روبورتاج

ربورتاج | ثقافة التبرع بالأعضاء تصطدم بأحكام مسبقة لدى المغاربة

تأثير الجانب الديني وغياب التحسيس

تعتبر عملية زرع الأعضاء من أصعب المواضيع التي لا تحظى بنقاش داخل المجتمع والهيئات السياسية والحقوقية في المغرب، إذ تتداخل فيها عدة عوامل دينية ونفسية واجتماعية وسياسية، تساهم في خلق أفكار خاطئة ومعلومات غير صحيحة لدى المواطنين، حول أهمية ثقافة التبرع بالأعضاء لإنقاذ حياة أشخاص آخرين يعانون جراء أمراض مزمنة أو في أمس الحاجة إلى زرع عضو في أجسادهم، من أجل التعافي من المرض.

ولازال المغرب من الدول التي تعرف عزوفا كبيرا من قبل الناس عن التبرع بالأعضاء بعد الوفاة، في ظل غياب ثقافة التبرع، نتيجة انتشار الإشاعة التي تروج والاتجار بالأعضاء بالبيع والشراء، وذلك لغياب التواصل والحقيقة وعدم قيام الجهات المختصة بدورها في توضيح الأمور ونشر المعلومة الصحيحة.

فالأرقام المسجلة، تشير إلى ضعف الإقبال من قبل المواطنين، مما يطرح مجموعة من التساؤلات حول الأسباب الحقيقية وراء قلة الأشخاص المتبرعين بالأعضاء في سجلات المحاكم.

 

الرباط. الأسبوع

 

غياب ثقافة التبرع بالأعضاء

أمل بورقية

    في هذا السياق، تقول الدكتورة أمل بورقية، رئيسة الجمعية المغربية لمحاربة أمراض الكلي، أن غياب ثقافة التبرع بالأعضاء في المغرب، هي السبب الرئيسي في قلة العمليات الجراحية التي أجريت لحد الآن والتي لا تتجاوز 600 عملية زرع للكلي والأعضاء الأخرى خلال 30 سنة، حيث أن الأرقام المسجلة في سجل التبرع بالأعضاء عقب الوفاة بالمحاكم، هي أرقام قليلة ومخجلة لا تتجاوز 1200 شخص، وربما سبب قلة التبرع يكمن في الشائعات، مضيفة أن هناك العديد من الشائعات والتساؤلات التي تؤثر على الناس من الناحية الدينية والطبية والقانونية أيضا، مما يتطلب تقديم توضيحات وأجوبة عن كيفية إجراء العملية الجراحية والعناية بجسد المتبرع المتوفى والحفاظ عليه مثل الشخص العادي.

وأضافت بورقية: إن الإشاعة تطغى بشكل كبير في المجتمع مثل “حيدو ليه الكلية أو حيدو ليه القلب أو الكبد”، “التبرع حرام”، “البيع والشراء في الأعضاء”، وهذا ما يجعل الناس يفكرون بشكل مغلوط لتبرير رفضهم للإقدام على هذا العمل النبيل الذي يسمح به الدين والقانون، لأنه يدخل في العلاج ويساهم في إنقاذ حياة عدد كبير من المرضى وخاصة الأطفال، مشيرة إلى أن هناك تقصيرا داخل المجتمع، سواء من القطاع الصحي أو الإعلامي، لأن عملية التوعية والتحسيس يجب أن تكون بشكل مستمر، بأهمية التبرع بالأعضاء وزراعتها، وليس فقط في اليوم العالمي، وذلك لتحفيز الناس على اتخاذ قرار إنقاذ حياة شخص آخر، خاصة في ظل الأفكار السلبية التي تسيطر على عقول الناس.

وشددت بورقية على ضرورة تغيير القانون، من أجل الرفع من عدد المتبرعين، وذلك عبر اعتبار كل المغاربة متبرعين بأعضائهم، والأشخاص الذين يرفضون، عليهم الانتقال للمحكمة لإعلان عدم موافقتهم، وإذا لم يتغير هذا القانون، لن تكون هناك زراعة، لأن 600 حالة لا تشرف الطب المغربي ولا المغاربة، موضحة أن عزوف الناس راجع لظروف العمل والتنقل والوقت، وغياب آليات التواصل مع المواطنين في المحاكم، لتحفيزهم على التبرع بالأعضاء.

وأكدت رئيسة الجمعية المغربية لمحاربة أمراض الكلي، على أن البرلمان والأحزاب تتحمل قسطا من المسؤولية، بسبب عدم انخراطها في نشر ثقافة التبرع والاستمرارية في تعميم ذلك، ووضع برنامج وطني يشمل جميع القطاعات والمحاكم مثل الدول الأخرى، وتوفير ظروف التسهيلات والاستقبال مثل المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء، داعية الحكومة ووزارة العدل، إلى القيام بتعميم التجربة وتوفير المعلومة للناس في المدن الأخرى، وفتح نقاش والتشجيع على التبرع بالأعضاء، وإدراج الموضوع في المقررات التعليمية، وفي كليات الطب، وفي الإعلام والمجالس العلمية، وفتح نقاش وطني مع خبراء في القانون والدين والطب للتحسيس بأهمية التبرع بالأعضاء.

الجانب الطبي والديني

أحمد بلحوس

    يرى البروفيسور أحمد بلحوس، رئيس الجمعية المغربية للقانون الطبي، أن زرع الأعضاء هو علاج طبي لم يكن ولن يكون مثل العلاجات الطبية الأخرى، بل له مميزاته الخاصة به، والتبرع بالأعضاء هو عمل إنساني واجتماعي يهدف إلى منح الأمل في الحياة للكثير من المرضى، مؤكدا أن التبرع بالأعضاء هو حاجة مجتمعية ملحة، لذلك وجب على مكونات المجتمع المغربي الانخراط في هذه العملية النبيلة قصد إنقاذ كثير من الأرواح، وله مشروعية دينية حيث لا توجد آية قرآنية واحدة أو حديث نبوي واحد يحرم هذه العملية، بل إن هناك الكثير من الآيات والأحاديث النبوية التي تؤيد وتحث على ذلك، بالإضافة إلى أن الكثير من المجتمعات الفقهية المختصة أباحت عملية التبرع بالأعضاء وشجعت الناس على هذه العملية (فتوى الأزهر سنة 1978، وفتوى المجمع الفقهي بمكة سنة 1988).

وأوضح البروفيسور بلحوس، أن التبرع بالأعضاء له إطار قانوني بالمغرب متمثل في القانون رقم 16-98 المتعلق بالتبرع بالأعضاء واستئصالها وزراعتها، هذا القانون ينص على مبادئ مهمة نذكر منها المجانية والرضى المستنير للمتبرع بالأعضاء والهدف العلاجي لهذه العملية، كما عزز الحماية القانونية للمتبرع، حيث حسم في كل ما من شأنه أن يؤدي إلى المتاجرة بالأعضاء البشرية.

وأشار رئيس الجمعية المغربية للقانون الطبي، إلى أن التبرع بالأعضاء مباح في الدين الإسلامي ومحاط بضمانات قانونية درئا لكل متاجرة بالأعضاء البشرية، داعيا جميع المواطنين للانخراط في هذه العملية حتى يكون التبرع بالأعضاء ثقافة سائدة في المجتمع لإنقاذ الكثير من الأرواح.

التبرع إنقاذ لحياة آخرين

هشام بهلول

    يعزى عدم إقبال الشباب والناس على عملية التبرع بالأعضاء، للمنظومة الصحية، حيث أن نسبة كبيرة من الأشخاص الذين يرغبون في التبرع بالأعضاء والذين لا يوافقون، ليست لهم ثقة في المنظومة الصحية، مما يبرز أن هناك نقصا كبيرا في عملية التحسيس من قبل القائمين على القطاع الصحي أو داخل المنظومة التعليمية، مما يبين أن عدد المتبرعين ضئيل مقارنة مع عدد المرضى المحتاجين.

في هذا الإطار، يؤكد الفنان هشام بهلول، أن موضوع التبرع بالأعضاء لدى الناس مسألة صعبة التقبل من قبل الكثيرين، فهناك من يقول أنها حرام، وهناك من له أفكار خاطئة بسبب الشائعات، عكس التبرع بالدم الذي يلقى إقبالا من المواطنين مثل حملات التبرع التي تعرف مشاركة مكثفة من قبل الشباب، مضيفا أنه قام بهذه الخطوة بالمحكمة الابتدائية في الدار البيضاء قبل تعرضه لحادثة سير، وأطلق صفحة في مواقع التواصل الاجتماعي بعنوان “التبرع بالأعضاء مواطنة وإخاء”، لتحسيس الشباب والمواطنين بأهمية التبرع بالأعضاء، وزرع ثقافة التبرع والتضامن بين المغاربة.

واعتبر أن التبرع خطوة مهمة تنقذ حياة أشخاص آخرين، وتتطلب سوى بعض الإجراءات البسيطة ودقائق معدودة في المحكمة يعبر من خلالها أي شخص عن رغبته في التبرع بالأعضاء بعد الممات، ويوقع على إشهاد ليساعد أشخاصا آخرين بعد وفاته، مبرزا أن التبرع جائز من الجانب الديني ويعد أسمى وأعلى درجات الصدقات، التي يقدمها الإنسان لشخص آخر لكي يعيش، مصداقا لقوله تعالى: ((وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا))، لهذا يجب على كل شخص التبرع والقيام بالمبادرة، لأن التبرع رمز من رموز المواطنة والمواطن المتبرع  بالدم أو بعضو من أعضاء جسمه، يريد الخير للآخر وينقذ شخصا في حالة خطر.

وشدد على ضرورة انخراط القنوات العمومية ووسائل الإعلام في هذه المبادرة والقيام بوصلات إشهارية، لحث وتحفيز الناس على التبرع بالأعضاء، خصوصا الكلي، حيث أن هناك مرضى ليست لديهم الإمكانية المادية للاستفادة من عملية الزرع التي تعطي فرصة للحياة، مشيرا إلى أن ثقافة التبرع بالأعضاء منتشرة في الخارج والناس يحسون بالسعادة بعد التبرع بأعضاء أبنائهم وأقاربهم.

بدورها، أكدت يسرى الميموني، متبرعة وناشطة في مواقع التواصل الاجتماعي، على أهمية انخراط الناس في عملية التبرع بالأعضاء، للمساهمة في إنقاذ أشخاص آخرين، منوهة بانخراط الشباب والمؤثرين في هذه المبادرة والمشاركة في توعية الناس بأهمية ثقافة التبرع بالأعضاء، من خلال تنظيم حملات ولقاءات في مواقع التواصل الاجتماعي ودورات للتوعية والتحسيس من أجل هذا العمل الإنساني.

وأضافت أن هناك تطورا ونقاشا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بين الشباب ومجموعة من المواطنين حول موضوع التبرع بالأعضاء، خاصة وأن التبرع جائز من الجانب الديني، وهذا ما يتطلب المزيد من التحسيس والقيام بالحملات التوعوية لتحفيز المواطنين على الانخراط والمشاركة في عملية التبرع بالأعضاء.

تعقيدات وضعف الزراعة

ياسين العلمي

  رغم أن المغرب من الدول العربية السباقة في مجال تقنين التبرع بالأعضاء والأنسجة البشرية من خلال سن قانون رقم 16-98 الصادر سنة 1999، والمتعلق بالتبرع بالأعضاء البشرية وزرعها، إلا أنه لازال متأخرا في زراعة الأعضاء بسبب ضعف التبرع حتى في صفوف الأقرباء، خاصة بالنسبة لعملية زرع الكلي، إذ لم يسجل سوى ثلاث عمليات لزرع القلب، ونحو 20 عملية لزرع الكبد، و500 عملية لزرع الكلي، 90 بالمائة منها من متبرع حي، و10 في المائة من متبرع ميت دماغيا.

ياسين العلمي، فاعل جمعوي، يرى أن غياب ثقافة التبرع بالأعضاء لدى الناس مرتبطة بمشاكل أخرى، منها المساطر الإدارية والطبية التي لا تسهل الطريق للمريض للاستفادة من متبرع من العائلة، بحيث أن ملف الإجراءات الطبية قد يأخذ عامين على الأقل أو أشهر لإعداد الملف الذي يتضمن القيام بالكشف بواسطة “السكانير” ومجموعة من التحاليل الطبية، بالإضافة إلى موعد يصل إلى سنة، والتي قد تزيد من تفاقم الوضع الصحي للمريض.

وأضاف ياسين، الذي يشتغل مع مرضى القصور الكلوي، أن هناك مساطر قانونية معقدة أيضا أمام تبرع الأب لابنه من أجل الاستفادة من عملية الزرع، حيث يكون الوالد ملزما بالذهاب للمحكمة وحضور جلسة أمام القاضي تستغرق مدة زمنية، لكي ينال الموافقة، رغم أن المسألة واضحة ولا يوجد فيها اتجار بمنطق القرابة العائلية، مؤكدا وجود إشكالية أخرى في القانون المؤطر لعملية التبرع بالأعضاء، تكمن في إمكانية طعن أقرباء الشخص المتبرع بأعضائه لدى المحكمة، وهي من بين العراقيل التي تقف مانعا أمام خطوة التبرع بالأعضاء وتحتاج إلى تعديل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى