الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | كواليس التخطيط لاختطاف المهدي بنبركة

الاختطاف والمختطفون "الحلقة 22"

تنشر لأول مرة

قضية المهدي بنبركة بقيت سرّاً غامضاً رغم انقراض ما يقارب ستة عقود على اختفاء هذا السياسي الكبير، ولكن اختطاف بعض المسؤولين المباشرين، أسهم في إرسال بعض الأضواء على جوانب مظلمة، مما كشف عن نوعية أجواء(…) القضية التي بقيت ماثلة كالطود، من جيل الستينات إلى اليوم.

تتمة المقال بعد الإعلان

والسلسلة التي تنشرها لكم “الأسبوع” اليوم وبشكل حصري، مُستخرجة من أوراق تركها مؤسس جريدتنا مصطفى العلوي، في خزانته الغنية، وهو الذي عاش ما قبل الاختطاف، وعايش ظروفه، وتعايش مع الأحداث التي أحاطت به، وجمع على مدى 60 سنة، ما يكفي من البيانات والصور، والوثائق والمراجع، وهي الأوراق نفسها التي نقدمها لكم وللتاريخ، ضمن حلقات “الحقيقة الضائعة”.

بقلم: مصطفى العلوي

    لكي يكون هناك تخطيط، لابد من تواجد مخططين، وفي تلك الفترة من تاريخ العالم، فترة 1965، فإن كل حركة مخالفة للمعهود لا بد أن تكون متلائمة مع مصالح متعددة وإلا فإنها تتعرض للفشل أو الإفشال. فقد كان اختطاف المهدي بنبركة عملية متفقا عليها ومخططا لها من لدن أطراف متعددة، فرنسية ومغربية وأمريكية وإسرائيلية، وقد أثبتت الحقائق المسرودة على مدى مراحل البحث والمحاكمة، الارتباط المكين لهذه الأطراف الأربعة بقضية اختطاف المهدي بنبركة، مما يؤكد التواطؤ الكبير على إقبار القضية، والتقاء دفنها مع مصالح عدة، ولو كان طرف واحد من تلك الأطراف منفردا بالمبادرة أو المشروع، لفشلت العملية، ولتم فضحها قبل إنجازها.

تتمة المقال بعد الإعلان

وفيما يلي التفاصيل التي تبين تشابك أيدي الأطراف الأربعة، وإسهامها، كل على طريقته، في التمهيد للاختطاف أو المشاركة فيه أو الاكتفاء بالاستفادة منه بمجرد إغماض العين:

من الجانب المغربي:

شرحت فيما سبق كيف كان اجتماع المهدي بنبركة بسفير المغرب بفرنسا، الأمير مولاي علي، في أبريل 1965، بعيدا عن أنظار أوفقير، وخفية منه وخشية، هو الوازع الأول لتعجيل القوات الرافضة لكل تقارب بين القصر والمعارضة، بتنفيذ المخطط الذي لم يكن وقتها إلا أماني وتطلعات.

ولو لم يحضر عبد القادر بنبركة، أخو المهدي، إلى الرباط، للتحضير لرجوع أخيه، الشيء الذي كشف عنه عندما اعتقل في غشت 1965، عندما اعتقله رجال أوفقير بتهمة السرعة في السير، لما استطاع أوفقير استكشاف مخطط العاهل الحسن الثاني، وقد كتب الصحفي الفرنسي، “روجي موراتي”، الذي كان يقيم بالمغرب ويعمل بتعاون مع أجهزة الحكم الفرنسية، في كتابه: “قتلوا بنبركة”: ((إن الحسن الثاني كان صادقا في رغبته في التقارب مع اليسار، وفي رجوع المهدي بنبركة، أكيد أنه كان يريد تقريب المهدي بنبركة لعزله عالميا ولمراقبته عن قرب، وبرغبته في إشراك الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في الحكم، فقد كان يتوق بذلك إلى إرضاء طبقة هامة من الرأي العام، وإقحام اليسار في المسؤولية، ولم تكن هناك جوانب انتهازية في تطلعات العاهل المغربي، بل كان يعرف جيدا توفر اليسار المغربي على طاقات بشرية قيمة، ولم يكن المغرب في حال يسمح له بالاستغناء عن ساسة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية)).

وفي هذا الاتجاه الموضح بكل جلاء في استنتاج الكاتب الفرنسي الذي سكن بالمغرب عدة سنوات، ما يتناقض تمام التناقض مع طموحات أوفقير، الذي كان يريد خلال تلك الفترة أن يبقى مستأثرا بالحكم، باذلا جهودا جبارة لصنع وترتيب ما كان يسميه بالمؤامرات، ولم يكن يفرغ من محاكمة مجموعة من الاتحاديين إلا ليبدأ محاكمة أخرى.

ولم يكن أوفقير، وهو الذي كان بمثابة الشرطي الأول في المنطقة، يتصور أن اتصالات على المستوى العالي بين ابن عم الملك وسفيره في باريس، وبين المهدي بنبركة، ستتم دون استشارته، بل إنه سبق له أن عبر عن غضبه حينما سبق لملك المغرب في 20 ماي 1965، أن استقبل بالقصر الملكي، وفي غيبة أوفقير، وفدا من الاتحاديين مكونا من عبد الرحيم بوعبيد، عبد الرحمان اليوسفي، وحسن الأعرج، وصرح العاهل المغربي للوفد موجها الكلام إلى عبد الرحمان اليوسفي قائلا: ((إنني لا أنسى أن المهدي بنبركة لم يكن فقط أستاذي في الرياضيات)).

وكانت هذه المقابلة هي الممهدة لمقابلة فرانكفورت بين سفير المغرب في باريس والمهدي بنبركة بمحضر عبد القادر بنبركة، والذي يعرف أوفقير حق المعرفة، يفهم أسلوبه وردود فعله على ما يجري خلف ظهره، لذلك استغل الاتصال الحاصل، ليحوله إلى محاولة لتصفية المهدي، وهناك، وبعد شهر غشت 1965، بدأ في التخطيط للعملية الكبرى، لإفساد مخطط الملك، وإبعاد الاتحاديين كلية عن أي اتصال بالنظام، وليس معروفا إذا ما كانت زيارة وزير الداخلية الفرنسي “روجي فري”، والمستشار “فوكار” لمراكش، الهدف منها وضع الخطوط العريضة للاختطاف، أو أنها كانت مجرد صدفة.. إنما المهم أن “روجي فري” كان في مراكش وعقد جلسات عدة مع أوفقير و”فوكار”، ثم بدأ التحرك في طي الكتمان.

وأسندت المهمة قصد تنفيذها، لخبير الخبراء في مجالات الاختطاف، “جاك فوكار”، الكاتب العام لرئاسة الجمهورية الفرنسية، المكلف بالشؤون الإفريقية، وقد حصل ذات يوم بعد اختطاف بنبركة ورجوع العلاقات الفرنسية المغربية إلى مجراها الطبيعي، أن زار وزراء فرنسيون وصحفيون، أوفقير في بيته، وأرادوا استطلاع رأيه والحصول على فلتات لسانه، فلخص لهم ما أرادوا بقوله: ((في قضية بنبركة.. اسألوا فوكار)).

والرجوع إلى الفصول الأولى من هذا الكتاب، هو الكفيل بإعطاء فكرة موجزة عن “فوكار”، وماضيه، وكان لم يجف بعد مداد الفضيحة الكبرى التي دبرتها على التراب الألماني مصالح “فوكار”، باختطاف الكولونيل “أركو” في فبراير 1963 من قلب ألمانيا، إلى أن وجد في داخل رزمة بباب إدارة الأمن الفرنسي بباريس، وأصبح نجاح اختطاف الكولونيل “أركو” عبارة عن روشيتة يستعملها كل الراغبين في تمثيل عملية مماثلة لها، ولم يكن “فوكار” في حاجة إلى المزيد من الجهد، وما دامت عملية اختطاف الكولونيل “أركو” قد تمت بنجاح على أيدي مجموعة مكونة من “جواتيا”، الإرهابي الذي حاول من قبل اغتيال الزعيم المغربي علال الفاسي، والإرهابي “لوني”، والإرهابي “دوباي”، والإرهابي “بوشسيش”، فإن الأمر أكثر سهولة، حيث أن “بوشسيش” متواجد في الدار البيضاء، وعلى اتصال دائم بأوفقير، حيث يتوفر في مدينة المحمدية على منزل مقفل للدعارة، فإنه بالمناسبة سيقدم خدمة كبرى لمشروع اختطاف المهدي بنبركة، كما أن عمليات الاتصال والتنظيم والتنسيق بين أوفقير و”فوكار” و”فري”، ستتم عبر رجل صديق لأوفقير، وشريك له في أعماله، يتوفر على طائرته الخاصة، إذن، بإمكانه التدخل بطائرته لنقل ما تقتضي الظروف نقله، وهو التاجر “كيلفي”، الطيار الذي لا يتنقل “روجي فري” ولا “فوكار” في مهامهما الخاصة إلا في طائرته، وبقيت إجراءات المراقبة والتنظيم والتنفيذ في التراب الفرنسي، وهي مهمة تحتاج إلى رجل شديد الاحتياط، كبير النفوذ، واسع الاطلاع، وهو المحامي “لومارشان”، صديق فوكار وصديق “كيلفي”، وصديق أوفقير، والمعلم الكبير بالنسبة لجميع ما تبقى من الإرهابيين.

ووقع اختيار أوفقير على أحد ضباطه الأوفياء، رئيس مصلحة بإدارة الأمن، وكلفه بمهمة وضع نفسه رهن إشارة مجموعة فرنسا، ووضع رهن إشارته الإمكانيات المادية المتوفرة، وأطلق عليه اسما مستعارا هو اسم “الشتوكي”، وقد قام هذا “الشتوكي” بدور كبير، حيث أنه كان يرافق كل المراحل التي تمهد لاختطاف المهدي بنبركة، ولكن عن بعد، ثم اقتضت الظروف، حسب تقديرات أوفقير، أن يتكاثر عدد اللاعبين الحاملين لاسم “الشتوكي”، فأصبح اسم “الشتوكي” يطلق على كل واحد من مساعدي أوفقير الذين كان يبعثهم في مهام مختلفة لمزاولة دور ما في قضية بنبركة، فكان أحد الملحقين في السفارة المغربية بباريس يسمى “الشتوكي”، ولكن ليست له علاقة بـ”الشتوكي” الذي كان يحضر مشروع الفيلم المصيدة، الذي استعمل للتقرب من بنبركة، كما أن “الشتوكي” الثالث هو الذي يشتغل مع مجموعة الشرطة الفرنسية، وهو الذي حمل لأوفقير حقيبته عندما وصل إلى باريس بعد اختطاف المهدي بنبركة بيومين.

وعندما تحدثت في فصل سابق عن مسؤولية المخابرات العربية، كنت أقصد التصرف الغريب الذي صدر عن المخابرات المصرية في شتنبر 1965، حينما جاء صاحب مشروع الفيلم، “فيكون”، إلى القاهرة، لمقابلة المهدي بنبركة، وجاء مرفوقا بالمسمى “الشتوكي”، وبمؤلف ومنسق الفيلم، “فيليب بيرنيي”، وأثبتت تحريات الشرطة الفرنسية أن المسمى “الشتوكي” هو الذي دفع ثمن أوراق السفر، ولكن المخابرات المصرية، التي كان لها الباع الطويل في باريس، لم تسلم تأشيرة سفر لأي واحد من الثلاثة، بدعوى أن إقامتهم قصيرة في القاهرة، فيما كان شخص “فيكون” أشهر من نار على علم، فهو الإرهابي السجين الذي تحدثت التلفزة الفرنسية عن شخصه بتطويل، وصارحها بسوابقه في الإجرام والإرهاب، إلا أنه عندما نزل في مطار القاهرة، ظهر الثاني من شتنبر 1965، لم تهتم به إطلاقا، فاتجه مع رفيقه “بيرنيي” و”الشتوكي” إلى نزل “الهيلتون” على النيل، إلا أن “الشتوكي” ارتاب من أمره، وفضل النزول في الفندق القديم “كونتيننتال”، وهنا لعبت المخابرات المصرية دورا خطيرا، إذ تقدمت المخابرات من المسمى “الشتوكي”، وهو يحمل جواز سفر مغربي، وطلبت منه مغادرة التراب المصري في أول طائرة، نظرا لاشتباهها في شخصه، إذن، فقد كانت على علم إما بدور هذا الرجل، أو بازدواجية شخصيته، إلا أنها تركت كلا من الإرهابي “فيكون” والمؤلف “بيرنيي” ينعمان بالاستقرار في نزل “الهيلتون”، حيث اجتمعا بالمهدي بنبركة في مقصف “إيزيس بار”، وتم ترحيل “الشتوكي” إلى أي مطار يريده، فاختار مطار أثينا، حيث كان في استقباله أحد أصدقاء أوفقير “جورج تافارداكيس”، تاجر السلاح المعروف في المغرب باسم المهدي، والذي كانت تربطه علاقة وطيدة بأوفقير، وعلاقة أخرى بالمرحوم عبد الحليم حافظ، وربما كان على اتصالات تجارية مع الممثل عمر الشريف، وقد طردت السلطات المغربية هذا اليوناني، المهدي، من المغرب في أعقاب أحداث يوليوز 1971، حيث ظهر أنه كان على علاقة وطيدة بالمتآمرين، وهي حجة أخرى على أن أوفقير كان يعمل ضد اتجاه النظام، وكان كل أصدقائه الأجانب يعملون في إطار هذا المخطط الكبير.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى