الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | محاولة اغتيال علال الفاسي

المهدي بنبركة للحقيقة والتاريخ "الحلقة 07"

تنشر لأول مرة

قضية المهدي بنبركة بقيت سرّاً غامضاً رغم انقراض ما يقارب ستة عقود على اختفاء هذا السياسي الكبير، ولكن اختطاف بعض المسؤولين المباشرين، أسهم في إرسال بعض الأضواء على جوانب مظلمة، مما كشف عن نوعية أجواء(…) القضية التي بقيت ماثلة كالطود، من جيل الستينات إلى اليوم.

تتمة المقال بعد الإعلان

والسلسلة التي تنشرها لكم “الأسبوع” اليوم وبشكل حصري، مُستخرجة من أوراق تركها مؤسس جريدتنا مصطفى العلوي، في خزانته الغنية، وهو الذي عاش ما قبل الاختطاف، وعايش ظروفه، وتعايش مع الأحداث التي أحاطت به، وجمع على مدى 60 سنة، ما يكفي من البيانات والصور، والوثائق والمراجع، وهي الأوراق نفسها التي نقدمها لكم وللتاريخ، ضمن حلقات “الحقيقة الضائعة”.

بقلم: مصطفى العلوي

    كان علال الفاسي، زعيم حزب الاستقلال، واحدا من الأهداف الأساسية لمنظمة “اليد الحمراء”، وجهاز “سديك”، ولكن التعمق في المخطط الذي رسمه هذا الجهاز لتصفية الزعيم المغربي، يدعو للكثير من التفكير. تقول الكاتبة نيكول أتیا، ابنة الإرهابي الكبير “جواتيا”، في كتابها “مذكرات أبي أتيا” أن “جواتيا” ((كلف من طرف جهاز “سديك” عن طريق منظمة فرعية أخرى كانت لها ميزانيتها الخاصة، باغتيال الزعيم علال الفاسي، وقد أسندت هذه المهمة إلى ثلاثة رجال:”جواتيا”، و”أنطوان نوتيني”، و”جان بالیس”))، ولا بد من إقفال القوس، بعد ذكر اسم جان باليس، وهو الرجل الذي كان له دور أساسي في اختطاف المهدي بنبركة، ولم يكن وحده، فعندما وصل جواتيا إلى طنجة، في طريقه إلى تطوان لاغتيال الزعيم المغربي، تعرف على رجل الاتصال لجهاز “سديك”، الذي فتح له الأبواب، وبلغه أنه مكلف بالحرص عليه، وإخراجه من المغرب بعد تنفيذ العملية، وهو “أنطوان لوبيز”، وكان رئيسا بمطار طنجة، مثلما كان أثناء عملية اختطاف بنبركة، المحرك الرئيسي لها، ورئيسا في مطار “أورلي”.

تتمة المقال بعد الإعلان

فالرجلان الأساسيان في محاولة اغتيال علال الفاسي، هما إذن، الرجلان الأساسيان في اختطاف المهدي بنبركة، وهما في كلتا الحالتين، عميلان لمنظمة “سديك”، سواء قبل استقلال المغرب أو بعده، وكانت ميزة الرجل المرافق لـ”جواتیا” و”جان باليس”، هي أنه كان أعرج، وهكذا كانت منظمة المخابرات الفرنسية تستعمل “أنطوان نوتيني”، لخبرته العسكرية، فقد سبق أن فقد ساقه في الحرب العالمية الثانية، ولصلاحية رجله الاصطناعية من الخشب، فقد كان يحشوها بالمتفجرات والأسلحة، وقد ألغى “جواتيا” مقامه في طنجة، وسفره لتطوان، وتوجه إلى مدينة قادس في كاتالونيا بإسبانيا، بعد أن وصلته برقية أخبرته بأن علال الفاسي يتواجد هناك، ولكنه تقابل في كاتالونيا مع الرسام “سالفاتور دالي” بدل لقائه بعلال الفاسي، فعاد أدراجه لطنجة ثم تطوان.

وفي تطوان، تلقى “باليس” أخبارا تفيد بأنه يجب اغتيال علال الفاسي ومعه رجلان آخران، لم يرد اسماهما في مذكرات “جواتيا”، ولكنهما لم يغتالا وحدهما، فقد اغتيل بدلهما أربعة رجال، فقد وضع الثلاثي الإرهابي قنبلة في سيارة السياسيين المغربيين، انفجرت في رجلين ثانيين ركبا السيارة، ثم التحق الثلاثي الإرهابي بالنزل الذي كان يقطن فيه المغربيان، ويحكي “جواتيا” لابنته: ((ولقد صعدنا إلى غرفتهما، وأطلقنا أربع عيارات، وانتهى الأمر))، وكان الزعيم علال الفاسي يسكن في نزل “دیرسا تطوان” الذي يملكه الثري المغربي محمد أبو العيش، في قلب مدينة تطوان، ويقول “جواتيا” أن “جان باليس” هو الذي وضع القنبلة في قاعة الاجتماعات التي كان سيدخلها علال الفاسي، ولكن عاملا للنزل، اكتشف الحقيبة، فتم إبطال مفعولها. 

وعند رجوعه لطنجة مرفوقا بشريكه في العملية، حكى “جواتيا” قصته للمسؤول عن المنظمة الرئيسية في طنجة (أنطوان لوبيز)، ولكن الهمجية التي كان “لوبيز” و”اتيا” يتصرفان بها، جعلت الشرطة الدولية تلقي عليهم القبض جمیعا بمطار طنجة، مشحونة حقائبهم وأمتعتهم بالسلاح، وتم اعتقال “لوبيز” و”جواتيا”، بينما هرب الآخران. وقتها اتصلت المنظمة الرئيسية “سديك” بمراسلها في طنجة، مندوب منظمة “السي. آي. إي”، المسمى “جيمي- براون”، لترتيب عملية هروبهما أو إخراجهما من السجن.. وفعلا، تم إخراج الإرهابيين، ليستأنفا نشاطهما، كما تم استرجاع “باليس”، ليلتقي مع رفيقه “لوبيز” في عملية اختطاف المهدي بنبركة، عشر سنوات فيما بعد، وقد تغيب “جواتيا” عن المشاركة في عملية المهدي بنبركة، لأنه كان في السجن، إثر اشتراكه في عملية تهريب العملة الجزائرية سنة 1964، وهي عملية لم يعتقل فيها “جواتيا” لأنه كان يهرب أموال المعمرين الفرنسيين من الجزائر بعد الاستقلال، ولكنه اعتقل لأنه كان يستولي على تلك الأموال، ولا يسلمها لأصحابها الذين كانوا ينتظرونها في التراب الفرنسي.

مثلما أجمعت كل وثائق محاكمة مختطفي المهدي بنبركة، الأولى والثانية، على ثبوت الدور الأساسي للمسمى “أنطوان لوبيز”، والمسمی “جان باليس”، وصدر الحكم في حقهما لا من أجل مشاركتهما في محاولة اغتيال علال الفاسي، وإنما في عملية اختطاف المهدي بنبركة، فإن كل الكتب والمنشورات، من صحف ومجلات، كانت وهي تتحدث عن قضية بنبركة، مجمعة على أن الروح المفكر والمدبر لعملية اختطاف المهدي بنبركة، كان هو الكولونيل “ميرسيي”، وهو الشخص الثالث الذي يجمع محاولة اغتيال علال الفاسي إلى عملية اختطاف المهدي بنبركة، وهي مصادفة لا علاقة لها بالغرابة أبدا، بل إن الأمر متعلق بمجرد استمرار للمخطط الجهنمي الذي رسمته منظمة “سديك”، وإنما ذاكرة الشعوب قصيرة، لذلك كانت العشر سنوات التي تفصل محاولة اغتيال علال الفاسي بعملية اختطاف المهدي بنبركة، كافية لقطع الصلة بين الحدثين، إلا أن رئيس الحكومة الفرنسية سنة 1966، الرئيس جورج بومبيدو فيما بعد، أبى إلا أن يجدد تلك الصلة، ويحرك الذاكرة الناسية للشعوب وللمهتمين، وفي مجال تحليله للضجة التي أحدثها اختطاف المهدي بنبركة، قال الرئيس بومبيدو أمام المجلس الوطني الفرنسي في جلسة سادس مايو 1966، ما يغني عن كل تعليق: ((إنه لمدة خمسة عشر عاما، اضطر جهاز “سديك” مدفوعا بالظروف، نحو التخصص في الأمور الاستعمارية، سواء في إفريقيا السوداء، والهند الصينية، والمغرب وتونس، وكذا الجزائر حيث طالت الحرب، ويجب علينا أن نقبل بالأمر الواقع، وخصوصا فيما يتعلق بنشاطه في السنوات الأخيرة، حيث كان جهاز “سدیك” غير مؤهل لأن يقبل أو يتأقلم حسب الظروف الناتجة عن اتفاقية “إيفيان”، بعد أن كان أعضاء وأطر “سديك” في حرب مع جبهة التحرير الجزائري، فلم يكن بإمكانهم أن يقبلوا باستقلال الجزائر)).

وحرص الرئيس بومبيدو على التذكير بفترة الخمسة عشر عاما، وتحديد رقعة النشاط السري للمنظمة يؤكد ضمنيا ما عرفته المنطقة من أحداث واغتيالات، سواء بعد مؤتمر “الكاف” بتونس، حيث اتخذت منظمة “اليد الحمراء” شكلها النهائي، أو قبل ذلك، حيث كانت الاغتيالات في المنطقة خاضعة لإرادة المعمرين الفرنسيين، کما يؤكد خروج المنظمة عن مراقبة أو نفوذ الحكومة الفرنسية، سواء في بداية مرحلة الخمسة عشر عاما أو في أواخرها، بدليل أنها كانت تغتال حتى الفرنسيين المتعاطفين مع القضية الوطنية المغربية، فهذه المنظمة هي التي اغتالت رجل الأعمال الفرنسي “لومیكر دوبروي” في شوارع الدار البيضاء، يوم 11 جوان 1955، لأن جريدته “ماروك بريس” كانت تتعاطف مع الوطنيين المغاربة، وكذلك اغتيال الوطنيين المغاربة عمر السلاوي والطاهر السبتي، وأحمد الديوري، وغيرهم من الذين لم تسمح مواقع سكناهم بمعرفة أسمائهم أو نشرها، كما أن المحاكم الفرنسية التي كانت تتولى الحكم على الفدائيين المغاربة، كانت تأتمر بأوامر خبراء منظمة “اليد الحمراء”، على الصعيد المحلي في كل من المغرب والجزائر وتونس، أما على صعيد السياسة العامة، فقد كانت منظمة “سديك” تتصرف عبر أجهزتها المختلفة.

ولقد توسعت الأجهزة المختلفة، وتعددت الأسماء، حتى عرفت فرنسا نفسها مرحلة من الفوضى تكاثر فيها القتلة، وتقاتلوا فيما بينهم، رغم ارتباطهم بجهاز واحد، مما دعا أحد أقطاب “سديك”، ضابط الشرطة “كاي”، الذي كانت له هو أيضا ذراع طويلة في قضية اختطاف بنبركة، دعا في كتاب له، إلى وضع حد لهذه الفوضى وقال: ((كان علينا أن نؤسس جهازا إضافيا اسمه “ب. ت. و” (بران تروست أوركانیزاسیون)، لتنسيق العمل بين مختلف المنظمات)).

 يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى