للنقاش

للنقاش | كيف تسببت هشاشة التواصل في انهيار حزب العدالة والتنمية

سألني صديق عن أسباب تراجع وتدحرج نتائج حزب العدالة والتنمية في الاستحقاقات الانتخابية ليوم الأربعاء 8 شتنبر 2021، قائلا: أنتم مهتمون، إن لم أقل باحثون في مجال التواصل السياسي وسوسيولوجيا الانتخابات، في نظركم هل لآليات واستراتيجيات التواصل السياسي لحزب العدالة والتنمية يد في انطفاء شعلة “المصباح”؟

لذلك، عمدت إلى كتابة هذه السطور، محاولا توضيح وتبيان مدى أهمية فعل التواصل السياسي عموما والتواصل الحزبي خصوصا، في إنجاح عمليات حشد التأييد للمشاريع السياسية الحزبية، الموجهة للعموم، في إطار تدبير الشأن العام. وبالفعل، قلما نجد من بين مختلف الأحزاب السياسية من يحسن استثمار الآليات والاستراتيجيات التواصلية أثناء قيادة حملاته الانتخابية، أو في بناء دعاياته السياسية، أو عند تسويق برامجه الانتخابية على الوجه الأكمل.

تتمة المقال بعد الإعلان

وجدير بالذكر اعتبار أن الحلقة المفقودة في توجيه بوصلة المصباح قبل نتائج يوم الاقتراع، في إطار التنافس لنيل أغلبية مقاعد انتخابات أعضاء مجلس النواب والمجالس الجهوية والجماعية، هي حلقة التواصل الفعال الذي أدى سوء استثماره – في التنافس الانتخابي – إلى وقوع “زلزال” ضرب بعرض الحائط كل أمنيات مناضلي الحزب الإسلامي، كما خيب آمال وانتظارات زعمائه وقادته في الظفر بولاية حكومية ثالثة في ظل دستور 2011.. إنه تراجع في المكتسبات السابقة للحزب في مجال الرأسمال التواصلي، مما قاده إلى فقدان التحكم في توجيه بوصلة “المصباح” التائهة بين الأنصار والمنافسين، لتنطفئ فجأة، معلنة انتكاسة كبرى في علاقة الحزب بقواعده وقياداته، وفي علاقته بمختلف أبناء الشعب المغربي.

 

تتمة المقال بعد الإعلان

بقلم: د. عبد الرحيم خالص

أستاذ باحث في القانون العام

جامعة ابن زهر أكادير

    إن التواصل الحزبي خاصة والسياسي عامة، ليُعد النواة الصلبة التي ينبغي على كل الأحزاب السياسية المغربية أن تحافظ عليها بغية ربط هياكلها وأجهزتها وقواعدها بالمجتمع والدولة، فلا سياسة فاعلة ومنتظمة حزبيا يمكنها أن تتحقق دون وجود آليات وأدوات واستراتيجيات تواصلية فعالة مؤسساتيا وميدانيا. فالمرشح الحزبي أو المناضل السياسي، الذي يترشح لنيل ثقة المواطنين بهدف تدبير شؤونهم العامة، يستوجب نجاحه الاعتماد على تواصل ميداني مع المجتمع، بل يجب عليه النزول إلى أرض الواقع بغية الإنصات والاستماع لحاجيات ومطالب المواطنات والمواطنين، والتقرب منهم للعب دور الوسيط الذي يحمل همومهم إلى مواقع السلطة والقرار السياسي الذي سيفصل فيها.

تبعا لذلك، اعتبرنا التواصل تلك الحلقة المفقودة في علاقة الناخب بالمنتخب، وفي علاقة الأحزاب السياسية بقواعدها الشعبية، وفي علاقة المؤسسات المنتخبة بالمواطنات والمواطنين المغاربة.. فهل حققت انتخابات 2021 رهانات تكسير الحلقة المفقودة وبناء تواصل فاعل وفعال باستراتيجيات شفافة ومعقولة تقرب العلاقة ما بين الناخبين والمنتخبين؟ هل تحقق التواصل الفاعل والفعال للأحزاب التي حققت تقدما كبيرا في المراتب والنتائج مقارنة بالاستحقاقات التشريعية القبلية؟ وهل لعب غياب التواصل في إطار الحلقة المفقودة بين الشعب وحزب العدالة والتنمية، دورا بارزا في السقوط المدوي في النتائج والمراتب؟

ما معنى ذلك؟ وكيف تم ذلك؟ لنجد الحزب، بين ليلة وضحاها، يقبع في الصفوف الأخيرة من الترتيب العام والنهائي لنتائج انتخابات أعضاء مجلس النواب بـ 13 مقعدا من مقاعد البرلمان التي تصل إلى 395 مقعدا نيابيا، مع العلم أنه الحاصل على المرتبة الأولى في انتخابات 2011 وكذا في انتخابات 2016 التي حصد فيها 125 مقعدا! فما الذي وقع بالفعل ليحتل المرتبة الثامنة دون أن يتبوأ الثالثة أو الثانية على الأقل؟ وما السبب وراء ذلك الانهزام المدوي فجأة ومن دون سابق إنذار؟ وما دور الحلقة المفقودة من التواصل الفاعل والفعال بين الحزب وقواعده وكافة أبناء الشعب، في التدحرج والاندحار الذي يعيشه “البيجيدي”؟

تجدر الإشارة إلى أن حزب العدالة والتنمية كان سابقا، في الولايتين الحكوميتين السالفتين (2011-2016 و2016-2021)، يعرف بالتواصل الكبير والعميق والفعال والمنتظم وفق استراتيجيات فاعلة، وقد تجلى ذلك في مختلف تحركاته وخطاباته وعلاقاته وحملاته الانتخابية النظيفة، في حين نجده غائبا، وبشكل ملفت للانتباه، في استحقاقات 2021 بكافة انتخاباتها الثلاث: التشريعية والجهوية والجماعية، الأمر الذي ساهم مباشرة في تراجع دور ومكانة الحزب اجتماعيا ومجتمعيا، وتأرجح نتائجه وصورته سياسيا ومؤسساتيا.. فما الذي وقع للتواصل الحزبي والدعاية السياسية في إطار الحملات الانتخابية للعدالة والتنمية قبل موقعة 8 شتنبر 2021 الانتخابية؟

بعدما كان حزب العدالة والتنمية، الحزب السياسي الوحيد، تقريبا، الذي يعتمد على قوافل التواصل التي تجول وتصول في مختلف الدوائر الانتخابية والجماعات الترابية بالمغرب، فضلا عن مكاتب التواصل التي يفتحها العديد من الممثلين والمنتخبين في الدوائر أو الجماعات التي يسيرونها، أضحوا اليوم – أفرادا وجماعات – بلا قنوات أو استراتيجيات تواصلية فعالة أو منتظمة أو مباشرة مع الشعب، بالرغم من اعتمادهم على بعض قنوات التواصل الاجتماعي التي تظل في جميع الأحوال محدودة التأثير (لا تسمن ولا تغني من جوع).

أما “ما قبل الكارثة”، وبالضبط في فترة الحملات الانتخابية، فنجد الحزب وأغلبية مرشحيه، يعتمدون على الحملات الشكلية، التي تنظم بقناعة مسبقة، مفادها أن الشعب في صفهم ولن يصوت إلا لفائدتهم وبأكثر من مليون وستمائة صوت التي انتشوا بها في تشريعيات 2016، وهو الاعتقاد الخاطئ الذي ساهم في تكريس نوع من التراخي لدى المناضلين والقواعد على حد سواء، الأمر الذي كون لديهم شعورا أسقطهم – بوعي أو بدون وعي – في نوع من “الغرور السياسي” الذي قادهم إلى “الهاوية الانتخابية” بـ 13 مقعدا فقط (مع العلم أن الثلثين منهم تقريبا سيلج قبة البرلمان لأول مرة).

لقد كان بإمكان الحزب شحذ الهمم وحشد التأييد بمنطق الظرفية الاستثنائية التي يعيشها المغرب وبقية العالم، والتركيز على القنوات التواصلية والاستراتيجيات الممكنة للدخول إلى كل البيوت المغربية، عن طريق مناضليهم ومنخرطيهم وأنصارهم ومؤيديهم والمتعاطفين معهم، بمنطق الحجج والدلائل لا بمنطق المظلومية والعاطفة الروحانية.

فهل استنفذ “البيجيدي” كل أدواته وآلياته وقدراته وبدائله في التواصل الفعال والاستراتيجي مع المواطنين؟

ربما استنفذ الحزب بعض آلياته الحزبية التي فقدت بريقها في الدعاية لمشروعه الانتخابي، والتي لم تتمكن من مجاراة الآليات والطرق والبدائل الجديدة التي اعتمدها الكثير من منافسيه لاستمالة أصوات الناخبين لصالحهم، بل لقد بدل البعض من مناضلي الحزب استراتيجياته في التعامل مع الشعب، من منطلق أقل ما يمكن أن نقول عنه، أنه شبه “تحايلي”، ونستند في ذلك، إلى من بدلوا وجهتهم الحزبية في اتجاه حزب جديد ليترشحوا بلونه واسمه، فضلا عمن بدلوا الدائرة الانتخابية التي ترشحوا وفازوا بمقعد انتخابي باسمها في الولاية السابقة، وعلى رأسهم الأمين العام للحزب، سعد الدين العثماني.. فهل هكذا يكون التواصل الفعال الذي يحترم الناخبين؟

بالرغم من ظلال الجائحة التي قوضت حركة جميع الأحزاب على السواء، اللهم من استطاع الإبداع والتفوق في إيجاد البدائل، من أجل تواصل فعال ومستمر مع الساكنة، فإن البعض من الأحزاب لم تقف مكتوفة الأيدي، بل سارعت إلى إبداع الأفكار التواصلية والقيام بزيارة “100 مدينة في 100 يوم” مثلما أبدع حزب التجمع الوطني للأحرار (بالرغم مما يقال عنه كحزب إداري أو يروج عن سلوكه السياسي أو غير ذلك)، وهو المنافس الكبير والفائز بقيادة الحكومة لولاية 2021-2026 في ظل دستور 2011.

وإذا عدنا إلى العديد من الحملات التي نظم قوافلها زعماء حزب العدالة والتنمية، نجدها، وبالملموس، تشهد على فشل الحزب في إبداع آليات جديدة للتواصل، فمثلا، فشل العثماني في الحفاظ على التباعد في تجمعاته التي يقودها للدعاية لمشروع الحزب في دائرة المحيط بالرباط، حينما توجه إليه أحد رجال السلطة المحلية وطالبه بتفريق الجموع، لعدم احترامه لشروط التباعد والإجراءات البروتكولية الواجب اعتمادها أثناء الحملات الانتخابية، بالإضافة إلى العديد من القادة الآخرين الذين تم “طردهم” من بعض الأماكن أثناء القيام بحملاتهم الانتخابية لصالحهم ولصالح “المشروع الجديد” للحزب، والذي لم يكن سوى تعديل وإعادة تركيب لأهم الأفكار التي جاءت بها البرامج الانتخابية السابقة للحزب.

عموما، يمكن القول بأن هزيمة حزب العدالة والتنمية في الاستحقاقات التشريعية الأخيرة، تعود إلى معطيات وعناصر داخلية أكثر مما هي خارجية أو دولية، بل إنها تتعلق أساسا، وبشكل دقيق، بضرورة إعادة ترتيب “البيت الداخلي” للحزب، والعلاقة القائمة بين زعاماته، وبين مناضليه وأنصاره، بغض النظر عن المتعاطفين أو المؤيدين لسياساته وبرامجه، فأن ينهزم حزب من الأحزاب الكبيرة، والذي قاد تجربتين متتابعتين حكوميا وبفارق أصوات محترمة جدا عن خصومه السياسيين، ثم يُقزّم حجمه بين ليلة وضحاها، فذلك أمر يصعب تقبله منطقيا وفهمه حسابيا، ولكن إعادة النظر في المسار ككل، وبعين ناقدة، سوف يمكنهم من استبصار الطريق الصحيح الذي قد يمكنهم من العودة عاجلا أو آجلا.

إن تقديم الاستقالة الجماعية لأعضاء المجلس الوطني بزعامة رئيس الحزب، العثماني، يمكن اعتباره في إطار رد فعل أولي عن الهزيمة، خطوة حكيمة في طريق النقد الذاتي، الذي سيمكنهم من إعادة قراءة المرحلة التي حكموا فيها برمتها، قبل تقييمها واتخاذ المبادرة للإصلاح والتغيير فيها، بمنطق التواصل السياسي والحزبي المبني على استراتيجيات استشرافية للمستقبل السياسي للحزب.

وعليه، فإن أكثر ما يمكن أن “ننصح” به – كباحث – الحزب حاليا، وكل الأعضاء والمنتسبين والمناضلين في العدالة والتنمية، هو الحذر ثم الحذر للمرة الثانية من التداعيات النفسية والاجتماعية التي يمكن أن تؤثر على أعضاء الحزب بشكل سلبي إلى حد الاستسلام والانسحاب من السياسة عامة.

نعم، يمكن لبعضهم التقاعد سياسيا ووضع تجربته وخبراته رهن إشارة أبناء الحزب وهياكله، لكن من دون الاستسلام للموت السياسي البطيء، ثم أيضا، الحذر والحذر ثم الحذر للمرة الثالثة من الانشقاقات الحزبية التي ستضعف لا محالة قوة تكتل الإرادات والزعامات في الحزب قبل النيل من ثبات القواعد والقيادات على أرض الواقع.

ختاما، يمكن القول بأن ضعف وهشاشة الآليات المستعملة في مجال التواصل السياسي للعدالة والتنمية أثناء الحملات الانتخابية وقبلها، سواء مع القواعد أو مع بقية الشعب، هي التي ساهمت بشكل كبير في فقدان الحزب لبوصلة النجاح في انتخابات الثامن من شتنبر، الأمر الذي أدى إلى خفوت ضوء “المصباح” وانطفاء شعلة النجاح فجأة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى