الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | فوكار.. الوجه الجديد للاستعمار الفرنسي في شمال إفريقيا

بداية إبعاد أوفقير "الحلقة 14"

تنشر لأول مرة

قضية المهدي بنبركة بقيت سرّاً غامضاً رغم انقراض ما يقارب ستة عقود على اختفاء هذا السياسي الكبير، ولكن اختطاف بعض المسؤولين المباشرين، أسهم في إرسال بعض الأضواء على جوانب مظلمة، مما كشف عن نوعية أجواء(…) القضية التي بقيت ماثلة كالطود، من جيل الستينات إلى اليوم.

تتمة المقال بعد الإعلان

والسلسلة التي تنشرها لكم “الأسبوع” اليوم وبشكل حصري، مُستخرجة من أوراق تركها مؤسس جريدتنا مصطفى العلوي، في خزانته الغنية، وهو الذي عاش ما قبل الاختطاف، وعايش ظروفه، وتعايش مع الأحداث التي أحاطت به، وجمع على مدى 60 سنة، ما يكفي من البيانات والصور، والوثائق والمراجع، وهي الأوراق نفسها التي نقدمها لكم وللتاريخ، ضمن حلقات “الحقيقة الضائعة”.

بقلم: مصطفى العلوي

    إن تأكيد السفير المغربي في باريس، خلال مقابلته مع المهدي بنبركة على: ((إن الملك تعب من الوسطاء الذين يحرفون كل شيء))، لم يكن يقصد به – بدون شك – إلا سحب الثقة من أوفقير فيما يتعلق بالاتصالات مع الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وربما كان ملك المغرب يظهر جانبا من الاتصالات، ليخفي جانب الاتصال ببنبركة. فمثلا، أعلن في المغرب، غداة العفو الذي أصدره العاهل المغربي يوم 13 أبريل 1965، عن استقبال عبد الرحمان اليوسفي في الديوان الملكي من طرف مدير الديوان، إدريس المحمدي، كما أعلن رسميا ببلاغ يوم 20 ماي 1965، أن العاهل الحسن الثاني استقبل بالديوان الملكي، السادة عبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمان اليوسفي وحسن الأعرج (صفي الدين)، الثلاثة المسؤولون في غيبة المهدي بنبركة عن الحزب المعارض، ليؤكد لهم رغبته في إدماج جميع القوات الوطنية في حكومة لإنقاذ أوضاع البلاد، وعن المهدي بنبركة يروي عبد الرحيم بوعبيد: إن عبد الرحمان اليوسفي أثار الموضوع، فرد عليه الملك بقوله: ((إنني لا أنسى أن المهدي بنبركة لم يكن فقط أستاذي للرياضيات، فإن له أيادي علي في التكوين السياسي)). أوفقير إذن، كان يتتبع هاته الجزئيات بغضب شديد، كانت الصحف وقتها تتحدث عنه دون أن تعرف السبب، ولكن أوفقير ولا شك، كان بعيدا عن اتصالات السفير المغربي بباريس، وليس سفر المبعوث الملكي عند المهدي بنبركة، إلى فرانكفورت، عبر ميلانو، إلا تفاديا لاهتمام أوفقير بتلك الاتصالات لولا أن رجوع عبد القادر بنبركة إلى المغرب أثار شكوك أوفقير، خصوصا عندما بدأ هذا الأخير يبحث عن سكن للمهدي بنبركة.

تتمة المقال بعد الإعلان

وكان رجوع عبد القادر بنبركة للمغرب، القطرة التي أفاضت الوعاء، وكان في نفس الوقت العنصر الذي حرك شكوك أوفقير، وأكد بما لا يدع مجالا للشك، أنه لم يكن على علم بالاتصالات التي جرت في فرانكفورت، لذلك صدرت الأوامر إلى مصالح الأمن، وهي تابعة للداخلية، لتعقب عبد القادر بنبركة ومعرفة الأسباب التي جاء من أجلها للمغرب، وأخيرا، يروي عبد القادر بنبركة في كتابه كيف دخل مع رجال الشرطة في دوامة من المغامرات، بدأت باعتقاله بتهمة السرعة في السير بالسيارة، ثم متابعته بتهمة إساءة الأدب على شرطي، ثم الزج به في سجن الرباط، ولم يفلت من هذه الدوامة إلا بتدخل صديقه الأمير مولاي علي، الذي فهم بدون شك، أن هناك من يعارضون رجوع المهدي بنبركة للمغرب، ومن يريدون أن تبقى الأمور على ما هي عليه، لذلك، يقول عبد القادر بنبركة: ((نصحني السفير مولاي علي أن أغادر المغرب)).

دولة إذن، كانت داخل الدولة، ومخطط الملك الحسن الثاني لم يكن متطابقا ومخططات الآخرين، الشيء الذي لم يقبله عقل المهدي بنبركة نفسه، فعندما أخبره أخوه عبد القادر، في جنيف، بهذه التطورات، وبنصيحة السفير، قال المهدي: ((أرجوك، لا تحك لي خرافات))، طبعا، إن ما حصل ليس إلا نوعا من خرافات وأساطير الأولين، ولكن لو عاش المهدي سبع سنوات بعد هذه الحادثة، لفهم السر، ولكان قد رجع إلى بلده معززا مكرما، مثلما رجع إليه أخوه عبد القادر.

صادق المهدي بنبركة على اتفاقيته مع سفير المغرب في باريس، خصوصا بعد أن حقق العاهل المغربي بإعلان حالة الاستثناء، إحدى مطالب المهدي في تلك الاتفاقية، بأن توقف عن كل التصريحات المناوئة للمغرب، بل أنه في التقرير الذي حضره كأمين للتنسيق في منظمة تضامن الشعوب الإفريقية والآسيوية، ليعرض على رئيس المنظمة أحمد بنبلة، الذي كان رئيسا للجهورية الجزائرية قبل 19 يونيو، لم يشر إلى المشاكل الداخلية للمغرب إطلاقا، ولكنه، وبدون أن يعرف، خرج في تقريره باستنتاج يحلل ظروفا فرنسية تشبه إلى حد بعيد الظروف التي كانت تحيط برجوعه إلى المغرب. يقول المهدي بنبركة في تقريره، الذي لم يرفع للرئيس بنبلة إثر انقلاب 19 يونيو: ((إن السياسة الفرنسية تسير في خطين متوازيين:

أولا: الخط الديغولي التقليدي الذي يريد أن يظهر فرنسا بمظهر الراغب في تحرير الشعوب، مع المحافظة على روابط التعاون وانتقاد سياسة العدوان والتدخل الأمريكية.

ثانيا: خط فوكار، الذي يعمل على الاحتفاظ بسيطرة المخابرات الفرنسية على تسيير شؤون الدول الإفريقية، مع الاحتياط من عدوى الروح الثورية التي تمثلها الجزائر)).

فمن هو فوكار هذا الذي يتحدث عنه المهدي بنبركة، ويوجه إليه أصبع الاتهام؟

إن فوكار هو الصديق الحميم لوزير الداخلية المغربي أوفقير، وفي مراكش، ذات يوم من شهر غشت 1965، اجتمع الصديقان أوفقير وفوكار، ليرسما الخطوط العريضة لتنفيذ مخطط أشار المهدي بنبركة إلى فلسفته، فأثار سخط “الفوكارين”، وبدأ التخطيط لإزاحة المهدي بنبركة من طريق مخطط فوكار في إفريقيا، ومن طريق مخطط أوفقير في المغرب. كان اختيار المهدي بنبركة لفوكار كمجسم للمخطط الإمبريالي الفرنسي اختيارا موفقا، ففي هذا الشخص، كانت تتجسم قوة المخابرات الفرنسية، والأجهزة التي سبق الحديث عنها في الفصل السابق كلها من تخطيط هذا الضابط في المخابرات، الذي كلف بالمهام القذرة أثناء الحرب العالمية، وأهله ماضيه المشحون ودمويته النموذجية، ليصبح الرجل المختار من طرف الجنرال دوغول بعد الحرب، وأثناء تصفية مخلفات الحرب، وقبيل اندلاع حركة التمرد العسكري ضد دوغول في الجزائر وبعدها، ثم عندما أصبح دوغول رئيسا للدولة، ليتقلد مهام الجاسوسية والمخابرات وإدارة الشؤون الإفريقية والملغاشية، ومسؤولا عن المستعمرات، ومخططا لاستمرار الوجود الاستعماري في الدول الإفريقية بعد استقلالها، وعندما شخص فيه المهدي بنبركة، “دور المخابرات والمناورات الفرنسية في إفريقيا”، كان فوكار، إضافة إلى المسؤوليات التي عددتها، كاتبا عاما لرئاسة الجمهورية الفرنسية. لقد رماه بنبركة صراحة بتهمة التآمر على القوات الحية في إفريقيا، فرمى فوكار ببنبركة في أتون الجحيم الاستخباري، وأكثر من ذلك الارتباط الوطيد بين فوكار وقضية بنبركة، حيث اتفقت كل الصحف والمؤلفات ومحاضر المحامين والمحاكمات على جملة طبقت الآفاق، ملخصها “فوكار مصدر الرائحة”، فإن هناك ما هو أبعد مغزى وأجلى وضوحا، وفي مارس 1969، جاء مبعوث من لجنة فرنسية للبحث في قضية بنبركة بالوسائل الأدبية واسمه دانييل كيران، وهو مؤلف وعضو في لجنة البحث عن بنبركة، وتقابل مع أوفقير رأسا لرأس، وبعيدا عن الضغوط، وبصراحة متناهية، سأل كيران: أين هي الحقيقة؟.. فأجابه أوفقير: ((الحقيقة اسأل عنها فوكار)).

كان فوكار فعلا وكما ذكر المهدي بنبركة في تقريره، هو الجهاز، هو الهيكل، هو الوجه الجديد في إفريقيا للاستعمار، ومن منطلق نفوذه، كان يمارس سياسة فوق دوغول نفسه، فهو أستاذ المخابرات المبرز، تطلبت منه ممارساته الجاسوسية أن يغير اسمه عدة مرات، فمن اسم “كوخ” إلى اسم “أندري دوارفان” ترتعش لذكره أسماء فرنسا الكبرى، مثلما يهابه دوغول ووزراؤه، بعد أن كان مجرد رجل المهام السرية أثناء الاحتلال النازي لفرنسا، والمخطط لمجازر الجزائر، وقبل أن يتكلف بقضية بنبركة، لعب الدور الأساسي في خلط الأوراق بالكونغو واختطاف لومومبا، ولن نجد تلخيصا أبلغ مما قدمه الكاتب الفرنسي دانييل كيران في كتابه عن بنبركة، حين أوجز بالكثير من الإتقان، نبذة حياة فوكار بهذه العبارات: ((فوكار، هو النتاج الطبيعي لاندلاع التعاون، وعندما يصرح بتقديس مبدإ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الإفريقية المستقلة، فإنه يقدم الدعم للأنظمة وللشخصيات السياسية الأكثر رجعية، ويشتري المواقف بالملايين، ويتدخل في أجهزة الجيش والأمن، ولا يتأخر عن التدخل في توجيه التغييرات الوزارية، وإبعاد الحكومات التقدمية، وتشجيع الانقلابات، وممارسة الاعتداءات المسلحة والاغتيالات ضد السياسيين غير المرغوب فيهم، وتهريب رؤساء الدول المعتقلين إثر الانقلابات، بل والتدخل بواسطة رجال المظلات والمرتزقة)).

فوكار هذا، كان صديقا حميما لأوفقير، وكانت تجمعهما علاقات التعاون في مجالات كبرى، سواء على الصعيد المغربي أو الإفريقي، وإن كان فوكار يعرف خبايا المغرب أكثر من أوفقير، وهذا ما لا شك فيه، فقد كان المغرب داخلا في نفوذ فوكار منذ الحرب العالمية الثانية. فقد كان اختياره للمحافظة على الاتصال بأوفقير، متمثلا في ضابط اتصال كان مشهورا في الرباط، عاصمة المغرب، أكثر من أي أجنبي آخر، إذ كان يحضر الحفلات ويعقد الصفقات، وكثيرا ما أسهم في مواقف مغربية داخلية بحتة، وكان اسمه “أندري كيلفي”، ضابط سابق في الجيش الفرنسي، صديق حميم لفوكار، ورجل أعماله، دخل في خدمة المخابرات الفرنسية سنة 1943 بالجزائر، وفي الفيتنام، تعرف أثناء الحرب على أوفقير، فكان الاتصال، وبعد الحرب جاء كيلفي إلى المغرب حيث استقر بطنجة، وأصبح أحد الأغنياء الذين يتوفرون على طائرة خاصة، وعلى بواخر للصيد، وهي كلها وسائل كانت تستعمل قبل استقلال المغرب للتجسس على الوطنيين المغاربة، وبعد استقلال المغرب، للتجسس والتدخل في حرب الجزائر، ولكن التزامه بالمخابرات الفرنسية، وبخدمة فوكار جعله ينحاز لجانب الديغوليين ويسهم في تصفية عصابات “الأواييس” رغم أنه كان عضوا في عصابة “اليد الحمراء” قبل استقلال المغرب، وقد تحول في أحداث الطلبة الفرنسيين، في مايو 1958، إلى مجرد ربان لطائرة كان يتنقل بها فوكار بين فرنسا وكورسيكا، ليتفرغ فيما بعد لمهمته بالمغرب، بجانب أوفقير.

وعن طريق مراكب الصيد، حصل له أوفقير على ترخيصات كبرى لدى الحكومة الموريطانية للصيد في شواطئ موريطانيا، حيث فتح مكتبا في نواذيبو، وكان أوفقير يتردد عليه كثيرا هناك، إلى أن حصلت المعجزة، وأصبح كيلفي مستشارا خاصا للرئيس الموريطاني، المختار ولد دادة.

وأثناء فترة اختطاف بنبركة، كان كيلفي متخذا من نزل “هيلتون” بالرباط مقرا له، حيث يتذكر كل زبناء هذا الأوتيل، ذلك الزبون الذي كان يصل بطائرته الخاصة حتى إلى باب صالون “الهيلتون”، حينما كان مطار صغير يتواجد حول نزل “الهيلتون” بالرباط، وكانت الطائرة الحمراء الخاصة بكيلفي لا تعرف شروط الجمرك ولا المراقبة، بل كان أوفقير يتدرب عليها لقيادة الطائرة.

وأهم عنصر في شخصية كيلفي، هو أنه كان عنصر فوكار في المغرب، كان يعايش أحداث المغرب بمنتهى الجلاء والوضوح، ومن يدري، ربما كان يحضر اجتماعات أوفقير، ويسهم في اتخاذ القرارات، لكن كيلفي هذا، لم يكن في الواقع إلا ثاني شخصية في اهتمامات فوكار بالمغرب، بعد الشخصية الأساسية التي كانت في باريس تمارس المهام المباشرة بجانب فوكار، وهي شخصية المحامي “لومارشان”، الرجل الذي تسلم شخصيا قضية بنبركة، وقام فيها بالدور الأساسي.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى