روبورتاج

ربورتاج | القيمون الدينيون وأطر التعليم العتيق.. أجور هزيلة وتهميش مستمر

الملف الذي يهدد مستقبل الوزير أحمد التوفيق

يعيش الآلاف من القيمين الدينيين ظروفا اجتماعية صعبة منذ بداية جائحة “كورونا”، والتي زادت من تدهور ظروفهم المعيشية بعد قرار إغلاق الآلاف من المساجد من قبل وزارة الأوقاف، لأسباب صحية، مما وضعهم أمام إكراهات مادية، خاصة وأن الغالبية يحصلون على أجور هزيلة لا تكفي لمواجهة مصاريف وغلاء الأسعار.

منذ عدة سنوات، طالب المئات من القيميين الدينيين بتحسين أوضاعهم الاجتماعية والمهنية، والرفع من قيمة الأجور، خاصة الأئمة الحاصلون على شواهد جامعية وشواهد عليا، حتى تكون أجورا محترمة مثل أطر وموظفي بقية القطاعات الأخرى، لكن لا شيء تحقق رغم خروج القيمين الدينيين إلى الشارع للمطالبة بتحسين أوضاعهم، خاصة وأنهم لا يستفيدون من التغطية الصحية، ولا من تعويضات المرض والأعياد ومعرضون للعزل والطرد لسبب ما.

تتمة المقال بعد الإعلان

 

إعداد: خالد الغازي

تتمة المقال بعد الإعلان

    في سنة 1956، وجه العلامة المختار السوسي، نداء إلى الملك محمد الخامس، للتعريف بأوضاع القيميين الدينيين، جاء فيه: ((إنني أبسط لديكم أوضاع القيمين الدينيين بالمغرب، الجنود الساهرين على إمامة المغاربة، والحفاظ على أسس العرش والمذهبية والعقيدة، هؤلاء يعيشون على إحسان المغاربة ونذر قليل من مال الأوقاف الوفير، وعليه، أقترح مساواتهم بجنود القوات المسلحة الملكية الأشاوس في الأجر)).

وبعد مرور أزيد من 64 سنة على رسالة العلامة المختار السوسي، التي طالب فيها بتحسين أجور القيمين الدينيين، لا زالت هذه الفئة تعاني وتناضل من أجل الحصول على استقرار مادي ومهني من الوزارة، ورقم تأجير مثل سائر القطاعات الاجتماعية الأخرى، فمنذ عهد الاستقلال، لازالت أوضاع القيمين الدينيين غير مستقرة، ولا تحظى باعتراف رسمي وفق قانون ينظم هذه المهنة، ويمنح لأصحابها امتيازات.

أجوز هزيلة

    تعريف الإمام لدى وزارة الأوقاف والشؤون، هو الذي يتولى وظيفة الإمامة، بحيث تضع الوزارة على عاتقه الكثير من المسؤوليات والمهام، منها إمامة المصلين، والمساهمة في النشاط التعليمي بالمسجد، والمساعدة على الأعمال المرتبطة بالجنائز، والصلح بين الأفراد والجماعات، والحفاظ على النظام في المسجد، ورفع الأذان عند غياب المؤذن، والإشراف على باقي شؤون المسجد وتوجيه القائمين، والقيام بهذه الواجبات بشكل دائم ومستمر.

في هذا السياق، يقول إبراهيم، أحد القيمين الدينيين، أن “العديد من القيميين الدينيين لم يستفيدوا من المساعدة المقدمة من الوزارة الوصية، أي المعاونة المتعلقة بعيد الأضحى والتي لم يتوصل بها الأغلبية منهم، ولا يوجد أي استفسار في الموضوع أو جواب، بالنسبة للوزارة الوصية، أموال كثيرة تضيع في مسائل أخرى لا تخضع للمراقبة، بينما يلجأ القيمون الدينيون للقروض لشراء أضحية العيد أو ينتظرون مساعدة الوزارة الوصية، ويقعون في مشاكل مع الناس والكثير من القيمين الدينيين وقعت لهم مشاكل مادية”.

ويضيف أن العديد من القيمين الدينيين مثل المؤذنين، يتلقون 500 درهم فقط في الشهر، وهي أجرة هزيلة لا تكفي لسداد فاتورة الماء والكهرباء، ولديهم معاناة أخرى كثيرة، ولم يحصلوا على أي زيادة في هذه الأجرة البسيطة، بحيث تتراوح التعويضات بالنسبة لأغلبية الأئمة ما بين 1000 و1200 درهم، أما المؤذنين فيتقاضون ما بين 500 و1200 درهم.

وحسب إبراهيم، فإن هناك أئمة تحسنت أمورهم المادية بعدما وصلت أجورهم لـ 6 آلاف درهم، بعد قيام الوزارة بزيادة 1200 درهم على مدى أربع سنوات، حيث أن هذه الزيادة جاءت بفضل وقفات القيمين الدينيين أمام البرلمان واتصالهم بالبرلمانيين لطرح قضيتهم، مما دفع الوزارة إلى إعلان زيادة 300 درهم عن كل أربع سنوات للأئمة فقط، بينما تم استثناء فئة المؤذنين والمراقبين والمنظفين من هذه الزيادات.

 

المؤذن أقل درجة

    يعتبر المؤذن الحلقة الضعيفة داخل فئة القيمين الدينيين، ويظل، حسب العديد من المواطنين، الشخص الوحيد الذي يعاني في صمت، بسبب تعويض 500 درهم فقط، والظروف الصعبة وغياب التغطية الصحية، بحيث يتحول المؤذن إلى خادم للإمام داخل المسجد ويقوم بجميع الأدوار والمهام التي من المفروض على الإمام القيام بها، كما يجب عليه القدوم للمسجد مبكرا والاهتمام بالنظافة ومراقبة الأبواب والنوافذ والمصابيح.

يقول محمد، أستاذ بالتعليم العتيق، أن “المؤذنين والمنظفين يعانون ظروفا صعبة بسبب التعويض الهزيل، فالمؤذن ليس له وقت للذهاب لأي مكان وعليه التواجد باستمرار بالمسجد ومراقبته، وأن يكون حاضرا قبل الصلاة وبعدها، بينما الإمام هو الذي يحصل كل مساعدات أو مساهمات المحسنين والمواطنين”، مضيفا أن منظف المسجد أيضا يتقاضى 800 درهم في الشهر، بينما منظف الشركة الخاصة يتقاضى 1200 درهم ويأتي مرة في الأسبوع فقط.

ويؤكد محمد، أن “الأئمة والمؤذنين وأساتذة التعليم العتيق أيضا، ليست لهم أجور مناسبة مثل بقية القطاعات الأخرى، بحيث أن التعويضات التي يتقاضون من 500 درهم إلى 1500 درهم، لا تكفي لسد مصاريف البيت والأبناء، ومعرضون للطرد أو إنهاء العقد أو العمل”، مشيرا إلى أن “ظروف هذه الفئة تتطلب إحداث قانون ينظم العمل وسلم الأجور، سواء بالنسبة للقيمين الدينيين أو العاملين بالمدارس العتيقة”.

 

مطالب القيميين

    قرر القيمون الدينيون نهج طرق النضال للمطالبة بتسوية ملفهم المطلبي مع وزارة الأوقاف، والمتمثلة في مطالب اجتماعية ومهنية والاعتراف بالشهادات الحاصلين عليها.

ومن بين المطالب التي ينادي بها القيمون الدينيون، إقرار حقوق المشتغلين بالتعليم العتيق، عبر تمتيعهم بالتغطية الصحية، وكافة الحقوق المكفولة لرجال ونساء التعليم، بإقرار الأقدمية، وإلغاء تجديد التكليف، وإلغاء نظام التكليف المفتوح قانونا والتجاوز اجتماعيا، وتفعيل مذكرة الانتقال السلس وتسهيله، واستقرار المكافأة الشهرية والخدمات الاجتماعية لمؤسسة محمد السادس، واستمرار التغطية الصحية عندما يغادر القيم المسجد الذي كان يعمل في رحابه، ويكون في حالة بحث عن مسجد آخر، إلى جانب تصحيح الوضعية الاجتماعية والإدارية وصيغة تشغيل الأئمة والمؤذنين والخطباء وباقي القيمين الدينيين، وأطر التعليم العتيق، بما يكفل الاستقرار الوظيفي لهم، وتصحيح وضعية تشغيل الأئمة المجازين، بتوظيفهم في المساجد واعتماد معيار الأقدمية في تسوية وضعية كل قيمي المساجد المكلفين.

 

أبواب موصدة

    يشتكي العديد من القيمين الدينيين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من صعوبة الوصول إلى مقر وزارة الأوقاف الرئيسي بالعاصمة، لتقديم طلب أو رسالة أو شكاية أو مقابلة مسؤول، أو قضاء مصلحة معينة، إذ يصطدم كل زائر من جميع المدن، بصعوبة الوصول إلى إدارة الوزارة، بسبب الإجراءات الأمنية والإدارية المعقدة.

معاناة القيمين الدينيين وغيرهم من العاملين في قطاع الأوقاف، كبيرة، بسبب غياب تواصل مباشر معهم، مما يخلق صعوبات لأكثر من 80 ألف قيم ديني لمواكبة وتتبع ملفاتهم، سواء المتعلقة بالعمل أو ملفات أخرى.

يقول البقالي، موظف متقاعد، أن “وزارة الأوقاف مؤسسة قريبة من الشعب، لديها أكثر من ثمانين ألف قيم ديني ومن المفروض أن تكون أبوابها مشرعة على الجميع مثل كل الوزارات”، مضيفا أن “بعض المسؤولين بها يعتبرون أن بُعد الوزارة وصعوبة الوصول إليها من قبل القيمين الدينيين وغيرهم، هو امتياز وحل للتخلص من وجع الرأس”.

وأكد على أن الوزارة مطالبة بالتواصل مع المواطنين والقيمين الدينيين، عبر فتح مكتب للاتصال والاستقبال بإحدى البنايات في وسط العاصمة الرباط، متسائلا: كيف يمكن تقريب الإدارة من المواطن والحكامة في ظل غياب التواصل؟

الوزير التوفيق

 

ملايين تصرف بدون فائدة

    قامت وزارة الأوقاف في وقت سابق، بتعميم مشروع كبير كلف ملايين الدراهم، عبر تركيب آلاف أجهزة التلفاز والمستقبل الهوائي في المساجد، بهدف متابعة الدروس والبرامج الدينية في القناة “السادسة”، إلا أن المشروع فشل بعدما تم إيقاف تشغيل هذه الأجهزة الإلكترونية، أو إزالتها، لأنها لم تعد صالحة للتشغيل بعد إغلاق المساجد لفترة طويلة ومشكل الرطوبة.

وحسب مصادر مطلعة، فإن أموال كثيرة تصرف في مجالات عدة مثل شراء الزرابي و”طفايات الحريق”، والتعاقد مع شركات النظافة والبستنة، بينما يتم تهميش القيمين الدينيين، مما يتطلب إحداث وكالة متخصصة للإشراف على المساجد بالمملكة، ومراقبة الأموال التي تأتي من محلاتها أو التي تصرف عليها.

مطالب حاملي الشهادات

    تتعاقد الوزارة من خلال عقود مع الأئمة حاملي الشهادات الجامعية، والذين تشترط فيهم أن يكونوا حاصلين على شهادة الإجازة أو الإجازة في الدراسات الأساسية، وألا تقل ممارستهم للإمامة أو الخطابة عن 4 سنوات، وألا يتجاوز سنهم 50 سنة، بحيث تعتبر أن عملية التعاقد غير متساوية مع بقية القيمين الدينيين، إذ تم التعاقد مع 100 إمام ما بين سنة 2015 و2020.

ويطالب الأئمة حاملو الشهادات الجامعية، بالإنصاف وضرورة مطابقة الشهادات الجامعية، فضلا عن التجربة الميدانية والمزاولة بالأقدمية (4 إلى 20 سنة) بتزكيات من المجالس العلمية، خاصة وأن المزاولين خضعوا لتكوين تخصصي مستمر في إطار ميثاق العلماء لتأهيل أئمة المساجد.

وأكد الأئمة المجازون على تمسكهم بملفهم المطلبي، مع اللجوء إلى كافة الأحزاب السياسية والهيئات النقابية والحقوقية والإعلامية وشبكات المجتمع المدني، لأجل تسوية الوضعية، في ظل غياب جواب من قبل الوزارة الوصية التي تنهج سياسية الأبواب الموصدة.

معاناة أطر التعليم العتيق

    يعيش أطر وأساتذة التعليم العتيق، معاناة كثيرة رغم أن “التعليم العتيق هو من القطاعات التي لا تحظى باهتمام الرأي العام، رغم أنه له أهمية كبيرة في الحفاظ على ثوابت الأمة والأمن الروحي للمغاربة، وكذا للدور التاريخي الذي لعبه هذا التعليم في محطات أساسية من تاريخ المغرب عامة وتاريخ المدرسة المغربية خاصة”.

وقالت الصفحة الرسمية لأساتذة وأطر التعليم العتيق، أن “الوزارة الوصية أثناء تدبيرها للقطاع، أفرزت نمطين من العاملين، أطر إدارية أو تربوية تمارس مهاما إدارية أو مهام التدريس بقطاع التعليم العتيق (متفرغين)، وأطر إدارية أو تربوية من موظفين بقطاع التربية الوطنية أو ممن يمارسون مهاما دينية (غير المتفرغين)”.

وحسب إحصائيات سنة 2019-2020، فإن عدد الأطر الإدارية والتربوية يصل لـ 7150، منهم 4201 أستاذ وأستاذة، 985 إطارا إداريا، و1964 مستخدما، بحيث أن 59 بالمائة، أي 4219 شخصا من أطر التعليم العتيق يعملون في القطاع دون تغطية صحية أو تقاعد أو حد أدنى للأجور.

عزل الأئمة والخطباء

    أصدرت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، العديد من التوقيفات النهائية في حق العشرات من خطباء الجمعة والأئمة بالمساجد، لأسباب سياسية أو غيرها، مما دفع إلى طرح عدة تساؤلات من طرف الرأي العام، خاصة بعد عزل خطباء قضوا من 20 إلى 30 سنة في المنابر والوعظ والإرشاد.

وأوضح بيان للرابطة الوطنية لأسرة المساجد بالمغرب، أن وقفتها “جاءت لمناهضة ما يتعرض له الأئمة والخطباء من عقاب قاس، وعزل يتنافى مع دولة الحق والقانون، ومع المؤسسات والمبادئ الدستورية”، رافضة “أسلوب التخويف والترهيب” الذي يطال أسرة المساجد، ومؤكدة حرصها على الحوار بشكل حضاري لإيجاد حلول.

وشكلت قضية الإمام والخطيب سعيد أبو علي، قضية مهمة لدى الرأي العام، بعدما تم عزله من جميع مهامه الدينية وعمله كمدير لمدرسة “الرحمة” العتيقة، بعدما قضى فيها أزيد من 25 سنة، حيث طالبت الرابطة بإنهاء “قرارات الإعفاء الصادرة في حق القيمين الدينيين المكلفين غير المتورطين في جرائم وجنح، وإنما حصلت بأخطاء مهنية، تعالج بعقوبات تأديبية أخرى، كالإنذار والتوبيخ والاقتطاع من المكافأة الشهرية”.

في هذا السياق، أدانت الفيدرالية المغربية لحقوق الإنسان، ما أسمته “الاستهداف الممنهج للشأن الديني”، و”الحكم الغير مبرر والغير عادل الصادر في حق الإمام سعيد أبو علي”، معلنة تضامنها معه في محنته التي يمر منها.

ودعت الهيئة الحقوقية الجهات المعنية بالشأن الديني، إلى “توفير السيولة المالية الكافية لمن يؤدون مهمة التوعية الدينية للمواطنين، مع التوقف الكلي عن استهدافهم وترهيبهم وعدم السماح لهم بأداء مهمتهم على الشكل المطلوب”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى