الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | محاضر البحث في قضية بنبركة

الاختطاف والمختطفون "الحلقة 21"

تنشر لأول مرة

قضية المهدي بنبركة بقيت سرّاً غامضاً رغم انقراض ما يقارب ستة عقود على اختفاء هذا السياسي الكبير، ولكن اختطاف بعض المسؤولين المباشرين، أسهم في إرسال بعض الأضواء على جوانب مظلمة، مما كشف عن نوعية أجواء(…) القضية التي بقيت ماثلة كالطود، من جيل الستينات إلى اليوم.

تتمة المقال بعد الإعلان

والسلسلة التي تنشرها لكم “الأسبوع” اليوم وبشكل حصري، مُستخرجة من أوراق تركها مؤسس جريدتنا مصطفى العلوي، في خزانته الغنية، وهو الذي عاش ما قبل الاختطاف، وعايش ظروفه، وتعايش مع الأحداث التي أحاطت به، وجمع على مدى 60 سنة، ما يكفي من البيانات والصور، والوثائق والمراجع، وهي الأوراق نفسها التي نقدمها لكم وللتاريخ، ضمن حلقات “الحقيقة الضائعة”.

بقلم: مصطفى العلوي

    بمناسبة الذكرى الأولى لاختطاف المهدي بنبركة، في 25 يناير سنة 1966، انعقد بباريس وفي ساحة “لاموتوياليتي”، أكبر تجمع لقوات اليسار الفرنسية، للتنديد بموقف الحكومة الفرنسية ورئيسها الجنرال دوغول، من قضية بنبركة. وكان من بين المتكلمين، زعيم الحزب الاشتراكي الفرنسي، فرانسوا ميتران، معبرا عن العجز المطلق لليسار الفرنسي بعظمائه وخبرائه ورجال مخابراته، صحفييه وكتابه، محاميه وساسته، أمام الحصار المضروب بين الرأي العام الفرنسي، وحقيقة الأمر الواقع في اختطاف السياسي المغربي، وقال فرانسوا ميتران: ((إن قوات المعارضة ليست لها أية مداخل لوسائل الإعلام الحقيقية. إن هذا النظام الثرثار منذ سبع سنوات، قد أحجم عن الكلام الآن، ولو لم يكن هناك ذلك الشاب المغربي، الطالب، الذي حضر الاختطاف كشاهـد واحد، لما خرجت الفضيحة من إطـار الصمت، ذلك الصمت المطبق الآن، وإني لأرى مريبا هذا التضامن المستمر لحد الآن بين القوات الصامتة، لدرجة يخيل لي معها أن رئيس الجمهورية نفسه، قد أصيب بشلل من طرف لا أدري، من القوات الرهيبة الصامتة. لنقل بصراحة أن الجنرال دوغول لن يتمكن من الإفلات من المسؤولية، فإما أنه كان على علم، وحتى لا يخلط الأوراق التي كانت مطروحة بحكم ظروف الانتخابات التشريعية، فقد التزم الصمت، فهو إذن متضامن في مسؤولية ما حدث، وإما فإنه لم يكن يعرف شيئا، لكن ماذا يساوي هذا النظام الجاهل القائم على فرد واحد. إن أي واحد من أولئك الذين أسهموا في تحمل مسؤولية الصمت، لم يعاقب ولم تتخذ في شأنه أي إجراءات إدارية، إن الأمر يتعلق بجهاز واحد من الأعلى إلى الأسفل، تجب الإطاحة به إذا كانت لنا رغبة في إقامة وإحياء الهيكل الديمقراطي. إننا نقسم علانية أننا سنكشف عن الحقيقة حيثما كانت ومعها المسؤوليات السياسية)).

تتمة المقال بعد الإعلان

ودارت الأيام.. وفي عاشر مايو 1981، وبعد مرور ستة عشر عاما، يقتعد الكاتب العام للحزب الاشتراكي مكتب رئيس الجمهورية، ويخترق أسوار “الإليزيه” أغلب أولئك الذين أقسموا معه في ساحة “لاموتوياليتي”، لكنه، وبعد مرور سنتين على تسلمه المسؤولية والأجهزة والملفات، يبقى معتصما بالصمت الذي كان يؤاخذ عليه الجنرال دوغول.

إن قضية المهدي بنبركة لتعتبر بالمقارنة مع القضايا المشابهة لها، من أكبر قضايا القرن العشرين غموضا، وأكثرها تعقيدا، وليس الصمت الذي تذرعت به الأطراف المعنية كلها، سوى الاختيار الوحيد، وكثيرا ما تطلق الصحف الفرنسية بين الآونة والأخرى، نداءات إلى ضمائر الرجال الذين أسهموا في تنظيم 

الاختطاف أو حضروا على جزئياته، ليستجيبوا لنداء الضمير، ويريحوا أرواحهم قبل دخول القبور، من لعنة التبعة التاريخية، ولكن، بقيت كل تلك النداءات كـ”زبور داوود” تذروها الرياح، باستثناء الأيام وحدها، فهي التي تأخذ أخذا وبيلا، بعض المسؤولين المباشرين.. فقد مات الكثير الكثير منهم في ظروف أقسى وأمر من الظروف التي مات فيها المهدي بنبركة، ولعل رئيس الجمهورية الجديد اكتفى بهذا التسلسل القدري، واستعاض به عن الغوص في ملفات القضية التي تهيمن على أغلب صفحاتها عناوين صارخة، تدين بالدرجة الأولى الأجهزة الفرنسية.

لقد برع رئيس محكمة الجنايات الفرنسية، المكلف بقضية المهدي بنبركة، الرئيس بيريز، منذ افتتاح الجلسة الأولى للمحاكمة التي حضرتها من أولها لآخرها، في تنفيذ المهمة التي أوكلت إليه، والتي تقتضي محاكمة الحاضرين، وعدم الخوض في حيثيات وظروف الغائبين. ومنذ الخامس من شتنبر 1966، يوم افتتاح الجلسة الأولى في المحاكمة الأولى، إلى يوم انتهائها في تاسع عشر أكتوبر، انحصرت المحاكمة في البحث عن حدود مسؤوليات رجال الشرطة الفرنسية الذين لم يبق سرا أنهم كانوا يدفعون ثمن غلطة مهنية ارتكبوها، وهي عدم حجزهم للطالب “الأزموري”، الذي كان مع المهدي بنبركة في شارع “سان جيرمان”، وبباب مقهى “ليب”، والذي لو لم يتركه رجال الشرطة يذهب لحال سبيله، واعتقلوه، ولو ربطوا مصيره بمصير المهدي بنبركة، لما عرف أي  

واحد لحد الآن أي شيء عن اختطاف المهدي بنبركة، فكان الطالب “الأزموري” هو حبة الرمل التي أفسدت عجلة الأحداث، والغلطة التي فضحت أجهزة المخابرات الفرنسية.

وفي التاسع عشر من أكتوبر، وفي الساعة الرابعة، وعندما خرج الرئيس بيريز من مخدعه وتقدم بقامته المستديرة، متفحصا من وراء نظاراته الصغيرة جموع الحاضرين بقاعة المحكمة، وقبل أن ينطق باستنتاجاته، رفع الوكيل العام يده ليخبر الرئيس بأن تطورا جديدا في القضية يقتضي الاهتمام الكبير.. فقد سلم مدير الأمن المغربي، أحمد الدليمي، نفسه للعدالة الفرنسية، وهو يوجد في تلك اللحظات بمكتب النائب العام في حالة اعتقال، فكان لا بد من أن ترفع الجلسة، ليتم الاستدعاء للمحاكمة الثانية التي حدد تاريخها في 7 أبريل من سنة 1967، ولم تصدر الأحكام النهائية إلا في خامس جوان 1967، حيث كان مفروضا فيها أن تقيم ضجة قانونية وإعلامية كبرى، ولكنها لسوء حظ البعض، وحسن حظ البعض الآخر، لم تكن إلا أحكاما أدرجت في الصفحات الداخلية للصحف، فقد غطت عليها أخبار أكثر أهمية وأعظم شأنا، هي أخبار اندلاع حرب الأيام الستة في الشرق الأوسط، وغطى الهلع على إسرائيل، والخوف عليها من خطر تهديدات جمال عبد الناصر، ثم الحرص على التنويه بانتصاراتها واحتلالها لمساحات شاسعة من مصر وسوريا والضفة الغربية، فصغرت أحكام محكمة الجنايات الفرنسية، وأدرجت قضية المهدي بنبركة في الصفحات الداخلية، وبالتالي، ذابت في خضم الدوامة العالمية.

وفي خلال المحاكمتين الاثنتين، وعلى مدى خمسة شهور من الجلسات، مثل

أمام المحكمة صغار المسؤولين الذين يحيلون المحاكمة على رؤسائهم الذين أصدروا إليهم الأوامر، ولكن الطرف الغائب كان هو المسؤول الحقيقي.. فلم تمثل أمام المحكمة العقول المفكرة في أجهزة الاستخبارات الفرنسية، ولا المسؤولون المباشرون: “فيكون”، “لومارشان”، “بوشسيش”، “باليس”، “لوني”، أوفقير، و”الشتوكي”، کما تغيب عن الوقوف أمام القفص، المحركون أو المستفيدون من رجال المخابرات الأمريكية والإسرائيلية، أولئك الذين لا ينكر أحد دورهم في القضية كما سيتضح فيها بعد..

ومن خلال ما خفي وما ظهر من حقائق وجزئيات أمام المحكمة وفي كواليسها، ومن خلال ما لمح إليه المتهمون الحاضرون، وما هيمن على المرافعات من تلميحات وإشارات، يبدو واضحا جليا أن ما هو خليق بأن يسمى مؤامرة كبرى، قد اجتاز بوابة المحكمة الفرنسية وهيمن على جلساتها، حينما برع أصحاب الأيادي الخفية المدبرة للاختطاف، في وضع المحاكمة الأولى تحت هيمنة نفوذهم الإعلامي، فقد تم الإيعاز إلى المدبر الحقيقي “فيكون”، بكتابة وصف سينمائي لحادثة الاختطاف سلمه للصحفي فرانسوا برينيو، رئيس تحرير جريدة “مينوت”، ولكنه طلب منه أن لا ينشر ذلك المسلسل إلا بعد أن تسمح الظروف بذلك، ويروي الصحفي، أن “فيكون” كان يتصل به صباحا ويقول له: انشر، ثم يتصل به مساء ليقول له: لا تنشر. ولكن جزئيات ما كتبه “فيكون” كانت موضوعة على مكتب مدير الاستعلامات الفرنسية “جان كاي”، الذي لم يكن الصحفي رئيس تحرير “مينوت” إلا عميلا من عملائه.. فقد كان إذن بمستطاع مدير الاستعلامات الفرنسية أن يمنع الصحفي من نشر “اعترافات فيكون”، لكن تلك الاعترافات نشرت بجريدة “مينوت” وبمجلة “الإكسبريس”، لتؤثر على المحاكمة، وليكون لها التأثير الكبير على نفسية المحكمة وهيأتها ومستشاريها، ومما يؤكد أن الأوصاف التي أطلقها “فيكون” على طريقة اختطاف بنبركة، والطريقة التي يدعي أن السياسي المغربي قتل بها، لم تكن إلا ضربا من الخيال السينمائي، هو أن “فيكون” قتل في بيته قبل أن تستدعيه المحكمة، لتسأله عن حقيقة أقواله. والرجوع إلى الحقائق التي كشفت عنها الأيام، والاستنتاجات التي حرصت الأيدي الخفية على طمسها، يجعلنا وجها لوجه أمام ضرورة التعمق في الظاهر الجلي من الأحداث، والذي يمكن تصنيفه من خلال تفكيك الملف إلى ملفات:

الملف الأول: التخطيط لاختطاف المهدي بنبركة.

الملف الثاني: المنفذون للمخطط.

الملف الثالث: عملية الاختطاف.

وسيظهر من خلال تحليل هذه الملفات الثلاث، لكل ذي عين بصيرة، من هو المستفيد من عملية الاختطاف، وماذا كان مصير الرجل المختطف.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى