الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | تحالف المهدي بنبركة والمؤسسة الملكية

المهدي بنبركة للحقيقة والتاريخ "الحلقة 05"

تنشر لأول مرة

قضية المهدي بنبركة بقيت سرّاً غامضاً رغم انقراض ما يقارب ستة عقود على اختفاء هذا السياسي الكبير، ولكن اختطاف بعض المسؤولين المباشرين، أسهم في إرسال بعض الأضواء على جوانب مظلمة، مما كشف عن نوعية أجواء(…) القضية التي بقيت ماثلة كالطود، من جيل الستينات إلى اليوم.

تتمة المقال بعد الإعلان

والسلسلة التي تنشرها لكم “الأسبوع” اليوم وبشكل حصري، مُستخرجة من أوراق تركها مؤسس جريدتنا مصطفى العلوي، في خزانته الغنية، وهو الذي عاش ما قبل الاختطاف، وعايش ظروفه، وتعايش مع الأحداث التي أحاطت به، وجمع على مدى 60 سنة، ما يكفي من البيانات والصور، والوثائق والمراجع، وهي الأوراق نفسها التي نقدمها لكم وللتاريخ، ضمن حلقات “الحقيقة الضائعة”.

بقلم: مصطفى العلوي

  استهانة المهدي بنبركة بالقوات المواجهة، سواء منها التي كانت لا زالت تحتل الجزائر وتهدد باغتيال رئيس الدولة الفرنسية نفسه، وتلك التي لم تخرج بعد من المغرب كليا، يزاوجها عامل آخر، حقيقة الصراع الاستعماري الذي كان ذا أبعاد أكثر من سياسية أو اقتصادية، بل كانت طموحات الفرنسيين في المنطقة، طموحات دينية، غایتها کسر الدين الإسلامي، ولم تكن سنوات عديدة قد مضت على التصريح الذي أدلى به القطب الاستعماري الفرنسي جورج بيدو: ((إنني لا أقبل ولن أقبل أن ينتصر الهلال على الصليب))، فأجابه أحد فلاسفة الحركة الاستعمارية، ألكسندر ويرت، بقوله: ((وماذا يضرك أن يكون الصليب ممثلا في بونيفاس – الحاكم العسكري الفرنسي للدار البيضاء – أو في المصالح المالية، أو في الكلاوي؟)).

تتمة المقال بعد الإعلان

ولقد غادر بونيفاس المغرب بعد الاستقلال، ولكن المصالح المالية الفرنسية بقيت، كما بقي عدد كثير من العناصر التي أيدت الكلاوي رفضا للاستقلال، ودفاعا عن مصالحها، وعن أراضيها وممتلكاتها.

ولكن المهدي بنبركة لم يكن يترك فرصة تمر دون تصنيف نفسه واتجاهه، إلى جانب المشروعية المتمثلة في عاهل البلاد، محمد الخامس، الذي كان يرى فيه ملكا وزعيما ومحررا، وقائدا للتيار التحرري، المناهض للاستعمار، وهو التزام حرص المهدي بنبركة على تثبيته في عقيدة الحزب الذي أسسه في شتنبر 1959، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وقد أعلن في ديباجة میثاق الحزب عن الالتزام بما يلي: ((إقامة ديمقراطية واقعية تضمن لجميع المواطنين تسيير شؤونهم بأنفسهم، سواء على الصعيد الوطني أو المحلي، في دائرة ملكية دستورية تحت رعاية صاحب الجلالة الملك محمد الخامس))، وهو ولاء جدده في البرقية التي بعثها لعاهل البلاد، جلالة الملك الحسن الثاني بعد توليه الملك.

فصراع المهدي بنبركة كان إذن، محصورا في القوات الاستعمارية، وفيمن يحتمون بها، وبالتالي، فقد وضع شخصه حدا فاصلا للصراع العالمي بين القوات الإمبريالية المتحالفة فيما بينها، والقوية عسكريا وماليا، وبين الطموحات السياسية، والاختيارات الثورية لبعض الدول حديثة العهد بالاستقلال، والمعراة من كل دعم من القوات الاشتراكية العالمية، وهي مخاطرة كبرى تؤكد المعطيات كلها أنها كانت عنوانا لاستهانة المهدي بنبركة بالقوة الفعالة عالميا، من أجهزة المخابرات، واللوبي الإمبريالي، والعنف السري، حيث إنه، وهو الذي كان يقدر الواقع الداخلي المغربي، ويضرب له ألف حساب، لم يكن يواجه مناوئيه الداخليين بنفس الاستهانة، فكان لا يترك فرصة تمر دون أن يشدد على وفائه للملكية الدستورية، وبعد وفاة الملك محمد الخامس، في 26 فبراير 1961، سارع لبعث برقية تعزية للملك الحسن الثاني وإلى الدخول إلى المغرب، ولكن المحاولات السرية لإفساد علاقاته بالعاهل المغربي لم تتوقف، وهي محاولات كان المهدي بنبركة يرد عليها بتأكيد العداوة للعناصر التي كانت تقوم بدور فعال في المحيط الرسمي، فلم يثبت يوما، مثلا، أن شوهد المهدي بنبركة يسلم أو يصافح الضباط العسكريين أمثال أوفقير، أو المذبوح، بل لم يكن يترك فرصة تمر دون أن يقلل من أهميتهم، ويبذر أفكار الشك تجاههم وتجاه وطنيتهم، وكانت “طريق الوحدة” المشروع الذي كان فيه منسقا وكاتبا عاما، عبارة عن طريق وحدت شمالي المغرب وجنوبيه، ولكنها زادت من شساعة الهوة بين المهدي وضباط الجيش الذين كانوا آنذاك سامين في رتبهم، بحكم الدرجات التي أهلها لهم ماضيهم في الجيشين الفرنسي والإسباني، وكانوا بجانبه مسؤولين عن الخدمات التنظيمية والتموينية في مشروع “طريق الوحدة”.

وفشلت كل المحاولات التقريبية بين الاتجاهين، ولم تكن الحفلات ولا المآدب لتسمح بالتوفيق بين السياسي الذكي، والضباط الضروريين لتأسيس القوات المسلحة الملكية، والذين لم يكونوا أقل إخلاصا منه في أداء مهامهم.

ولقد أثبتت الأيام عبر السنين، مصداقية الأسلوب الذي اتبعه العرش المغربي في معالجة الأمور بتؤدة واتزان، سواء في مواجهة نوايا السياسيين أو العسكريين المتطرفين، أو المدفوعين بحكم عوامل خارجية، خروجا منطلقا من منظور الحدود، أو خروجا من منطلق الابتعاد عن معرفة الحقيقة المغربية، بينما لم يكن المهدي بنبركة يتمتع بالصبر والأناة، حتى يتمكن من قطف ثمار غرسه، أو يتمكن من تصديق بعد نظره، وتصليح بعض مساراته.

والحقيقة، أن الاستعجال الفوري عند المهدي بنبركة، كان على الصعيد الداخلي بالمغرب، يسابق استعجاله على الصعيد الخارجي، وكما لم تغفر له القوات التي كان يناهضها داخليا، فإن القوات التي نصب من نفسه عدوا لها خارجيا، كانت طويلة الباع في مجال التصفيات الجسدية، ولم يكن يهمها أن تضيف إلى لائحة ضحاياها الطويلة، اسما جديدا، ولا لجثث ضحاياها جدثا إضافيا.. إلا أنه من الخطأ الفادح، التفريق بين القوات التي كانت متواجدة في المغرب، مناوئة للتيار التحرري، ومغتاظة من الاستقلال المستعجل، وبين القوات الإمبريالية العالمية، فكلاهما كانتا تنهلان من معين واحد، هو السخط الاستعماري، وترضعان من ثدي واحد، هو جهاز العنف السري، وقد نشر ما يكفي من الحجج والدلائل على أن ذلك السرجان الذي أصبح فيما بعد الكابتان أوفقير، هو الذي بلغ لمنظمة المخابرات الفرنسية عن تواجد الزعماء الجزائريين الخمسة، بنبلة ورفاقه، في الطائرة التي كانت ستقلهم إلى تونس انطلاقا من المغرب، سنة 1956، حيث تم اختطافهم في الجو، وإنزالهم في مطار الجزائر، وهي عملية القرصنة التي ثار لها الملك محمد الخامس، وشن على إثرها ولي عهده الأمير مولاي الحسن، أكبر زوبعة صحفية ضد المخابرات الفرنسية، ولم يكن أي واحد يعرف وقتها أن عميلا للمخابرات الفرنسية يتواجد في موقع المعرفة والقرار في المغرب، وذلك الجهاز الذي نظم عملية القرصنة الجوية المذكورة سنة 1956، هو نفسه الذي كان متشبثا بالوجود الفرنسي في الجزائر، والذي لم يكن يحول بينه وبين تنفيذ خططه وتكريس بقائه في المنطقة أي حاجز، فلم يتورع في رابع دجنبر 1952 عن اغتيال الزعيم التونسي فرحات حشاد، وفي 11 يونيو 1955 عن اغتيال الصحفي الفرنسي المؤيد لمطالب المغرب بالاستقلال، لومیكر دوبروي، وفي 19 شتنبر 1958 عن اغتيال المسمى مارسيل ليوبارد، في جنيف، لأنه كان يبيع الأسلحة للثوار الجزائريين، وفي 2مارس 1959، عن اغتيال البائع المزود للثورة الجزائرية بالأسلحة، جورج بوشير، وفي 5 نونبر 1958 عن اغتيال السياسي الجزائري أيت الحسين، في تونس، واللائحة طويلة..

وكان زعيم إفريقي آخر قد سبق المهدي بنبركة إلى مجال مناهضة الاستعمار، وأسس مثل المهدي بنبركة “الاتحاد الشعبي للكاميرون”، فیلیكس رولاند موميي، الذي فجر فكرة الاختيار الثوري الاشتراكي في وسط إفريقيا، واتجه إلى الاتحاد السوفياتي طالبا دعم هذه الدولة العظمى لمساندة الشعوب الإفريقية وتخليصها من النفوذ الإمبريالي، ولجأ مثل المهدي بنبركة إلى جنيف، حيث وجهت إليه أجهزة المخابرات الفرنسية “عميلا” سبق له أن تعرف عليه في الكاميرون، كصحفي أمريكي معجب بالدعوة السياسية لفيليكس موميي، والتحق به في جنيف، حيث استدعاه للعشاء في واحد من أفخم المطاعم يسمى “صحن الفضة”، واستأنس الزعيم التقدمي موميي بصديقه القديم، ویلیام بیشتيل، الذي دس لـ”صديقه” في الطعام سما من صنف “الطاليوم”، الذي يقتل ببطء، ولا ينفع فيه تدخل أي طبيب أو دواء، ومات الزعيم الإفريقي في 4 نونبر 1960، فيما تولت أجهزة المخابرات الفرنسية تغيير سحنة وهوية الصحفي الأمريكي، الذي لم يكن في الحقيقة إلا فرنسيا، ضابطا في الجيش الفرنسي، ولكبر سنه، كانت المخابرات الفرنسية تتباهى بتسميته، أكبر جواسيس العالم سنا.

وقبل أن ينبري المهدي بنبركة لمصارعة الغول الإمبريالي وسط الغابة الإفريقية الموحشة المقفرة، كان زعيم إفريقي آخر قد سبقه لمواجهة ذلك الغول في تلك الأدغال، واسمه باتريس لومومبا، كان مثل المهدي بنبركة متأثرا بأفكار جمال عبد الناصر، مقتنعا بالآفاق الثورية لإفريقيا، واثقا من المنظمات الإقليمية والدولية، وعندما استقدم للكونغو، قوات أممية قصد تدويل الأزمة، تحالفت القوات البلجيكية والفرنسية، وأسندت الثانية إلى مصالح مخابراتها، مهمة تصفية الرجل، وذات يوم من شهر فبراير 1961، وجدت جثة باتريس لومومبا مرمية في الأدغال الإفريقية، على مرأى ومسمع من قوات الأمم المتحدة التي استنجد بها.

حقا، إن الزعامة مشتقة من المبادرة والمخاطرة، والسبق إلى مواجهة المواقف الخطرة، ولكن التغيرات التي طرأت على العالم منذ موت آخر دفعة من الزعماء، أعطت ما يكفي من البراهين على أن الكثير من الخطأ في الاختيارات التي كانت “عفيونا” في الستينات، خلصت نشوته على دعاته، وتركت المجال فسيحا أمام جيل جديد من الرؤساء الذين يتشاءمون من لقب الزعامة.

لقد اختار المهدي بنبركة في آخر أيامه، المقام في الجزائر، حيث توفرت وسائل التمهيد لحالة كان يعتبرها غايته المثلى، ولكن انشغاله بالقضايا الكبرى جعله مرة أخرى يستهين بما هو دونها، وهناك بالضبط، كان الخطأ القاتل.. فلقد بادرت أجهزة التصفية إلى وضع الخطوط العريضة لتصفيته في الجزائر، وفي شوارع الجزائر العاصمة، كان المهدي بنبركة يستقبل بحماس المعجبين الثوريين، تحت أنظار المجموعة التي كانت تخطط لتصفية الثوريين والتقدميين، ولتخريب الاقتصاد الذي كان المهدي بنبركة يراه نموذجيا، وكان يطالع في الصحف، في يناير 1965، جزئیات المؤامرة الفرنسية لتخريب الاقتصاد الجزائري، بتهريب الدينار المزور، وهي فضيحة كبرى كتبت عنها الصحافة العالمية الكثير، ولكن المهدي بنبركة لم يكن على ما يظهر، يهتم بأسماء أفراد العصابة الفرنسية، ولو كان فعل، لاحتاط منهم عندما جاءوه بمشروع الفيلم الذي طلبوا منه كتابة قصته، بينما لم يكن الفيلم إلا تعبيرا عن المخطط المؤامرة، إذ لم يكن الشريط المبسط، المجسم لحركة التحرير، أول مشروع فیلم يخطط له الارهابي فيكون، السفاك الفيلسوف، الذي كان ينتحل شخصيات متعددة، إحداها تلك التي صدقها المهدي بنبركة.. فكانت آخر غلطاته.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى