للنقاش

للنقاش | هل تعمل إسبانيا على ضم سبتة ومليلية لمنطقة “شنغن” ؟

مؤشرات فرض "الفيزا" على المغاربة

بقلم: إيمان حسين

باحثة في العلاقات الدولية

تتمة المقال بعد الإعلان

 

    تُخضع إسبانيا معبر “تارخال” الفاصل بين مدينة سبتة المحتلة والفنيدق، لعملية إصلاح وإعادة تأهيل شاملين، ستخرجه في مظهر حديث مغاير تماما لذلك المظهر الذي كان عليه، والذي كان يتسم بالكثير من الفوضوية وبطرق تسيير تقليدية.

تتمة المقال بعد الإعلان

فالمعبر سيتحول بفضل هذه الإصلاحات إلى معبر ذكي، بعد أن تم تزويده بوسائل تقنية وتكنولوجيا رقمية لتنظيم عملية مراقبة دخول وخروج الأفراد والمركبات من وإلى المدينة، مثل الأكشاك الذكية والكاميرات الرقمية المزودة بأحدث التقنيات الخاصة بالمراقبة، وبمسح والتعرف على الوجوه وعلى لوحات المركبات، والتي تعد من بين الوسائل الحديثة في مجال مراقبة الحدود وحمايتها من التهديدات، هذا فضلا عن إصلاحات أخرى يخضع لها المعبر مثل استحداث مرافق جديدة وغيرها من أعمال إعادة التأهيل.

وقد جاءت هذه الإصلاحات كما تم الإعلان عن ذلك، بهدف تنظيم المعبر والتقليل من التزاحم والفوضى التي كان يعرفها، هذا فضلا عن مواكبة قرار المغرب الخاص بمنع التهريب المعيشي بشكل نهائي، والذي كان يطغى على نشاط المعبر، مع ما يتطلبه ذلك من التزامات على الجانب الإسباني فيما يخص مراقبة عملية التهريب نزولا عند طلب السلطات المغربية، غير أن حجم ونوعية الإصلاحات والسياقات العامة التي تؤطرها، توحي بوجود غايات أخرى قد تتجاوز تلك المعلن عنها، خاصة إذا ما تم ربطها بالتطورات التي يعرفها ملف سبتة في كليته، بما فيها مساعي الحكومة الإسبانية لدمجها بشكل كامل في إسبانيا والاتحاد الأوروبي.

وبالتالي، فإن الإصلاحات التي يخضع لها معبر “تارخال”، يمكن قراءتها في سياق قرار الحكومة الإسبانية الخاص بدراسة مسألة إلغاء النظام الخاص الذي تخضع له مدينة سبتة، والذي يسمح بمرور المغاربة من البلدات والمدن المجاورة إلى المدينة بدون تأشيرة (مع فرضها عليهم في حالة التنقل جوا أو بحرا إلى إسبانيا)، وتعويضه بنظام التأشيرة الذي تخضع له منطقة “شنغن” الأوروبية، وذلك في أفق إدراجها بشكل كامل في منطقة “شنغن” وفي النظام الجمركي الخاص بالاتحاد الأوروبي، وهو القرار الذي سبق أن أعلن عنه الوزير الإسباني المكلف بالعلاقات مع الاتحاد الأوروبي، خوان غونزاليس باربا، فضلا عن وزيرة الخارجية الإسبانية السابقة أرانشا غونزاليس لايا، في تصريحات لهما شهر يونيو الماضي.

فالإصلاحات وإعادة التأهيل التي يخضع لها المعبر قد تشكل خطوة عملية في هذا الاتجاه، ذلك أن إلغاء النظام الخاص، يعني فرض التأشيرة على كل من يدخل المدينة، بمن فيهم المغاربة من سكان المدن والبلدات المجاورة، مما يعني أتوماتيكيا، إلغاؤها فيما يخص التنقل من سبتة إلى المدن الإسبانية ودول “شنغن” بشكل عام، وهذا الأمر يفرض على إسبانيا تشديد عملية مراقبة الدخول إلى المدينة عبر معبر “تارخال”، على اعتبار أنه سيتحول، بموجب هذه الخطوة (ولو بحكم الواقع)، إلى أحد الحدود الخارجية لمنطقة “شنغن” التي يفرض نظامها قواعد وإجراءات صارمة فيما يخص مراقبة عملية الدخول عبر الحدود الخارجية، من فحص للهويات وسلامة الوثائق والحماية من مخاطر تسلل  المهاجرين غير الشرعيين والتهريب والجريمة المنظمة والإرهاب، وغيرها من الالتزامات.

وبما أن معبر “تارخال” في شكله القديم غير مؤهل للعب هذا الدور واستيفاء المعايير والشروط المطلوبة، وبما أن الإصلاحات التي يخضع لها تصب في اتجاه تحويله إلى معبر ذكي حديث على الطراز الأوروبي، فإنه ليس من المستبعد أن تكون لعملية الإصلاح هذه، علاقة بقرار إلغاء النظام الخاص والدمج الكلي للمدينة في إسبانيا ومنطقة “شنغن” والاتحاد الجمركي لدول الاتحاد الأوروبي، خاصة وأن هناك مجموعة من المؤشرات التي تعزز من هذه الفرضية، منها، التزامات إسبانيا بتحويل حدودها إلى حدود ذكية بموجب الضوابط الجديدة للاتحاد الأوروبي، والتي تفرض على حدود منطقة “شنغن”، خاصة الخارجية منها، ورغم أن مدينة سبتة تخضع لأحكام خاصة بموجب اتفاقية “شنغن”، غير أن عملية تحديث الحدود التي تقودها إسبانيا قد شملتها.

وهناك كذلك مسألة الضغط الذي تمارسه إسبانيا على الاتحاد الأوروبي من أجل الاعتراف بسبتة ومليلية المحتلتين كحدود خارجية له، والذي مكنها من انتزاع  قرار من البرلمان الأوروبي، شهر يونيو الماضي، يصب في هذا الاتجاه، وأيضا مسألة دراسة الحكومة الإسبانية لإمكانية الاستعانة بالوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل “فرونتكس”، لمساعدتها في حراسة حدود سبتة ومليلية، مع العلم أن هذه الوكالة تشكل أحد الآليات المؤسساتية المهمة التي تعتمد عليها منطقة “شنغن” في حراسة حدودها، لاسيما الخارجية منها، والتي تربط الدول الأعضاء في المنطقة مع الدول غير الأعضاء.

هذا بالإضافة إلى مؤشر آخر جد مهم، ويتعلق الأمر بشروط العمل الجديدة التي سيخضع لها معبر “تارخال” عند افتتاحه، والتي أعلن عنها وزير الداخلية الإسباني، فرناندو غراندي مارلاسكا في تصريح له لإذاعة “كادينا سير” الإسبانية، في شهر غشت الماضي، وهي قواعد عمل ستكون صارمة، حيث أنه لن يسمح بموجبها المرور من المعبر سوى للعاملين المغاربة في المدينة الحاملين لوثائق رسمية تثبت ذلك، وللسياح المغاربة المتوفرين على ضمانات مالية تتيح لهم الاستجمام والتبضع في سبتة، وهو ما يعني تضييق نطاق الدخول إلى المدينة بشكل تدريجي.

إذا أضفنا كل المؤشرات السابق ذكرها إلى التصريحات الإسبانية الرسمية التي أعلنت عن جدية إسبانيا فيما يخص دراسة خيار إلغاء النظام الخاص للمدينة تمهيدا لضمها بشكل كامل لمنطقة “شنغن” وللاتحاد الجمركي للدول الأوروبية، فإنه يمكن أن نستنتج أن الإصلاحات وعملية التأهيل الشاملين والتي يخضع لها المعبر، قد تشكل خطوة أولى في هذا الاتجاه، وصحيح أن الحكومة الإسبانية لم تتخذ لحد الآن أي قرار رسمي ونهائي فيما يخص إلغاء النظام الخاص، غير أن نوعية الإصلاحات وقواعد عمل المعبر الجديدة، تسير بحكم الأمر الواقع في اتجاه الإلغاء العملي والتدريجي له، أما مدى نجاحها في إقراره بشكل كامل ورسمي، فهو رهين بردود الفعل المغربية وبأوراق الضغط التي يمكن أن تستعملها المملكة لمنع إسبانيا من الذهاب بعيدا في سياسة الإدماج الكلي للمدينة في إسبانيا والاتحاد الأوروبي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى