متابعات

متابعات | حسابات سياسية تعرقل مشروع القانون الجنائي

القانون الذي فشلت الأغلبية في تمريره

عجزت حكومة سعد الدين العثماني عن تمرير مشروع القانون الجنائي رغم توفرها على الأغلبية في مجلس النواب وفي لجنة العدل والتشريع، إلا أن تعثر هذا القانون منذ 5 سنوات يطرح الكثير من التساؤلات: هل هناك جهات خارج الحكومة أو لوبيات ترفض تمرير هذا القانون؟ هل يقف بعض السياسيين والاقتصاديين وراء “بلوكاج” القانون الجنائي بسبب تجريمه للإثراء غير المشروع؟

فمشروع القانون الجنائي جاء بعدة مستجدات مهمة تهدف إلى تكريس دولة الحق والقانون والحقوق المدنية والإنسانية، من خلال تجريمه للعديد من الظواهر، مثل الاختفاء القسري، تجريم تهريب المهاجرين، تجريم استفادة الغير بسوء نية من الجرائم المالية المتعلقة بالاختلاس والرشوة واستغلال النفوذ، تجريم الإثراء غير المشروع، تجريم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب للملاءمة مع القانون الدولي.

تتمة المقال بعد الإعلان

التعطيل الذي عرفه مشروع القانون الجنائي يحمل الأغلبية الحكومية مسؤولية كبيرة أمام المواطنين، لاسيما مع قرب الانتخابات التشريعية المقبلة، إذ أن عرقلة قانون مهم يحارب نهب المال العام والاغتناء الفاحش عبر الفساد، يجعل الأحزاب المشاركة في الحكومة مسؤولة عن هذا التعطيل و”البلوكاج”.

إعداد: خالد الغازي

تتمة المقال بعد الإعلان

    أكد رئيس مجلس النواب، الحبيب المالكي، أن سبب عدم برمجة هذا القانون، هو وجود تضارب في وجهات النظر بين مكونات مجلس النواب، معبرا عن أسفه لعدم برمجة القانون الجنائي في الولاية التشريعية التي انتهت.

وأوضح المالكي، أن أحزاب الأغلبية لم تستطع الحصول على توافق حول بعض مواد مشروع القانون الجنائي، مشيرا إلى عدم رغبته في تفجير مجلس النواب بسبب الخلافات حول هذا القانون بين الفرق البرلمانية، وقال: “أحرص شخصيا على أن يكون هناك توافق على القوانين، لذلك تمت المصادقة على ما يناهز 80 نصا بالإجماع، واحتراما للحكومة، قررنا عدم إدراج القانون الجنائي رغم أهميته”.

أصل “البلوكاج”

    لازال مشروع القانون الجنائي يعيش “البلوكاج” داخل لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب منذ عدة سنوات، حيث سبق لوزير حقوق الإنسان والعلاقات مع البرلمان مصطفى الرميد، أن وجه نداء لأعضاء البرلمان من أجل إتمام الدراسة والتصويت على مشروع القانون الجنائي.

وتقول النائبة البرلمانية ابتسام العزاوي، أن مجلس النواب اختتم آخر دورة تشريعية في الولاية الحالية دون أن يحسم في عدد من مشاريع القوانين ذات الأهمية البالغة، كمشروع القانون الجنائي الذي يوجد في حالة “بلوكاج” بلجنة العدل والتشريع بالغرفة الأولى منذ سنة 2016.

وأكدت البرلمانية العزاوي، أن المسؤولية الأساسية في تعطل القانون الجنائي تتحملها الأغلبية الحكومية، والتي أظهرت هشاشة تحالفها وضعف مستوى تنسيقها، مما أثر على حسن سير الورش التشريعي، مشيرة إلى أن أحد أبرز المواد الخلافية همت مسألة تجريم الإثراء غير المشروع، في حين أن هذا الأمر كان يجب أن يكون محل توافق، وقالت بأن مشروع القانون الجنائي ليس بالاستثناء الوحيد، فهناك مواضيع لا تقل أهمية عنه كالقانون المتعلق بالنقابات والإضراب، مؤكدة أن خروج هذا القانون إلى التطبيق العملي كان سيساهم في تجويد المنظومة القانونية المعتمدة حاليا، بحيث أن هناك مقتضيات إيجابية ومهمة جديدة محل دراسة، كالعقوبات البديلة.

وشددت على أنه من الأولويات التشريعية خلال الولاية البرلمانية الثالثة بعد دستور 2011، التعجيل بإخراج مشروع قانون جنائي ومسطرة جنائية في مستوى الطموحات والمتغيرات الوطنية والإقليمية والدولية والتكنولوجية.

ومن جهته، صرح المحامي محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، أن تجريم الإثراء غير المشروع هو من بين مطالب المجتمع الحقوقي والمدني والرأي العام الوطني، باعتباره مظهرا من مظاهر الفساد في بلادنا، والذي يشكل خطورة حقيقية على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وله تداعيات خطيرة على كافة المستويات، وبالتالي، لابد من تجريم الإثراء غير المشروع.

وأضاف أن الحكومة وضعت استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد تمتد لعشر سنوات (2015 – 2025)، مرت منها الآن 6 سنوات دون أن يكون لهذه الاستراتيجية أي أثر، مع العلم أنها أكدت على تجريم الإثراء غير المشروع، مبرزا أن إقبار هذا المشروع يعكس نوعا من غياب الإرادة السياسية الحقيقية لمكافحة الفساد والرشوة ونهب المال العام، ومن جهة أخرى، يعكس قوة اللوبي المستفيد من واقع الريع والفساد بالمغرب، هذا اللوبي الذي له امتدادات في مواقع متعددة، ومن المؤكد أنه يستعمل كل الإمكانيات من أجل عدم إخراج هذا القانون لحيز الوجود، وضمنه أيضا مختلف الآليات المؤسساتية القانونية التي بإمكانها أن تساهم في تخليق الحياة العامة ومكافحة الفساد.

واعتبر الغلوسي أن إقبار هذا المشروع يفضح من جهة ثالثة، زيف شعارات الحكومة بخصوص محاربة الفساد والقطع مع الإفلات من العقاب وربط المسؤولية بالمحاسبة، ويعري الشعارات المرفوعة في هذا الجانب، ويختبر النوايا المعبر عنها في أكثر من مناسبة بخصوص مكافحة الفساد، رغم الإقرار الرسمي على أكثر من مستوى بخطورة الفساد على الحياة العامة والوضع الاقتصادي والاجتماعي.

البرلمانية ابتسام العزاوي

قانون لا يواكب المجتمع

    أوضح الغلوسي أن القانون الجنائي هو قانون قديم في المغرب لحقته بعض التعديلات الطفيفة، إلا أنه يحتاج لمراجعة شاملة، فهناك تغيرات وتحولات جوهرية وأساسية وقعت في المجتمع في العقدين الأخيرين، وهناك تحولات على المستوى الدولي وعلى المستوى القيمي للمجتمع، لهذا لا بد للقانون الجنائي من مواكبة ذلك، وتأخير القانون الجنائي ومعه المسطرة الجنائية ليس له أي مبرر، وبالتالي، هناك حاجة ماسة وموضوعية لإخراج القانون الجنائي لكي ينسجم مع العصر ومع موضوع حقوق الإنسان والحريات العامة والفردية.

وأكد على أن الأحزاب تتحمل جزء من المسؤولية، باعتبار أن للحكومة أغلبية بإمكانها أن تمرر هذه المشاريع، وإلا كيف لهذه الأغلبية تمرير القوانين “المكبلة للحريات” والتي تمس القدرة الشرائية للمواطنين بدون أي ضجيج وأية مشاكل، بينما لا تصادق، رغم توفرها على أغلبية، على القوانين ذات الصلة بتقدم المجتمع وبتعميق الإصلاح في بلادنا وبتوسيع دائرة الحريات وحقوق الإنسان.

بدورها، اعتبرت مريم جمال الإدريسي، محامية بهيئة الدار البيضاء، أن القانون الجنائي المغربي يحتاج إلى بعض الحداثة، لاسيما وأن لدينا هوة كبيرة بين المجتمع والمشرع، وكمثال، مسألة المحاكمة عن بعد، التي تفتقد لنص قانوني لأن هناك فراغا يتم الاشتغال فيه منذ أزيد من سنة خلال الجائحة، ولا بد من إحداث نصوص قانونية تنظمه عوض مسلسل الترقيع، لأن قانون المسطرة الجنائية والقانون الجنائي هما قوانين مرتبطة بالمجتمع بشكل وثيق وبالحريات وبالحقوق الأساسية، وهذه القوانين يجب تعديلها لكي تتلاءم مع المجتمع، مشيرة إلى أن القانون الجنائي الفرنسي يعرف مجموعة من التعديلات التي تحصل بسرعة تتماشى نسبيا مع عجلة تطور المجتمع الفرنسي.

حسابات سياسية

    أكدت مريم الإدريسي، أن هناك تسرعا وغياب التشاور وتغييبا لمكونات منظومة العدالة، من محامين وقضاة، وخبراء مختصين، فهم الذين يعلمون كل المشاكل المرتبطة بتطبيق القانون، مضيفة أن الطابع السياسي يغلب على المنطق العلمي والعقلاني وتصبح وجهة النظر مليئة بالحسابات السياسية بعيدة عن الحسابات المنطقية، معتبرة أن التعطيل ليست له أي نتيجة ويتسبب في ضياع مجهودات سابقة، ويهدر الوقت، لأن أي مجهود بذل، يجب استثماره.

وقالت الإدريسي، أن الحسابات السياسية لا يجب أن تدخل في إعداد مشروع القانون الجنائي ولا في المسطرة الجنائية، ولا يمكن أن تكون لدينا عدة تصورات لفرض سياسة جنائية ما في ظل وجود خلل في نصوص قانونية ووجود إشكالات على مستوى التطبيق، وتضارب على مستوى الاجتهادات القضائية، مبرزة أنه لدينا سياسة جنائية وتطبيقات ونصوص غامضة تحتاج لتعديل أو توضيح، لأنها تثير إشكالات على مستوى التطبيق أو على مستوى الاجتهاد القضائي، ولهذا يجب الاتفاق على سياسة جنائية ثم على النصوص القانونية التي ستطبق بها على مستوى التشريع.

وأشارت إلى أهمية اعتماد العقوبات البديلة في الجرائم ذات الطابع الاقتصادي أو الجرائم المالية عوض السجن والحبس، من خلال سن عقوبات مالية وغرامات، وأيضا عقوبات أخرى، مثل “السوار” الإلكتروني المطبق في بلدان أخرى، أو الإقامة الجبرية أو عدم مغادرة منطقة جغرافية معينة، وذلك لتفادي الاكتظاظ في السجون، إذ تكون هذه العقوبات في نوع معين من الجرائم وفق سياسة منسجمة مع التجريم والعقاب، مشيرة إلى أن بدائل الاعتقال الاحتياطي موجودة في المادة 61، مثلا الكفالة، التي تبقى من اختصاص النيابة العامة وقاضي التحقيق.

وسبق أن دعا المرصد المغربي للسجون، إلى إصلاح المنظومة القانونية الجنائية ذات العلاقة بالسياسة العقابية، وإقرار العقوبات البديلة غير السالبة للحرية وتضمينها في القانون الجنائي وقانون المسطرة الجنائية، وطالب بالتسريع في إخراج تعديلات القانون الجنائي إلى الوجود، مع تبني إصلاحات وتعديلات تتلاءم مع المرجعيات الدولية ذات الصلة بحقوق السجينات والسجناء، وتكرس الحق في المحاكمة العادلة، وضمان الحق في الحياة وكافة الحقوق الأخرى.

تجاهل رسالة الرميد

    أرسل مصطفى الرميد، وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان والعلاقات مع البرلمان، مذكرة حول مشروع القانون الجنائي، لدعوة الفرق البرلمانية والأغلبية لبذل المجهود اللازم في إطار ما يقتضيه ذلك من تعاون وثيق بين الحكومة والبرلمان، وتفاعل إيجابي مع تطلعات مختلف الفاعلين، داعيا إلى التصويت على هذا النص الهام قبل اختتام الدورة التشريعية الحالية، مبرزا أن المشروع اهتم بمتابعة توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، والتوصيات المنبثقة عن الهيئة العليا للحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة، وأن مراجعة وتطوير القانون يعد من المرتكزات الأساسية للإصلاح الشامل للعدالة الوطنية، إلا أن الفرق النيابية كان لها رأي آخر.

فقد حاول الرميد، من خلال مذكرته، إبراز أهم المحاور والخطوط العريضة التي يحملها مشروع القانون الجنائي، وذلك لتحفيز البرلمانيين على مناقشته داخل اللجن المختصة، إلا أن رسالته قوبلت بالتجاهل من قبل النواب البرلمانيين الذين قرروا تأجيل مناقشة مشروع القانون إلى الولاية التشريعية القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى