للنقاش

للنقاش | عودة الانقلابات إلى إفريقيا

تدهور الوضع السياسي في القارة السمراء

خلصت دراسة أجراها معهد الأبحاث الدولية التابع لجامعة “هيدلبير” الألمانية إلى التأكيد على تراجع معدلات الانقلابات العسكرية في العالم، في الفترة من سنة 1960 إلى 1985، من متوسط قدره 20 انقلابا كل عام إلى أقل من خمس انقلابات فقط في المتوسط منذ الألفية الثالثة.

بقلم: عبد الله النملي

تتمة المقال بعد الإعلان

 كاتب وباحث

    تتصدر قارة إفريقيا قارات العالم في أعداد الانقلابات العسكرية.. فحتى الألفية الثالثة، شهدت القارة السمراء ما يقرب من 38 انقلابا عسكريا، حيث تعرضت نحو 20 دولة لأكثر من انقلاب عسكري، بلغ في بعضها ست انقلابات عسكرية. وتراجعت موجة الانقلابات العسكرية في القارة السمراء منذ منتصف الثمانينات، مع اتجاه الدول الإفريقية إلى تبني التعددية السياسية.

تتمة المقال بعد الإعلان

وقد حدّت مواقف القادة الأفارقة بشكل كبير من تعرض الدول الإفريقية لظاهرة الانقلابات العسكرية. ففي سنة 1980، كان العسكريون يحكمون 43 دولة إفريقية، لكن العدد تقلص إلى تسع دول فقط عام 2001، بعد تعهد رؤساء الدول الإفريقية في القمة الإفريقية التي استضافتها الجزائر في يوليوز 1999، بعدم الاعتراف بالسلطة العسكرية الناتجة عن الانقلابات، وعلى الرغم من الرفض التام لوصول العسكر للسلطة عبر الانقلابات العسكرية، إلا أن 18 رئيس دولة من قادة الدول الإفريقية الحاليين، ينتمون إلى جيوش بلدانهم، أو حركات التمرد المسلحة التي ساعدتهم في الوصول للحكم، وكان الرئيس الليبي معمر القذافي أقدم العسكر الذين حكموا ليبيا، بعد أن أطاح في عام 1969 بعرش الملك إدريس السنوسي.

إلا أن العقد الأخير عرف عودة الانقلابات العسكرية في عدد من الدول الإفريقية، كان آخرها الانقلاب العسكري في دولة غينيا في أعقاب قيام عناصر قوات المهام الخاصة بالجيش، في 5 شتنبر الجاري، بإلقاء القبض على الرئيس ألفا كوندي، وإعلان تعطيل العمل بالدستور وحل مؤسسات الدولة، وبذلك تكون غينيا هي المحاولة الانقلابية الرابعة التي يشهدها غرب القارة منذ غشت 2020، إذ كانت هناك عمليات أخرى استولى فيها العسكريون على السلطة في مالي وتشاد، ومحاولة فاشلة في النيجر، وبعد مرور عام، لا يزال العسكريون في مالي يتولون زمام الأمور، رغم تعهدهم بإعادة السلطة إلى المدنيين، مما يلقي بظلال من الشك في نواياهم الحقيقية، أما في تشاد، فبعد مقتل المارشال إدريس ديبي في 20 أبريل، أعلن مجلس عسكري بقيادة نجله، عن تولي السلطة على حساب رئيس البرلمان المؤقت، حتى إجراء انتخابات في البلاد، وسرعان ما أيدت فرنسا، الشريك الرئيسي لتشاد، التحول العسكري ولم تعتبره انقلابا، في مالي كما في تشاد، تم تعليق الدستور في البلدين لصالح “مواثيق انتقالية”، ويتولى الرئاسة اليوم ضابطان من القوات الخاصة، هما العقيد عاصمي غويتا في باماكو، والجنرال محمد إدريس ديبي في نجامينا.

لا تمر سنة دون انقلاب في إفريقيا، ذلك هو النمط المعهود والمتكرر، وكأن الجميع يقرأ من الكتاب المرجعي نفسه الذي يبين كيفية الاستيلاء على السلطة كرها في الواقع الإفريقي بالغ التعقيد، حيث تمتلك إفريقيا سجلا حافلا بالانقلابات العسكرية.. فقد شهدت القارة خلال 50 عاما الماضية، عشرات الانقلابات، نجح بعضها وفشل البعض الآخر، بعضها استهدف نظما منتخبة ديمقراطية، وبعضها ضد عسكريين، فمنذ تأسيس الجمهوريات الإفريقية، واستقلالها عن المستعمرات الأوربية، في خمسينيات القرن الماضي، شهدت هذه البلدان، أكثر من 201 انقلاب، نجح ما يقارب نصفها وفشل الباقي، ولسنوات ظل معدل الانقلابات في إفريقيا 4 على الأقل كل سنة، وانخفض عام 2019، ليقتصر على محاولتين فقط، دون أن يذاع البيان رقم 1، المؤذن بتغيير الحكم بالقوة عادة، وتشير تقديرات غير رسمية، إلى وجود ما لا يقل عن 100 انقلاب ناجح في إفريقيا في العقود الأربعة الماضية، فضلا عن أن القارة لم تغادر دوامة الانقلابات بعد مرور ستة عقود على استقلالها، مما يطرح دوما التساؤل حول أسباب تكرار الظاهرة وتأثيرها على استقرار دول المنطقة الهش؟

تتوفر القارة الإفريقية على موارد طبيعية ضخمة يشكل معظمها عنصرا أساسيا في العديد من الصناعات الثقيلة في أوروبا والصين والولايات المتحدة وآسيا، إلا أن سكان معظم القارة لا ينعمون بأي نوع من الاستقرار الأمني أو السياسي أو الاقتصادي، إذ يعيش أكثر من 55 في المائة من السكان تحت عتبة الفقر، كما شهدت دول مثل السودان وسيراليون وليبيريا ورواندا ومالي، حروبا ونزاعات أهلية استمرت عشرات السنوات، وراح ضحيتها أكثر من 13 مليون قتيل وشرد بسببها نحو 33 مليونا.

ووفقا لخبراء في الشأن الإفريقي، فإن ضعف الاقتصادات الإفريقية والبيئة الأمنية المضطربة، إضافة إلى عدم احترام المواثيق الديمقراطية ولجوء العديد من الحكام المدنيين إلى تمديد فترات حكمهم، جميعها عوامل تثير الغضب الشعبي وتهيئ بيئة الانقلابات العسكرية التي لا تزيد الوضع إلا تعقيدا.

على اليمين « دومبويا » قائد انقلاب غينيا

ومن يتتبع الانقلابات الحديثة، يتضح له اختلافها عن الانقلابات التقليدية القديمة، ففي السابق، كان الطموح في الحكم والجاه وربما الثروة، هما ما يقود العسكر إلى الانقلاب، على عكس ما يقع حديثا، حيث تُقدم الجيوش نفسها على أنها رائدة الإصلاح والحريصة على السيادة الوطنية والأمينة على الشعوب ومقدراتها، والحامية لحدودها، مما يُطرب قطاعات واسعة من الإفريقيين الباحثين عن الأمن والاستقرار، ولعل العامل الخارجي يلعب أيضا دورا مهما في توجه الجيوش الإفريقية الجديد، مما يشجعها على القيام بالانقلابات لأسباب لا علاقة لواقع الشعوب بها على مستوى الشعارات والهتافات،  يرى خبراء، أن الانقلابات هي “اشتباك مصالح القوى الكبرى” بدول بعينها، وأن هذا العامل هو المحرك الأساسي للانقلابات العسكرية بدول القارة السمراء، معتبرين أن الانقلابات مرحلة جديدة من تسارع وتيرة الصراعات الخفية بين القوى الغربية التقليدية والجديدة على القارة، التي يجزم المراقبون بأنها سـ”تكون قلب اقتصاد العالم” في غضون العقدين القادمين، فالمجتمع السياسي الغربي فاعل أساسي في الانقلابات بإفريقيا، فتجد الغرب يثور ضد الانقلابات التي لم يُعد لها أو يشارك فيها، أو تلك التي يرى أنها قد تشكل حاجزا أمام مصالحه في القارة السمراء، وبالمقابل يؤيد أخرى تخدم مصالحه، بل إن الكثير من الانقلابات التي وقعت بإفريقيا كانت مدعومة من جهات غربية سياسية أو من مؤسسات اقتصادية هي في الغالب عبارة عن شركات متعددة الجنسيات تحاول السيطرة على ثروات القارة.

وعلى الرغم من أن التغييرات غير الدستورية للحكومات الإفريقية أضحت غير مقبولة في العمل الإفريقي المشترك، فإن ازدواجية المعايير من قبل الاتحاد الإفريقي والتجمعات الإقليمية، سوف تجعل تدخل الجيوش أمرا لا مفر منه..

لقد ساعد الاتحاد الإفريقي والمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (الإيكواس)، ولو بطريقة غير مباشرة، بعض الرؤساء الأفارقة في التعدي على حقوق شعوبهم وتجاهل سيادة القانون والديمقراطية، على سبيل المثال، عندما دبّر الرئيس ألفا كوندي بطريقة احتيالية تعديلا على دستور غينيا، لتمكينه من الحصول على ولاية ثالثة في منصبه، أيده قادة الاتحاد الإفريقي ومجموعة “الإيكواس”، لأنه يعتبر أحد أعضاء نادي الحكام الذين ينتمون إليه جميعا، ويمكن القول إن تعديل الدستور لتمكين ألفا كوندي من الحكم إلى ما لا نهاية، هو بمنزلة أحد العوامل المباشرة لانتفاضة الجيش التي أطاحت به من السلطة، لذلك، يرى مراقبون وخبراء، أن الانقلابات العسكرية بإفريقيا، عادة ما تتأتى بتولي غير الأكفاء مناصب قيادية  تفشي الفساد،  غياب رد رادع يخلق مناخا مشجعا على الانقلابات، كما يعكس تجاهل قادة الانقلابات للتحذيرات التي أطلقتها قوى إقليمية ودولي، ومواصلة إجراءاتهم في سياق تسلمهم السلطة، يشكل مناخا يشجع على الانقلابات في إفريقيا جنوب الصحراء.

وبذلك، تلاحق إفريقيا تهمة “قارة الانقلابات”، بسبب تكرار تغيير السلطة بالقوة من قبل ضباط الجيش، ووأد التجارب الديمقراطية في أكثر من دولة، كما أن عودة الانقلابات العسكرية والاستبداد تعد مؤشرا على تدهور الوضع السياسي والاجتماعي في القارة السمراء، وبلا شك يجب إدانة الانقلابات العسكرية وجميع أشكال الاستيلاء على السلطة بالقوة والوسائل غير الدستورية، لكون المستفيد من ذلك كله هو الجماعات الإرهابية وميليشيات الجريمة المنظمة المرتبطة بها والتي تستفيد من تداعي الأوضاع الأمنية في ظل جائحة “كوفيد 19″، لتعظيم مكاسبها والاستيلاء على مزيد من مناطق النفوذ في كل من منطقة الساحل وغرب إفريقيا. ومع ذلك، علينا التفكير في مظاهر العجز المؤسسي والاختلالات الديمقراطية التي تخلق بيئة مواتية للانقلابات، والبحث عن حلول ناجعة لها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى