعة المتهمين الفرنسيين، سبق له في جلسة فاتح أكتوبر 1966، أن صرح أمام المحكمة بأنه لم يشاهد الدليمي في بيت “بوشسيش” حيث كان المهدي بنبركة محتجزا، وأنه كذب عندما صرح بذلك من قبل، وإنما كان ينفذ أوامر رؤسائه.

حادثة أخرى أسهمت في قرار المحكمة بتبرئة ساحة الدليمي، وهي حقيقة الطريقة التي غادر بها التراب الفرنسي في فاتح نونبر 1965، فقد سبق للشائعات أن أذاعت أنه رافق صندوقا غادر مطار “أورلي”، ربما كان يحتوي على جثمان المهدي بنبركة، ولكن الدليمي أثبت للمحكمة أنه غادر “أورلي” في أول طائرة متوجهة إلى المغرب، حيث طلب سيارة تاكسي من الأوتيل الذي كان قضى به ليلته، وتوقف في الطريق، حيث احتسى كأسا من القهوة قبل أن يتابع طريقه للمطار.

واتخذ الرئيس بيريز من هذه الأوصاف كعبة أبحاثه، وأصر على إيقاف “البيضة في الطاس” كما يقول المثل المغربي، فتم استدعاء سائق التاكسي، وصاحب المقهى الذي يقول الدليمي أنه شرب عنده القهوة في السادسة صباحا، أما طريقة استدعاء هذا النوع من الأشخاص في مثل هذه الأنواع من الظروف، فهو أمر بسيط.. لقد نشرت المحكمة إعلانا في الصحف، تطلب من أي سائق تاكسي سبق له أن استدعي صباح فاتح نونبر لينقل شخصا مغربيا إلى مطار “أورلي”، أن يحضر للمحكمة، خدمة للعدالة، وبعد يومين فقط، تقدم إلى المحكمة سائق تاكسي فرنسي، وأدلى بشهادة تثبت أنه نقل فعلا شابا مغربيا كان يرتدي معطفا فاتح اللون، وأوقفه في مقهى في شارع “مونبارناس”، حيث شرب القهوة، وتابع طريقه إلى المطار، وعندما وُوجه بالدليمي، تعرف عليه، ثم تم استدعاء صاحب مقهى “مونبارناس”، الذي يفترض فيه أن يكون مفتوحا في تلك الساعة المبكرة. وهنا كانت المفاجأة، فإن القوانين البلدية تفرض على ذلك المقهى أن يكون مقفولا ابتداءً من الساعة الرابعة صباحا، مما جعل صاحب المقهى يلجأ إلى الكذب، ويصرح قائلا: “لا.. إنه لا أحد شرب عندنا القهوة في السادسة صباحا، لأننا في الرابعة نجر الأبواب الحديدية ذات الشبابيك (ليكريي)”، وحدث أن كانت هناك مجموعة من الصحفيين الفضوليين، تراهنت على الذهاب إلى ذلك المقهى لمعاينة المحل الذي شغل الرأي العام الفرنسي المتتبع للمحاكمة، لكن مجموعة الصحفيين فوجئت بما لم يكن في الحسبان.. فعندما دخلوا المقهى، تذكروا شهادة صاحبها أمام المحكمة وحديثه عن الأبواب الحديدية (ليكريي)، فأرادوا معاينتها، ليكتشفوا بكثير من الاستغراب أن ذلك المقهى لا يتوفر على بوابة إطلاقا، فلا أبواب حديدية ولا خشبية، وإنما يقفل باب المقهى بالكراسي، وأحدث اكتشاف الصحفيين ضجة كبرى، وعاينت المحكمة المحل، وكانت تلك المعاينة إحدى الأسباب المؤثرة على الحكم ببراءة الدليمي.. فهل كان الدليمي فعلا بريئا من أي ارتباط بقضية المهدي بنبركة ؟

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى