متابعات

متابعات | عصابات ومتسولون أغنياء وشبكات لاستغلال أطفال الأسر الفقيرة

التسول أول مهنة في المغرب 

التسول آفة متفشية في المجتمع المغربي بشكل كبير وخطير، إذ أضحت مهنة “العاجزين والفاشلين والانتهازيين والمنحرفين”، الذين يلجئون إلى طلب المساعدة من الناس في الأماكن العامة، في الأسواق، والمقاهي والمطاعم والمساجد والمخابز والمحلات التجارية، وأمام الأبناك، والصيدليات.. فالكثير من المتسولين اتخذوا التسول مهنة يومية لجمع المال، بطرق سهلة دون عناء أو شقاء، منهم من يلجأ لاستعمال الحيل مثل التظاهر بإعاقة أو عاهة مستديمة، أو مرض مزمن لكي يحظى بعطف الناس والمارة في الشارع ويحصل على المال.

إعداد: خالد الغازي

تتمة المقال بعد الإعلان

    أصبحت ظاهرة التسول تغزو جميع المدن بجيش من المتسولين، ينشطون على مدار اليوم وحتى غروب الشمس، لاستعطاف الناس وطلب الصدقات، بعد أن اختار كل منهم مكانه ووجهته، فمنهم من يقف أمام بوابات الأسواق الشعبية أو محطات المسافرين والمراكز التجارية، وبعضهم يختار إشارات المرور وأبواب المساجد، وحتى أمام بعض الإدارات العمومية.

فخلال جائحة “كورونا”، ازداد عدد المتسولين في الشوارع والطرقات والأماكن العامة بالعشرات، حيث لا يخلو مكان دون وجود ثلاثة متسولين أو خمسة، خاصة على مستوى مراكز المدينة، والشوارع الرئيسية، مما يطرح تساؤلات كثيرة: هل أصبح التسول مهنة جديدة لكسب المال؟ هل جميع المتسولين فقراء، أم أن من بينهم فئة ميسورة الحال؟ وكيف ينظر المجتمع لهذه الآفة؟

تتمة المقال بعد الإعلان

تعتبر ظاهرة التسول إحدى المشكلات الاجتماعية، وتختلف نسبة المتسولين من بلد إلى آخر حسب عوامل اجتماعية وثقافية واقتصادية، ولا يختلف الناس بأن التسول من العادات السيئة في المجتمع، بحيث تفاقمت واتسعت الظاهرة في الآونة الأخيرة لتغزو شوارع المدن من خلال أشخاص يقومون بطرق مختلفة لاستعطاف الناس، أو كمهنة تمارس لتدر دخلا للعاطلين عن العمل أو لمن اعتادوا على الكسل والاعتماد على الغير.

وأفادت بعض الأرقام، أن المغرب يعرف ارتفاعا كبيرا في عدد المتسولين، حيث يتراوح عددهم ما بين 195 ألفا و200 ألف متسول ينشطون على مستوى المدن، ونسبة كبيرة منهم تصل لـ 60 بالمائة يحترفون التسول بشكل يومي، من بينهم أطفال قاصرون، مما يجعل المغرب ضمن قائمة الدول العربية الأولى في ظاهرة التسول، الشيء الذي يدق ناقوس الخطر حول أسباب تنامي هذه الظاهرة في وسط المجتمع.

في هذا الإطار، يرى محسن بنزاكور، أستاذ علم النفس الاجتماعي، أن الحديث عن التسول في المغرب عرف نوعا من التحول كما هو الشأن لكل التحولات التي تطرأ على مجتمع معين، والمغرب عرف تحولات كثيرة في السابق، حيث كان الحديث عن التسول المغربي، والآن نتحدث عن تسول دولي بوجود السوريين والأفارقة والمغاربة، بمعنى لم يعد الحديث عن نوع واحد، والمثير للانتباه، أن مؤشر التسول ارتفع بشكل مثير وأصبحنا نرى تجمعات خطيرة جدا للأفارقة عند إشارات المرور وفي الطرقات وفي الأسواق، أما فيما يخص المواطن المغربي، فالاحتمال الوارد هو أن نسبة التسول ارتفعت في ظل فقدان الناس للعمل وارتفاع البطالة وتراجع الإقبال على بعض المهن، كل هذه المؤشرات تؤكد ارتفاع نسبة التسول.

وأضاف المتحدث، أن ارتفاع التسول يلاحظ عمليا من خلال الملاحظة العينية والحياة اليومية، والمسألة التي تؤكد هذا الارتفاع هي ظهور فئات جديدة مثل الطفلات الصغيرات والمسنين، ثم التسول بالطرق الحديثة، أشخاص بملابس أنيقة يتسولون، كل هذه المظاهر تزكي أن هناك ارتفاعا في عدد المتسولين، معتبرا أن المساعدة الاجتماعية للمغاربة الذين هم في حاجة للمساعدة، يجب أن تكون عبر طريقة مؤسسة وقانونية، حفظا لكرامة المواطن المغربي، وبالتالي، تدعيما لمخططات اجتماعية سوسيواقتصادية تأتي من أموال الشعب، من الضرائب التي يؤديها المواطن، وهنا نتحدث عن التكافل والتضامن وليس الصدقة.

وقال: “المواطن عليه مسؤولية بحكم تشجيع التسول بحجة الدين والتكفير عن الذنب، وهذه الدراهم التي تعطى، يصعب مراقبتها، وبالتالي، الشخص لا يساهم في الاقتصاد الوطني ولا في المنظومة الاجتماعية الوطنية، بقدر أنه يلبي رغبة ذاتية في التكفير عن ذنب، يظن بأن هذا العمل سوف يتقرب به إلى الله وفي آخر المطاف، سيخرب الوطن”، وأوضح، أن هناك نوعين من الناس: فئة لديهم من الدخل ما يكفي، لكنهم لا يحسون بالراحة إلا إذا تقمصوا شخصية المتسول، وجعل هذا التسول عاملا نفسيا يستجيب له ويفوق قدرته النفسية، وفئة أخرى ميسورون بفعل ممارستهم للتسول، يدخلون ضمن الحرفيين والشبكات المنظمة، من خلال التسول جمعوا ثروة طائلة واستطاعوا من خلالها أن يضحكوا على الناس ويستغلوا ثقتهم وعقيدتهم لبناء هذه الثروة، مؤكدا على أهمية إعادة النظر في البرامج السياسية ووضع استراتيجية وطنية لمحاربة هذه الظاهرة مع القطع مع التسول الاحترافي.

محسن بنزاكور

تزايد ظاهرة التسول

    كشفت دراسة حول ظاهرة التسول أنجزتها الجمعية المغربية لتربية الشبيبة بالدار البيضاء مؤخرا، أن المتسولين يتوزعون على ثلاث فئات:

– الفئة الأولى: تشمل أسرا مكونة من الأب والأم يجعلون من أطفالهم مشروعا استثماريا، أو ما يسمى “مقاولة أسرية” يستعملها الوالدان لربح مالي سهل من خلال تجنيد أبنائهم في التسول عبر رقم مالي أو مدخول يومي لا يقل عن مائة درهم، حيث أن الأسرة التي لديها خمسة أطفال، تكسب مدخولا يصل لـ 500 درهم، وهذه ظاهرة.

– الفئة الثانية: أطفال ينتمون لأسر معوزة يتم تأجيرهم مقابل 150 درهما لليوم الواحد، وقد يرتفع ثمن الكراء إلى 250 و300 درهم لليوم، حيث يتم استغلال الأطفال التائهين أو المسروقين من ذويهم من قبل عصابات متخصصة، وهم أشخاص لديهم نزعات غير إنسانية مقابل إيوائهم في أوكار غير آمنة، وهؤلاء الأطفال يعيشون أوضاعا مزرية ويعانون من القهر والتعذيب والعنف لدفعهم للقيام بالتسول.

– الفئة الثالثة: الأشخاص والأطفال في وضعية إعاقة جسدية، الذين تم تهميشهم من قبل مجتمعهم، إذ يتم استغلالهم في التسول من قبل أسرهم أو من خلال الدفع بهم لعرض معاناتهم أمام المارة والناس، كما تقوم بعض الأسر باستغلال إعاقة الطفل للمتاجرة به واستعماله في التسول لكسب الربح المادي، أو استعطاف الناس أمام المساجد.

واعتبرت الدراسة، أن ثقافة التسول تعتبر ثقافة متمردة على المجتمع والقانون، والأسرة المتسولة هي مقاولة تسرح بأبنائها الأربعة أو الخمسة وإكسابهم مهارات وقدرات متجددة في التسول، مشددة على ضرورة تحديد جهة أمنية واحدة تكون مسؤولة عن مكافحة الظاهرة عوض الشتات الذي تعرفه مجموعة من القطاعات المتدخلة، كما دعت الدراسة إلى التركيز على معالجة الظاهرة من خلال دمج الأطفال عن طريق توفير الحماية والرعاية الأمنية والمجتمعية لهم.

في هذا الإطار، يرى محمد كليوين، أستاذ وفاعل جمعوي شارك في إعداد الدراسة، أن التسول أصبح مهنة مدرة للربح وللاغتناء، وذلك عبر نيل كرم المحسنين، وإثارة الشفقة في نفوسهم، بما في ذلك استغلال الرضع والقاصرين والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة، كوسيلة لجمع الصدقات، وحرمانهم من حقوقهم الأساسية، مشيرا إلى أن المتسولين أصبحوا من جميع الأعمار يطلبون المال علنا أو أشياء أخرى، وجعلوا من هذه الممارسة الاجتماعية مهنة مدرة للربح والاغتناء عبر إثارة الشفقة في نفوس المحسنين.

وأوضح أن التسول، حسب كل التنظيمات الجمعوية، يعتبر من أقوى وأقصى العناوين الصارخة التي تتحدث بكل فصاحة عن العوز الشديد والفقر المدقع، وضعف سبل العيش، واليأس في الحصول على الفرص التي تضمن للمتسول حياة آدمية، مشيرا إلى أن التسول أيضا في حالات كثيرة يعبر عن خلل سلوكي جسيم يعتري فئات من الناس يجعلهم يتجهون للتسول كوسيلة تضمن لهم أسباب الكسب السريع للمال دون عناء أو مشقة، حيث يلجؤون لطلب الصدقة لجمع المال بطريقة سهلة، مما يشجع على الكسل وعدم الرغبة في العمل.

وأكد على أهمية معالجة الظاهرة، بالبحث الاجتماعي والإدماج الأسري والمؤسساتي في مراكز الرعاية، والإدماج الاقتصادي، وتطبيق الترسانة القانونية ضد محترفي التسول، وتوعية المواطنين بالظاهرة عبر وسائل الإعلام، وإحداث فرق خاصة تتعامل بطرق خاصة اجتماعية مع المتسولين.

أرباح المتسولين

    كشفت قضية “المتسولة الغنية” في مدينة أكادير، عن نوع آخر من المتسولين، الذين يتوفرون على إمكانيات مادية لكنهم يفضلون ممارسة التسول، لما يدر عليهم من دخل مادي يومي وفير.

وتم تداول مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، يظهر امرأة متسولة تلبس النقاب، تقوم بتغيير ملابسها قرب سيارة فاخرة رباعية الدفع، بعدما قضت يومها في التسول وجمع الدراهم، حيث تم اعتقالها من قبل المصالح الأمنية بأكادير، بتهمة امتهان التسول والنصب والاحتيال لإثارة استعطاف الناس.

كما سبق أن تم توقيف متسولة غنية في مدينة أكادير تملك سيارة فاخرة ومنزلا، حيث أمر وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية، بمتابعتها في حالة اعتقال وإيداعها السجن، بعدما كشفت التحريات التي قامت بها الشرطة القضائية، أنها تمتهن التسول أمام المساجد وتتوفر على سيارة ومنزل فاخرين.

وحسب العديد من المواطنين، فأرباح المتسولين المحترفين تتراوح ما بين 200 درهم إلى 500 درهم يوميا، منهم من يصل إلى 1000 درهم، وخاصة الذين يمارسون التسول أمام المساجد وأمام الأسواق التجارية الكبرى، وفي الأحياء الراقية في الدار البيضاء والرباط وطنجة، حيث يحصلون في بعض الأحيان على أوراق مالية من الناس.

تقول وفاء، نادلة مقهى، أن الكثير من المتسولين يأتون إليها طلبا لتبديل النقود والدراهم بالأوراق النقدية، حيث تصل الدراهم التي يقومون بجمعها إلى 300 درهم بشكل شبه يومي، مضيفة أن التسول أصبح مهنة لدى هذه الفئة التي لا تخجل من طلب الصدقة والنصب على الناس بداعي الفقر والحاجة.

بدوره، يؤكد محمد (تاجر)، أن بعض المتسولين يملكون منازل من طابق أو طابقين ويلجؤون إلى التسول لأجل جمع المال بطريقة سهلة، بل تجد في بعض الأحيان أسرة بكاملها تمارس التسول بشكل يومي.

هند العايدي

 

استغلال الأطفال

    قامت جمعية “جود” بمبادرة لتوعية الناس وتحسيس المواطنين بظاهرة تسول الأطفال واستغلالهم من قبل شبكات متخصصة في التسول، ودعت إلى الحد من الظاهرة عبر الامتناع عن إعطاء المال للأطفال، وتشجيعهم على التسول وطلب الصدقة، خاصة وأن بعض الأشخاص يستغلون هذا الجانب للدفع بالصغار إلى التسول في الشوارع والمقاهي وغيرها.

في هذا السياق، صرحت هند العايدي، رئيسة “جود”، أن الظاهرة تفشت بشكل كبير في المجتمع، وبحكم اشتغال الجمعية مع المتشردين ومساعدتهم، قررت تنظيم حملة وطنية لمحاربة استغلال الأطفال الصغار في التسول، مبرزة أن العديد من المتشردين في الشوارع تم استغلالهم عندما كانوا أطفالا في التسول، ثم الاستغناء عنهم.

وأضافت العايدي، أن آخر إحصائيات المندوبية السامية للتخطيط، والمتعلقة بظاهرة التسول، تعود لسنة 2007، وتكشف وجود 196 ألف متسول، 62 بالمائة منهم محترفو التسول، يعني أنهم يلجؤون للتسول كمهنة لكسب المال، بحيث يقومون بتطوير عملهم من خلال استغلال أبنائهم أو أطفال غيرهم في التسول لزيادة الربح وجلب استعطاف الناس، وهناك من يقومون بإيجار أطفالهم.

وأوضحت أن الأرقام حول استغلال الأطفال في التسول مخيفة وفي تزايد كبير، خاصة بعدما مكنت حملة لوزارة التضامن بتعاون مع رئاسة النيابة العامة، من إنقاذ 142 طفلا يتم استغلالهم في التسول الاحترافي على صعيد جهة الرباط فقط، 27 بالمائة منهم مازالوا رضعا، يتم تخديرهم خلال يوم كامل، مشيرة إلى أن هؤلاء الأطفال عندما يصلوا لسن الخامسة، يتم تدريبهم على التسول ومد اليد.

وعبرت العايدي عن استيائها من احتلال المغرب المرتبة الأولى عربيا في عدد المتسولين، مقارنة مع مصر، التي تأتي في المرتبة الثانية بـ 46 ألف متسول رغم أن عدد سكان القاهرة لوحدها بالملايين، متسائلة هل المغرب أفقر من مصر وغيرها من الدول العربية؟ معتبرة أن المسؤولية يتحملها المواطنون الذين يقدمون الصدقات للمتسولين المحترفين ويشجعون على نمو هذه الظاهرة، ويساهمون في استغلال الأطفال الصغار في ظاهرة التسول.

وأكدت أن الحملة التي قامت بها الجمعية، مكنت من طرح إشكالية التسول واستغلال الأطفال بصفة خاصة من قبل شبكات منظمة، وستعمل على تنظيمها بشكل سنوي للزيادة في التحسيس وتوعية المواطنين، للتقليل من استغلال الأطفال القاصرين، مشيرة إلى أن الاستطلاع كشف أن 84 بالمائة من الناس اقتنعوا برسالة الحملة، وقرروا عدم إعطاء المال للأشخاص الذين يتسولون بالأطفال أو للأطفال.

انتقادات للحكومة

    انتقدت فرق برلمانية الحكومة على خلفية تفشي ظاهرة التسول، بعدما أصبحت منتشرة ومتفشية بشكل مقلق في المغرب، حيث أن الشوارع والأسواق والطرقات باتت تعج بالمتسولين، ومن بينهم أطفال يتم استغلالهم في هذه الظاهرة، بما في ذلك الرضع، والنقطة الأخطر في هذه الظاهرة، تكمن في وجود شبكات لاستئجار الأطفال، عن طريق أوليائهم، أو بواسطة الغير، لاستعمالهم في التسول.

 ودعت الفرق البرلمانية الحكومة، إلى اتخاذ ما يلزم من إجراءات عقابية وجزائية للحد من ظاهرة التسول، مبرزة وجود شبكات لاستئجار هؤلاء الأطفال، عن طريق آبائهم، أو بواسطة الغير، لاستعمالهم في التسول، وشدد الفريق على أن مسؤولية الدولة تكمن في حماية الطفولة، وضمان حقوق الأطفال في التربية والتعليم، وحمايتهم من الاستغلال.

ووقعت وزارة التضامن والأسرة، اتفاقية تعاون مع رئاسة النيابة العامة لمحاربة ظاهرة استغلال الأطفال في التسول، لكنها تظل غير كافية للتصدي للآفة، التي تحتاج إلى سن مقاربة وسياسات عمومية وتنموية ناجعة للحد من انتشار التسول في البلاد، خاصة وأن آخر إحصاء لأرقام المتسولين في المغرب يعود إلى سنة 2007، بـ 196 ألف متسول، مما يؤكد أن هذا الرقم قد ارتفع بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى