الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | تحالف أوفقير واليد السوداء للجنرال “دوغول”

مختطفو بنبركة: ملفات وأسماء "الحلقة 15"

تنشر لأول مرة

قضية المهدي بنبركة بقيت سرّاً غامضاً رغم انقراض ما يقارب ستة عقود على اختفاء هذا السياسي الكبير، ولكن اختطاف بعض المسؤولين المباشرين، أسهم في إرسال بعض الأضواء على جوانب مظلمة، مما كشف عن نوعية أجواء(…) القضية التي بقيت ماثلة كالطود، من جيل الستينات إلى اليوم.

تتمة المقال بعد الإعلان

والسلسلة التي تنشرها لكم “الأسبوع” اليوم وبشكل حصري، مُستخرجة من أوراق تركها مؤسس جريدتنا مصطفى العلوي، في خزانته الغنية، وهو الذي عاش ما قبل الاختطاف، وعايش ظروفه، وتعايش مع الأحداث التي أحاطت به، وجمع على مدى 60 سنة، ما يكفي من البيانات والصور، والوثائق والمراجع، وهي الأوراق نفسها التي نقدمها لكم وللتاريخ، ضمن حلقات “الحقيقة الضائعة”.

بقلم: مصطفى العلوي

    عندما يذكر اسم لومارشان، تنحني الأسماء الأخرى، وتذوب شخصية أوفقير، فعندما تذكر الوثائق الفرنسية اسم أوفقير كمجرد مراسل شرفي لجهاز “سدیك”، فإن اسم لومارشان يمثل العنوان الرئيسي لقضية بنبركة. لقد تلاقت رغبة أوفقير في تصفية بنبركة مع مخطط فوکار في إضافة اسم هذا السياسي المغربي إلى اللائحة الطويلة العريضة لأعداء المخطط الفرنسي، لكن تكلیف لومارشان باسم المخابرات، بملف بنبركة، حمل المحامي الفرنسي إلى درجة المسؤولية العليا في هذه القضية، وهنا تدخل قضية بنبركة، والبحث عن الحقيقة في شأنها، مرحلة أكثر تعقيدا، وأجدر بالاهتمام..

تتمة المقال بعد الإعلان

يمثل المحامي لومارشان الوجه المتطابق وصورة الأوضاع الفرنسية ليلة استقلال الجزائر، كما يمثل شخصه الجهة السوداء لنظام الجنرال دوغول الذي كان منخورا بالأجهزة السرية المتكاثرة والمتنافرة..؟

وفي نفس الوقت، تتشخص في لومارشان طبيعة الظروف المزدوجة التي أحاطت باختطاف المهدي بنبركة، وكلمة الازدواجية هي التي غطت على تلك الفترة من تاريخ الديغولية، حيث تقاسم النفوذ الفرنسي جهازان: الجهاز الرسمي، بأشكاله وألوانه، والجهاز الازدواجي، الذي عرف عند العادي والبادي باسم “الجهاز الموازي” (باراليل)، وسواء فيما يتعلق بأوضاع فرنسا ككل، أو بوضع المهدي بنبركة، فقد كان لومارشان هو الرجل الموازي، فبالنسبة لفرنسا ككل، كان فوکار أمين سر رئیس الجمهورية ورئيس الحكومة، وصلة الوصل بين الجهازين، الحقيقي والموازي، وكان النظام الفرنسي، يرى في “الجهاز الموازي” حلا لمشكلة كبرى. فلا يمكنه من جهة فتح واجهتين في حرب واحدة هي حرب الجزائر، واجهة ضد الثوار التابعين لجبهة التحرير الوطني الجزائري، وكانت هي بدورها مزدوجة، فيها الجانب المفاوض والجانب المحارب، وواجهة ضد الفرنسيين المتنطعين المشكلين لعصابات “الأوايیس”، والذين أعلنوا هم بدورهم حربا ضد نظام دوغول، ومن جهة أخرى، تكليف فريق من قواته وشرطته بتصفية قادة التمرد الفرنسيين، واختراق تنظيماتهم، ومعاملتهم بالطرق القانونية بينما هم يستعملون طرق الإرهاب.

وكان على فوكار، الاختصاصي الكبير، أن يرتب الأمور ويشرف بنفسه على الحرب المعلنة في الواجهتين: الرسمية، والسرية، فكان له إذن، رجلان: الجنرال جاكيي، مدير المخابرات ومنظمة “سديك” كمدير عام لجهاز معترف به رسميا، متفرع عن تنظیمات مختلفة التركيب، لجأ أثناء حرب التحرير المغربية والتونسية والجزائرية، إلى نفس الأساليب الإرهابية التي تستعملها منظمة “الأواييس” في الجزائر، تفرعت عنها مجموعة تشكيلات سبق الحديث عنها في فصول سابقة، وكان لفوکار الرجل الثاني على رأس “الجهاز الموازي”، متستر وراء سترة القانون، بصفته محاميا مشهورا في باريس، وهو المحامي لومارشان.

ولد بيير لومارشان سنة 1926، ليدخل سنة 1948 في الحياة السياسية، ويتربى في أحضان العنف، ويحمل العصا ليشارك بجانب الشرطة في قمع المظاهرات التي كان يقودها جان بول سارتر سنة 1956، وقد أسهم في عمليات تصفية ضد الجزائريين أثناء حرب التحرير الجزائرية، لكنه قلب مواقعه عندما كلف بتشكيل جهاز “الباربوز” ضد عصابات “الأواييس” المتطرفة، والمعارضة لاستقلال الجزائر، وقد اختار في مهمته الصعبة، أكبر مجموعة من الإرهابيين والقتلة والسفاكين، مختلفي الجنسيات والأديان، واختار للنيابة عنه في المهام الصعبة، زوجته میشیل، التي خاضت بجانبه معارك خطيرة، وكانت فترة ربط فيها صلات وطيدة مع الوسط الإرهابي، سواء أولئك المتواجدين في المقرات السرية، أو المقبوضين في يد العدالة، وكلما سمع عن ميزات سفاك محترف، ذي خبرات يمكن استعمالها، توجه إليه في السجن، وحصل منه على توقيع والتزام بالعمل معه، ليطلق سراحه مؤقتا أو نهائيا بمقتضى النفوذ الذي كان له في أجهزة العدالة، والأموال التي كان يصرفها، إضافة إلى التعليمات السرية التي كانت تصدر من أعلى.. ولم يكن في فرنسا أمر مرفوض إذا صدر عن فوکار.

ومن هذا الصنف، من زبناء لومارشان، نجد أحد كبار الإرهابيين، کریستیان دافيد، وهو الرجل الذي شغل المخابرات العالمية، والأمريكية على الخصوص، في مجالات تهريب الحشيش. کریستیان دافيد هذا، دخل في خدمة لومارشان سنة 1961، ليمارس أدوارا لا تخطر ببال أي مخرج سينمائي، فبعد إدخاله في مدرسة “سان سير مون دور” ليبرع في أساليب المخاطرة، توجه في خدمة المحامي لومارشان بالجزائر، قبل أن يقوم بدور هام في قضية اختطاف المهدي بنبركة، سيأتي الحديث عنها.

ودائما، وفي إطار الاستعداد لمهامه الموازية في الجزائر، جعل لومارشان من أحد نوادي لعبة الكاراتي، في باريس، مركزا لتجميع الإرهابيين المحترفين، وكان صلة الوصل، أحد أبطال الكاراتي، وهو يهودي تونسي الأصل، يسمى “جيم الشيخ”، خاض بنفسه معارك في الجزائر، سواء ضد الجزائريين أو ضد الفرنسيين المعارضين، وفي الجزائر، أقام لومارشان ورفاقه، مقرهم في بيت متواجد بحي “البيار”، دخل في تاريخ الإرهاب العالمي باسم “فيلا أندريا”، وفي هذا البيت نمت وترعرعت فكرة الإرهاب المحتمي بالدولة، وهو نوع من الإرهاب الذي أصبح معمولا به في كثير من الدول المتخلفة، إذ كان ذلك البيت (فيلا أندريا)، هو المدرسة التي تخرج منها خبراء منطقة الشمال الإفريقي في التعذيب والاستنطاق، وكانت المجموعة المتواجدة لا تفرق بين أفراد جبهة التحرير الجزائري، أو الأفراد الذين يعارضون سياسة دوغول، ومن تلك الدار خرج أسلوب جديد في التعذيب، اخترعه إرهابي فرنسي يسمى “جان أوجي” تغير اسمه فيما بعد وأصبح يعرف باسم “جان لاكويير”، يعني “جان الملعقة”.. فقد اخترع أسلوب اقتلاع عين الإنسان المعرض للتعذيب، بالملعقة، ولا زال الكثير من ضحاياه، قدماء المجاهدين الجزائريين الفاقدين لعين واحدة، يتذكرون الأيام التي قضوها بين يديه.

صدر في سنة 1966 عن دار “سان جوست” للنشر في باريس، كتاب ألفه أحد قدماء المحبوسين عند المحامي لومارشان، في “فيلا أندریا”، واسمه ألكسندر تيسلانكوف، واختار لكتابه العنوان التالي: “اتهم لومارشان”، وفي ذلك الكتاب، ينشر المؤلف جزئیات ليس من شأنها أن تشرف التاريخ الفرنسي.

ويصف تيسلانكوف الأيام التي قضاها كمعتقل، لأنه تمرد على نظام الجنرال دوغول، وعارض استقلال الجزائر، فيصف كيف كانت تتم عمليات الاستنطاق، ثم الإعدام، لجميع المستنطقين، ودفنهم في حدائق “فيلا أندريا” داخل قبور جماعية.

ويستخلص تيسلانكوف العبرة من مروره بذلك البيت، واصفا لومارشان بأنه “الرئيس الأكبر للإرهابيين”، وأنه “جامع القتلة والسفاحين”.

رغم أن فوکار وحده كان يعرف حقيقة ما يجري في “بيت أندريا” بالجزائر العاصمة، فإن الجزئيات تسربت إلى أوساط الجنرال دوغول، وصدرت التعليمات إلى أجهزة أخرى(…) لإيقاف نشاط لومارشان في “فيلا أندريا”، وفي 29 يناير 1962، أرسلت ميشيل لومارشان، زوجة المحامي، من باريس، صناديق مشحونة بآلات كاتبة، لاستعمالها في “فيلا أندریا”، وعند وصول الصناديق إلى البيت، تقدم الحارس الخاص للمحامي لومارشان، وكان إرهابيا مشهورا اسمه  “سيميونبييري”، وبمجرد ما فتح الصندوق الأول، حدث انفجار مريع، محا البيت التاريخي نهائيا من على وجه الأرض، ومات حوالي عشرين شخصا من بينهم ثمانية من رجال لومارشان، الذي جاء شخصيا من باريس لمعاينة جثثهم، ثم جاءت زوجته للإشراف على نقلهم إلى فرنسا، ولكن لومارشان فهم المقصود من هذه العملية، التي لم يعرف أحد لحد الآن من نظمها، ومن حول الآلات الكاتبة إلى شحنات من المتفجرات، وأغلق لومارشان ملف الجزائر وعاد إلى باريس، ليضع نفسه من جديد رهن إشارة مشغليه.

وكان الاختطاف من اختصاصات لومارشان، الذي قدم البراهين القاطعة على توفقه فيها، فلم يكن إذن، غريبا أن يتم التفكير فيه شخصيا عندما دار الحديث بين أوفقير وفوکار حول المهدي بنبركة. فقد سبق للمحامي لومارشان أن نظم في فبراير 1963، عملية اختطاف اهتزت لها الأوساط الأوروبية، بعد أن تم تنظيمها في قلب مدينة ميونيخ الألمانية، وفي إطار متابعة قادة منظمة “الأواييس” الإرهابية الفرنسية، والذين هربوا في مختلف الاتجاهات بعد استقلال الجزائر، كان أحدهم وأخطرهم، الكولونيل أرکو، أعربت الدوائر العليا في فرنسا عن رغبتها في اختطافه من قلب مدينة ميونيخ، وقد شكل لومارشان مجموعة من رجاله، مكونة من بوشسیش، باليس، لوني، أسماء لم تلمع فقط في قضية اختطاف الكولونيل أركو، وإنما هي الأسماء الأساسية في اختطاف المهدي بنبركة، وذات صباح، وجدت الشرطة الفرنسية في باب أحد مراكز الشرطة، كيسا متضمنا لشخص الكولونيل أرکو والحبال ملتفة حول جسمه، ولم يتكلف رجال الشرطة أكثر من فك حباله وتقديمه للمحكمة بتهمة الخيانة، وثارت الصحف الألمانية، ولكن الحكومة الفرنسية أنكرت أي يد لها في اختطاف الكولونيل أرکو.

وأصبح جهاز لومارشان خبيرا في شؤون الاختطافات، وفي أکتوبر 1964، سنة بالضبط قبل اختطاف المهدي بنبركة، نظم نفس الجهاز اختطافا آخر في باريس، كان ذا أهداف إجرامية، إذ تم اختطاف زوجة الثري الفرنسي مارسيل داسو، وقد تبادرت مسؤولية لومارشان في اختطاف “مدام داسو” بعد ثبوت المسؤولية في حق حارسه الخاص “سيميونبييري”، في هذا العمل.

لومارشان هذا، الرجل الغريب، تصرف في قضية اختطاف بنبركة كعادته خلف سترة المحاماة، وكان لا يتورع عن التصريح أمام الصحافيين، بأنه “قرأ اختطاف بنبركة في الصحف” لولا أن جزئية هامة جدا ربطته بمسؤولية الاختطاف ربطا موثقا، وبصفته محامي الإرهابي “فيكون”، الذي كان له هو أيضا دور أساسي في اختطاف المهدي بنبركة، وبصفته محاميه، فإن الوثائق التي وجدت بحوزة فيكون بعد موته، تضمنت لائحة بأسئلة مكتوبة، كانت موجهة للمهدي بنبركة، اتفق جميع الخبراء في الخط والتمييز، على أنها مكتوبة بخط لومارشان، وفي سنة 1973، فقط، أصدر القاضي بانسو، قرارا بأن الأسئلة التي كتبت لتلقى على المهدي بنبركة أثناء استنطاقه من طرف مختطفيه، كانت مكتوبة بخط المحامي لومارشان.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى