الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | الرجل الذي أخفى جثة بنبركة

ملفات وأسماء "الحلقة 19"

تنشر لأول مرة

قضية المهدي بنبركة بقيت سرّاً غامضاً رغم انقراض ما يقارب ستة عقود على اختفاء هذا السياسي الكبير، ولكن اختطاف بعض المسؤولين المباشرين، أسهم في إرسال بعض الأضواء على جوانب مظلمة، مما كشف عن نوعية أجواء(…) القضية التي بقيت ماثلة كالطود، من جيل الستينات إلى اليوم.

تتمة المقال بعد الإعلان

والسلسلة التي تنشرها لكم “الأسبوع” اليوم وبشكل حصري، مُستخرجة من أوراق تركها مؤسس جريدتنا مصطفى العلوي، في خزانته الغنية، وهو الذي عاش ما قبل الاختطاف، وعايش ظروفه، وتعايش مع الأحداث التي أحاطت به، وجمع على مدى 60 سنة، ما يكفي من البيانات والصور، والوثائق والمراجع، وهي الأوراق نفسها التي نقدمها لكم وللتاريخ، ضمن حلقات “الحقيقة الضائعة”.

بقلم: مصطفى العلوي

    يعرف المدركون، ويدرك العارفون، ولا يزيغ عن علم المتتبعين لأخبار الإجرام والإرهاب والاتجار في الجنس والمخدرات، أن القتل في هذا العالم المشبوه الموبوء، لم يكن يشكل في يوم من الأيام خروجا عن القاعدة المتعارفة، ولا تخلو الصحافة الفرنسية على الخصوص، من أخبار تكاد تكون يومية، لاغتيالات وتصفيات جسدية، تضيع في خضم الأخبار المدرجة في أعمدة “ليفي ديفير” أحداث وحوادث، لتظهر فيما بعد أنها داخلة في إطار صراع كبير يدور على مسرح الجريمة منذ سنوات طوال.

تتمة المقال بعد الإعلان

((.. في 2 فبراير 1966، توصل ضابط الشرطة، رئيس مجموعة محاربة الإجرام، الكوميسير موريس كاليبير، بمكالمة تلفونية، أخبرته بأن الإرهابي”جوليان لوني”، المتهم في قضية اختطاف بنبركة والهارب من أيدي العدالة، يوجد في مقصف يسمى “بار سانت كلير” زقاق “دارمايي” في المقاطعة السابعة عشر بباريس، ولكن الكوميسير كاليبير، لا يجد المجرم “لوني” وإنما يجد إرهابيا آخر هاربا من قبضة العدالة، ويسمى كريستيان دافيد، معروف في أوساط الإرهاب باسم “لوبو سيرج”، أي “سيرج الجميل”، وكان “سيرج” هذا، واسمه الحقيقي كريستيان دافيد، أحد المجرمين الرئيسيين في فيلا أندريا بالجزائر العاصمة، والتي سبق الحديث عنها وعن نسفها، وكان أحد رجال المحامي “لومارشان”، وفي نفس الوقت عميلا للمخابرات الفرنسية، وعضوا عاملا في منظمة المخابرات “سديك”، ولكن الكوميسير كاليبير أصر على أن يأخذه معه لمقر الشرطة، فأخرج كريستيان من جيبه البطاقة الرسمية المخططة بالأزرق والأبيض والأحمر، ليطمئن الكوميسير، ثم طلب منه أن يسمح له بأخذ معطفه قبل أن يرافقه، وعندما وصل للمعطف، أخرج مسدسا وأطلق النار بسرعة فائقة على الكوميسير كاليبير، الذي مات لحينه، وجرح جروحا خطيرة اثنين من رواد المقصف، ثم خرج وكأن شيئا لم يكن)).

ليس هذا السرد إلا مجرد نموذج للطريقة التي كان رجال المخابرات، أوما يسمى بـ”الوسط”، يتعاملون بها مع الموت، ولكن اختياري لهذا الإرهابي كريستيان دافيد كنموذج لمئات العينات، بل آلافها، ليس عفويا، بل بالعكس، مقصـودا. فعلاقة هذا الإرهابي بالمحامي لومارشان، أهلته لأن يلعب دورا هاما وحاسما في قضية المهدي بنبركة، ثلاثة شهور قبل أن يغتال الكوميسيركاليبير. فبعد هروبه من المقصف، توجه كريستيان إلى مقر عصابة المافيا في باريس، مقصف آخر،”لوفيتيش كلوب” في منطقة “نيوفيلسور، اين”، وهو ناد في ملك رئيس المافيا العالمية، جيريني، استطاع منه كريستيان أن ينظم هروبه إلى الأرجنتين، حيث استقبلته المافيا، وكلفته بمهام كثيرة في دول أمريكا الجنوبية.

وفي المكسيك، كلف بالتوجه إلى إفريقيا لتصفية بعض السياسيين الأفارقة، وعاد إلى الأرجنتين، حيث تكلف بتدريب مجموعات من المقاتلين في حركة تحرير تسمى “جبهة جيش التحرير”، وهي حركة شيوعية، لكن اتصالاته بقادتها جعلتهم يكشفون شخصيته، فهرب قبل أن يقبض عليه، ولكنه قبل هروبه، سرق من مكتب الحركة 250.000 دولار، وعدة وثائق، أرجعها جهاز “سديك” للمخابرات الفرنسية، إلى حكومة الأرجنتين علنا، ونشر الخبر في الصحف الأرجنتينية. ووصل كريستيان إلى الأوروغواي، ليضع نفسه في خدمة السفير الفرنسي في مونتيفيديو، الكولونيل باربورو، الذي كلفه بالتسلل للتجسس على حركة نعرفها جميعا، وهي حركة “توباماروس”، حيث استطاع إبلاغ الحكومة الأوروغوانية، بموقع مجموعة مؤلفة من 250 مقاتلا تم اعتقالهم، وأخذ كريستيان يتنقل منذ ذلك الوقت بجواز سفر دبلوماسي، خلال سنة 1971، وقد وصل إلى جزيرة برازيلية تسمى “إيلا بيلا”، حيث دخل في سلسلة اغتيالات توسعت الصحافة البرازيلية في الحديث عنها ونشر تفاصيلها والبحث في أسبابها، وبعد حدوث مجزرة بين رجال المافيا على يد كريستيان دافيد، استطاعت الشرطة البرازيلية اعتقال كريستيان دافيد في 21 أكتوبر 1972، في مدينة باهيا، وقد حجزت الشرطة في أمتعته، حسبما نشرته الصحافة، مسدسا من نوع “برونينغ” 9 ميليمتر، ورشاشة “بيريتا” مع جهاز كاتم للصوت، ومسدس “سميث ويسون” بجعبة قصيرة، وثلاث شحنات، وثلاث وستين رصاصة من عيار 9 ميليمتر، و22 رصاصة من عيار 7.65 ميليمتر، وكان يحمل جواز سفر دبلوماسي، وتمكن البوليس البرازيلي بعد اعتقاله، من معرفة مخابئ رفاقه ومعرفة جزئيات كثيرة عن نشاط المخابرات الفرنسية والإرهاب ورجال المافيا، كما اعترف لهم بأنه هو الذي قتل في كورسيكا، في غشت 1966، المسمى “بيير كولومباني”، وقتل في نفس الفترة، في سانت وان، إرهابيا اسمه “جان بانساراني”، ولا شك أن القارئ يتساءل عن السر في توسعي في الحديث عن هذا الإرهابي الذي ليس إلا نموذجا لرجال العصابات الفرنسية، ولكن قليلا من الصبر سيوصل القارئ إلى النتيجة المرجوة، فخلال استنطاق الإرهابي كريستيان دافيد من طرف الشرطة البرازيلية، في إطار استجواب طويل تدخلت فيه جميع الأجهزة الأمنية المهتمة، فرنسية وأمريكية وبرازيلية، كشف عن دوره في قضية بنبركة: ((أنا الذي أخفيت جثمان المهدي بنبركة، ذلك الزعيم الإفريقي المشهور، وقد دفع لي الجنرال أوفقير مقابل هذا العمل، خمسة عشر مليون فرنك قديم، وأنا الذي دخلت الشقة المتواجدة في زنقة “رينود” بباريس رفقة رجل آخر، للقيام بالعمل الذي وصف فيما بعد بأنه انتحار فيكون، ولم يرني رجال الأمن، فقد خرجت من الباب الخلفي الواقع في رقم 11 زقاق “نيودول ريبو“)).

وقد كشفت هذه الاعترافات التي أدلى بها كريستيان دافيد للشرطة البرازيلية، كثيرا من الغموض، إذ أنه رغم ما كتب وما قيل، وما تم من أبحاث واستطلاعات، فإن مصير جثة بنبركة بقي غامضا، مثلما أن اليد التي صفت جورج فيكون، صاحب مشروع الفيلم الذي جر المهدي بنبركة إلى الاختطاف، والذي وجد مقتولا في بيته، وأذيع أنه مات منتحرا في 17 يناير 1966، دون أن يشك أحد في اغتياله، ولا أن يعرف أحد ظروف موته، بقي صاحب تلك اليد ضائعا في متاهات الدعايات والاحتمالات، وكان اعتراف كريستيان دافيد، جوابا أثبتت مصداقيته التي تم التأكد منها، حقيقة اليد التي أخفت جثة المهدي بنبركة. وبمجرد ما أذيعت ونشرت اعترافات کریستیان دافید، ظهرت خطورة الرجل وأهميته، خصوصا بالنسبة لأكبر جهاز للمخابرات في العالم، جهاز “السي، آي، إي”، وبسرعة كبيرة، وسهولة أكبر، استطاعت العدالة الأمريكية طلب تسليمها كریستیان دافيد من السلطات البرازيلية، وتسلمته فعلا بمقتضى ملف هام متعلق بمحاربة تهريب المخدرات، وتسابقت الصحف الفرنسية للتعليق، مرددة أن كريستيان دافيد يهم المخابرات الأمريكية، لأنه سيطلعها على أشياء لا تعرفها، خصوصا مهامه التصفوية في بعض الدول الإفريقية وفي أمريكا الجنوبية، وقال مؤلف كتاب “ملفات. د”: بأن ((المخابرات الأمريكية، يهمها أن تعرف جزئيات أخرى عن قضية بنبركة أكثر من اهتمامها بقضية تهريب المخدرات))، ولكن العدالة الفرنسية عجزت عن تسلم كريستيان دافيد من العدالة الأمريكية، فحكمت عليه غيابيا بالإعدام من أجل قتل الكوميسير كاليبير، خصوصا بعد أن نظمت مظاهرات كبيرة في فرنسا احتج فيها رجال الشرطة على الترابط الموجود بين الإرهابيين والمخابرات وتوفرهم على الأوراق الرسمية للشرطة، وبعد أن استنفدت المخابرات الأمريكية ما أرادت من كریستیان دافید، حكمت عليه المحكمة العليا في نيويورك، يوم فاتح دجنبر 1972، بعشرين عاما سجنا.

والجدير بالاهتمام، أن اسم كريستيان دافيد لم يرد إطلاقا لا في المحاكمة الأولى ولا في المحاكمة الثانية التي وضعت حدا للأبحاث في قضية المهدي بنبركة، مما يدل على أن الأسماء الحقيقية لمن لعبوا أدوارا مصيرية، بقيت سرا لم تسبر أغواره إلا الأيام.

ومراجعة سريعة لحياة هذا النموذج من الرجال القتلة، ومن الأساليب الجاري بها العمل، تؤدي إلى استنتاج حقيقة مفروضة على العقل، وهي أن عملية اختطاف المهدي بنبركة لم يكن القصد منها اغتياله، ويبقى الاحتمال الكبير، رغبة المغرب في التصالح معه ورجوعه، وعدم رغبة أوفقير في تحقيق تلك الرغبة، بينما لو أريد اغتياله، لما نظم ذلك السيناريو الطويل العريض، ولما أقحم بجميع الأجهزة الفرنسية، السرية والعلنية، وقد كان من السهل تكليف واحد من القتلة المهرة، بتصفيته في جنيف أو في القاهرة أو حتى في باريس، وقد تسمح التفصيلات المقبلة باستكناه حقيقة ظروف موت المهدي بنبركة، في إطار الفوضى التي أحاطت باختطافه.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى