الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | عندما اكتسح بنبركة أول برلمان مغربي

ملف أوفقير "الحلقة 11"

تنشر لأول مرة

قضية المهدي بنبركة بقيت سرّاً غامضاً رغم انقراض ما يقارب ستة عقود على اختفاء هذا السياسي الكبير، ولكن اختطاف بعض المسؤولين المباشرين، أسهم في إرسال بعض الأضواء على جوانب مظلمة، مما كشف عن نوعية أجواء(…) القضية التي بقيت ماثلة كالطود، من جيل الستينات إلى اليوم.

تتمة المقال بعد الإعلان

والسلسلة التي تنشرها لكم “الأسبوع” اليوم وبشكل حصري، مُستخرجة من أوراق تركها مؤسس جريدتنا مصطفى العلوي، في خزانته الغنية، وهو الذي عاش ما قبل الاختطاف، وعايش ظروفه، وتعايش مع الأحداث التي أحاطت به، وجمع على مدى 60 سنة، ما يكفي من البيانات والصور، والوثائق والمراجع، وهي الأوراق نفسها التي نقدمها لكم وللتاريخ، ضمن حلقات “الحقيقة الضائعة”.

بقلم: مصطفى العلوي

    لم يكن الاختطاف، كأسلوب همجي مرفوض محليا وعالميا، وكما نفذ في شخص المهدي بنبركة، شيئا جديدا بالنسبة للواقع المغربي خلال تلك السنوات القاتمة من تاريخ الصراع بين طبقة الحكام في المغرب باسم المحافظة على الأمن، وبقيادة الجنرال أوفقير، وبين الطبقة السياسية المعارضة، التي لم يكن يزيدها تصلب أوفقير إلا عنادا، لم يكن ذلك الصراع متكافئا على أية حال.. فقد دخل المغرب في تلك الفترة الحالكة عهدا من الشك والتشكيك، والمناورات والمؤامرات غريبة جدا عن الواقع المغربي، وغير معهودة حتى في أيام عهد الكفاح ضد الاستعمار الفرنسي والإسباني، فلم تكن إذن طبيعية، بل كانت فعلا مصطنعة في أغلبها، تستهدف شيئا ما، ولم يمر أسبوع دون أن تنصب المتاريس في الطرقات، ويتم التفتيش عن هذا أو ذاك (مؤامرات بالجملة)، ومعتقلون بالمئات، بل بالآلاف، واختطافات وما أكثرها، فالاختطاف إذن، لم يكن شيئا جديدا على الرأي العام حينما سمع في أكتوبر 1965 (يوم 29) عن اختطاف بنبركة في قلب باريس، فكثير هم المغاربة الذين اختطفوا قبله، في باريس وغيرها، ذلك أن أوفقير لم يكن يعرف الحدود، بل كان يتعامل يدا في يد مع المخابرات الفرنسية، وهي كلها مخابرات تنهل من معين واحد، هو جهاز “السديك” الفرنسي.

تتمة المقال بعد الإعلان

وفيما كان المغرب يرسي أسس الحياة النيابية الأولى، وينتخب برلمانه الأول، ويحصل المهدي بنبركة على أغلبية ساحقة وينتخب نائبا لمدينة الرباط، كانت أجهزة ما يسمى “كاب واحد” تسير في خط معاكس تماما للخط السليم.. وقتها كان يجب أن توضع نقط الاستفهام على حروف الأحداث، ولكن من كان وقتها قادرا على الصدح بالحقيقة (؟؟؟).

وما إن يصدر عفو ملكي على المحكوم عليهم، حتى تلقى شباك “الكاب آن” في الشوارع لتجمع متهمين آخرين، يعتقل ألفا، لتثبت تهمة ما في حق مائة، وفي ذلك الإطار، تمت عملية اعتقال مجموعة كبرى من الاتحاديين في يونيو 1963، بتهمة التآمر على النظام في الوقت الذي كان فيه الاتحاديون قد حصلوا على عدد هام من المقاعد في البرلمان الأول، فالنية المغلفة باسم المحافظة على الأمن لم تكن أبدا متوازية مع النية التي كانت متجهة لإقامة قواعد ديمقراطية، وكانت هناك عدة نقط استفهام تقفز فوق الرؤوس، وتتناثر في الأدمغة، مثل تلك التي خطرت لي شخصيا وأنا أتعرض بدوري للاختطاف في أكتوبر 1963، ورغم أني لم أكن عضوا في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ولا في أي تنظيم آخر، فقد اجتزت مرحلة التعذيب مع الاتحاديين المتهمين بالمؤامرة، ووجدت نفسي في دوامة رهيبة والأجهزة تكاد تلقي بي في الحدود المغربية الجزائرية بينما كانت الحرب مشتعلة بين المغرب والجزائر، ولم تنقذني إلا الحملات الصحفية التي شنتها الصحافة العالمية، بعد أن شاع خبر اختطافي، وإن كان هذا الكتاب ليس موضوع اختطافي، فإن الذي أثار هذا الموضوع في غير محله، هو تلك الأسراب من نقط الاستفهام التي كانت تكسو الآفاق المغربية.

وبعد خروجي من مرحلة الاختطاف، التي دامت أربعة أشهر، وضعت أناملي على إحدى نقط الاستفهام، وكدت أصرخ بها لولا ريبي مما قد أتعرض له.

كان بيتي لا زال مرتعا للزوار والمهنئين بسلامة عودتي حينما اتصلت بي كاتبة أوفقير، وطلبت مني أن أحضر للوزارة، وزارة الداخلية، ولم يكن لي أن أناقش، فلم تكن قد مضت على خروجي من الجحيم إلا أيام معدودة، وفي الوزارة، أبلغت أن علي أن ألتحق بأوفقير في مراكش، حيث ينتظرني بنزل “المأمونية” المشهور، لأمر مهم، وفي باب النزل، وعلى الساعة المحددة، كان مدير الأمن الإقليمي، بلعباس التعارجي، ينتظرني بأدب ليدخلني إلى صالون كبير كان به أوفقير مرفوقا بمدير الشؤون السياسية آنذاك، محمد بلعالم، وكان صوت المغنية أم كلثوم يعطي جو الغرفة نوعا من الدفء، ويخفف من وقع المفاجأة، وبعد أن استدعاني أوفقير للجلوس، وسألني عن أحوالي، عن صحتي، وأنا في حيرة واستغراب، وأي حيرة وأي استغراب أكبر من ذلك الذي يلف جنرالا تصطك لذكره الأعصاب خوفا، وصحفي مر من جحيم أوفقير، لكنه زاد من تهدئتي بأن عرض علي مشروبا قبل أن يدخل الموضوع، فقال لي: ((الشريف – وهكذا يقال لمن يحمل اسم العلوي في الحالات المألوفة – لقد تعذبت وقاسيت، وكنت شجاعا، ولكن العذاب والألم مفروض على الرجال، ولكنك صحفي وأنا معجب بصحافتك، أريد أن أقول لك شيئا تحتفظ به لنفسك،ولا تكتبه ولا تنساه، إني أؤكد لك، وأرجوك أن تصدقني، إنني ليست لي يد فيما حصل لك، فلا تتخذ مني عدوا، وبهذه المناسبة، أرجوك أن تفكر وتطلب مني أي منصب تريده إذا كنت لا تريد الرجوع للصحافة، وإذا أردت رأيي، فإنك أنسب الناس لتكون مديرا للإذاعة، وهذا هو كل ما كنت أريد أن أقوله لك))، وطبعا، أبديت بعض الانشراح، وطلبت منه شيئين: أولا، أن يرد لي سيارتي التي ضاعت منذ يوم اختطافي، وأن يسمح لي باستئناف إصدار جريدتي “أخبار الدنيا”.

ولكني وأنا في طريق عودتي، لم أكن قادرا على استيعاب الغرض من هذه الدعوة، ولا على فهم المدلول الحقيقي لبيان الحقيقة الذي طلب مني جلادي أن لا أنشره. كان ذلك في يناير 1964، ولم أستطع أن أجد له مبررا ولا تفسيرا إلا بعد مرور سنوات طويلة، لم أفهم فيها وحدي، ولكن المغاربة جميعا فهموا معي.

ولكن، بين الفترة التي فهم فيها الناس جميعا، وبين الأحداث التي عرفها المغرب ما بين سنة 1963 وسنة 1970، حدثت أشياء كثيرة ورهيبة، كان منشار القمع والتنكيل والتكريه، يقطع فيها، أو يحاول، جذور الصلات الوطيدة بين هياكل المغرب وبين الحقيقة والتزييف، ولم تكن عملية اختطاف المهدي بنبركة إلا جزئية من كل، ولبنة في صرح المخطط الكبير الذي كان أوفقير يمهد له منذ أن أصبح وزيرا للداخلية، إلى أن كان موته سنة 1972 بردا وسلاما على المغرب والمغاربة.

وليس جديدا أن غول المخابرات، وفي جميع أنحاء العالم، كان دائما يشكل الخطر الأكبر، أولا وقبل كل شيء، على هياكل الدولة التي تخلقه وتنميه، وتجعل منه قوة موازية للقوات السياسية في البلاد، ولكن الجهاز الذي كان أوفقير يمارس به الضغط على الأحزاب والشعب قاطبة، لم يكن في الحقيقة مكتفيا بما حققه من مكاسب وما كونه من ثروات، بل إن الأحداث التي عرفها المغرب سنتي 1971 و1972، أكدت هذه القاعدة، وتعدتها إلى الطمع في الاستيلاء على الحكم، بعد تكريه جماهير الناس فيه، وأخطر ما في وضعية النموذج المغربي، هو أن أوفقير كان يخطط لبرنامجه منذ سنة 1962، أو على الأقل انطلق من هذا التقدير، بناء على تجربتي الشخصية وعلى ما سمعته من أوفقير نفسه سنة 1964.

هناك طبعا جزئيات أخرى، وأحداث أخرى، قال فيها أوفقير لأشخاص آخرين ما كان مفروضا أن يفهم منه المعنيون حقيقة ما يبيت لهم، تلك هي دوامة الحكم، تعشي الأبصار حتى ولو كانت الحقائق واضحة وضوح النهار.

كتب مؤرخ المملكة، عبد الوهاب بنمنصور، في مذكراته عن “رحلة الحسن الثاني في نواذيبو”، الصادر عن المطبعة الملكية بالرباط سنة 1970، جزئيات حادثة دخلت التاريخ بعد نشرها بسنتين، ولو تم الإمعان فيها قبل سنتين لغيرت هي نفسها مجرى التاريخ، قال عبد الوهاب بنمنصور يصف عودة الطائرة الملكية من نوع “بوينغ”: ((يوم 15 شتنبر 1970، وعلى متنها جلالة الملك وأعضاء الحكومة في طريقهم من مدينة نواذيبو الموريطانية إلى الرباط، وبعد مرور الطائرة فوق سماء مدينة الداخلة، التي كانت وقتها لا زالت محتلة من طرف الإسبان، وبينما انطلق صوت ربان الطائرة يعطي البيانات عن الرحلة وأحوال الطقس، وقال: تتلبد السماء بالغيوم فوق مدينة الرباط، وفجأة، يقول عبد الوهاب بنمنصور: قبل أن نسمع الربان يشكرنا على حسن انتباهنا وإعارة أسماعنا، رأيت الجنرال محمد أوفقير، وزير الداخلية، يقف إلى جانب مقعدي، وينحني علي هامسا: ما رأيك؟ قلت له: خيرا إن شاء الله، قال: أدخل الآن مقصورة القيادة وأضع كابوسي (مسدسي) على دماغ الربان، وأرغمه على الاتجاه بالطائرة نحو مطار روما أو لندن، قلت: إذن، ستزداد في الخافقين شهرة دونها شهرة “ليلى خالد”، ولكن وراء كل عمل غاية، فماذا تستهدف بهذه العملية التحويلية؟ قال: أتيح بالقوة لسيدنا أن يتسلى ويستريح))، ويختم المؤرخ عبد الوهاب بنمنصور، الذي كان راكبا بالطائرة، هذا الحديث العجيب بقوله: ((وبينما كان الجنرال يتجرع شعرا قلته له ولا يكاد يستسيغه، إذا بمناد يستدعيه للمثول بين يدي سيده، فجرى إليه، وجلس قربه، وشغله الحديث معه عن تنفيذ العملية، فلم ينتبه إلا بعدما نزلت الطائرة في الساعة الحادية عشر وخمسين دقيقة بمطار سلا الرباط)).

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى