الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | غول المخابرات وبنبركة والثورة الجزائرية

المهدي بنبركة للحقيقة والتاريخ "الحلقة 04"

تنشر لأول مرة

قضية المهدي بنبركة بقيت سرّاً غامضاً رغم انقراض ما يقارب ستة عقود على اختفاء هذا السياسي الكبير، ولكن اختطاف بعض المسؤولين المباشرين، أسهم في إرسال بعض الأضواء على جوانب مظلمة، مما كشف عن نوعية أجواء(…) القضية التي بقيت ماثلة كالطود، من جيل الستينات إلى اليوم.

تتمة المقال بعد الإعلان

والسلسلة التي تنشرها لكم “الأسبوع” اليوم وبشكل حصري، مُستخرجة من أوراق تركها مؤسس جريدتنا مصطفى العلوي، في خزانته الغنية، وهو الذي عاش ما قبل الاختطاف، وعايش ظروفه، وتعايش مع الأحداث التي أحاطت به، وجمع على مدى 60 سنة، ما يكفي من البيانات والصور، والوثائق والمراجع، وهي الأوراق نفسها التي نقدمها لكم وللتاريخ، ضمن حلقات “الحقيقة الضائعة”.

بقلم: مصطفى العلوي

    كنت متعبا حين وصلت إلى غرفتي في أحد أوطيلات مدينة نيس الفرنسية، مساء الثالث عشرمن شهر مايو 1960، بعد رحلة بالقطار من باريس إلى نيس، حيث كنت مدعوا للحضور، كمغربي وحيد، في ندوة “الجمعية الفرنسية لأصدقاء الحرية”، وكادت غفوة النوم تأخذني حين سمعت صوتا في الغرفة المجاورة يتكلم مرتفعا، عرفت بعدها إنها الدارجة المغربية، وحاولت الاستسلام للنوم مرة أخرى لولا أن مكالمة الغرفة المجاورة طالت والصوت زاد ارتفاعا، فقمت مستنجدا بكل فضولي، لأنبه هذا المغربي المجاور بأن الوقت وقت نوم، وأن حدیثه يزعج الجيران، وطرقت باب الغرفة المجاورة طرقات خفيفة وإذا بالباب يفتح، والمهدي بنبركة بقامته القصيرة، يفتح مع الباب، عينين جاحظتين، ويصليني بزخم من الأسئلة، لم تتوقف إلا عندما عرف أني جئت لندوة هو نفسه مدعو إليها.

تتمة المقال بعد الإعلان

وأثناء الجلسات التي حضرها أقطاب الفكر والسياسة من مختلف دول البحر الأبيض المتوسط، كان المهدي بنبركة يتألق بتدخلاته ويتكلم باسم دول البحر الأبيض المتوسط المتغيبة، الجزائر ومصر وليبيا، وهو الذيأعطى الحرية مدلولا آخر غير الحرية المتوفرة شمالي هذا البحر والمنعدمة في جنوبيه، وفي شرقيه.

وأثناء حفلة العشاء التي نظمت مساء اليوم الأول، على شاطئ البحر، جلست وإياه إلى مائدة معزولة سرعان ما التحق بهاشخص ثالث يحمل مقعده ويقرض حضوره، وألقى علي المهدي نظرة لا يفهم معناها إلا المغاربة فيما بينهم، وجلس الرجل الثالث مقدما نفسه أنا “افنير”..عميد كلية العلوم السياسية في حيفا، إسرائيلي إذن، وراغب في الحوار.. واستمر الحوار طول مدة العشاء، حصل لنا خلاله اقتناع بأن إسرائيل تتوفر على ساسة إيجابيين وواقعيين، وعندما كان الإسرائيلي يقدم للمهدي بنبركة ولي، بطاقة تحمل اسمه وعنوانه، كان لسانه يلهج بالرغبة في أن يكون سعيدا بدعوتنا لإسرائيل، وعندما سارعت برد النظرة إلى المهدي، فوجئت به يعتذر، ويقول: ربما ألبي هذه الدعوة، ثم ينظر إلي قائلا: ((أما أنت يا مصطفی، فلا أرى لماذا ترفض الدعوة، إن الصحفي مطالب بأن يرى ويسمع، والصحافة فوق المواقف)).

وفي اليوم الثاني، وبينما كنت أمشي بجانب المهدي بنبركة على طول شارع “لا بروموناد دیزانكلي”، مال المهدي بنبركة يمينا ونزلنا إلى الشاطئ ماشيين بصعوبة على الأحجار الصلبة متحدثين عن دعوة الأمس، وكان المهدي يقنعني بمبدأ الحوار المفتوح. لقد كان مؤمنا بأن الحوار هو طريق الوصول إلى كل الحلول، ويرى أن الرفض هو نتيجة لمركب نقص خلقه فينا الاستعمار لتنقطع الصلات وتتفرق وجهات النظر، وتوسع الحديث ليشمل المغرب والصحافة والمشاكل المعهودة، حينما رجعنا يسارا نحو الفندق، لولا أن المهدي اتجه نحو أزقة مرتفعة، يمشي بعصبية وسرعة سألته خلالها، إلى أين نحن سائرون؟ وكان جوابه سريعا موجزا: “زید.. زيد” يعني، تقدم تقدم، وقلت له: إلى أين، إن الليل مقبل، فقال لي ما لم أنسه ولن أنساه: ((أنت صحفي؟أهكذا يكون الصحافيون؟يجب عليك أن تبحث دائما، وتعرف المزيد.. اتبعني وستری))، وطالت مسيرتنا وفهمت أنها بحثا عن شيء، فقلت له: ((وعماذا يبحث الصحفيون؟)) فأجابني: ((ألا تعرف من يسكن هنا في نيس؟)) لحظتها فقط، عرفت أنه على صواب.. لقد كان يبحث عن شخص هام يسكن المنطقة، وكنت فعلا سأحقق نصرا صحفيا كبيرا برؤيته، فقلت له: “بنعرفة؟”.

لقد كان المهدي يريد رؤية بنعرفة، العميل الذي نصبه الفرنسيون سلطانا على المغرب، بعد نفي رمز الحرية والاستقلال الملك محمد الخامس، وكان المهدي يعرف أنه يسكن في تلك المنطقة، ويتجول على رجليه يوميا، وقلت له: وإذا وجدناه، هل نكلمه؟ فأجابني: إذا وجدناه، سنضحك عليه.

ولم نجد بنعرفة، ولا ضحكنا عليه، وإنما كنت أحرص في زيارات عديدة بعد ذلك اليوم، على القيام بنفس الجولة، علني أرى بنعرفة، ولكني لم أجده أبدا، إلى أن سمعت أنه تزوج من بنت مغربية كان أبوها أحد رجال المقاومة الذين حملوا السلاح،لطرده من المغرب. 

في منتصف أبريل 1961، شدت رحال الصحافة العالمية إلى إيفيان، غير بعيد من مدينة جنيف بسويسرا، لحضور المفاوضات بين وفد جبهة التحرير الجزائرية والحكومة الفرنسية، وكانت إجراءات الأمن مشددة بشكل يفوق الوصف.. فقد كان الصحافيون جميعا يسكنون في جنيف، ويتنقلون إلى إیفیان بفرنسا لحضور أو شبه الحضور لجلسات المفاوضات، وقبل الدخول إلى إیفیان، كان الصحافيون يتوقفون في أحد القصور المتواجدة في المنطقة السويسرية، والتي يملكها أمير سعودي، وبها كان ينزل الوفد الجزائري، وبينما يتوجه الجزائريون المفاوضون بالطائرة الهليكوبتر إلى مقر المفاوضات في إيفيان، كنا نحن الصحافيين نتوجه بالسيارات، ونقدم لحراس الحدود بطاقة الاعتماد الصادرة عن الحكومة المؤقتة لجمهورية الجزائر، ممضاة من طرف المكلف بالإعلام، رضی مالك، وفي المساء، نعود إلى جنيف لحضور الندوة الصحفية اليومية، والحقيقة، أننا لم نكن نعرف شيئا عما يجري في إيفيان، وكنا نعود بسرعة إلى جنيف لنسمع الجديد..

وفي جنيف، عرفنا أن الندوة الصحفية، ولأسباب أمنية، سيعقدها الطرف الجزائري، ولكن على شاشة سينمائية، فالمتحدث يظهر على الشاشة والصحفيون يستجوبونه..منتهی الحرص، ومنتهی الاحتياط، وكان أول بيان سيقدمه الطرف الجزائري، حاظيا باهتمام فوق العادة، حيث تزاحمت القاعة، واشرأبت كل الأعناق، وبغتة، ظهر على الشاشة وجه کریم بلقاسم، مكبرا على حجم الشاشة السينمائية، وانطلق صوته من مكبرات الصوت، وكانت أول جملة قالها باللغة الفرنسية: ((أيها الإخوان، المهدي بنبركة يتحدث إليكم)). فليتصور المتصورون ماذا سيكون رد الفعل عند رجال الصحافة العالمية، ولست مبالغا إذا قلت إني رأيت بعض الصحفيين يغادرون محلاتهم لنقل الخبر قبل الاستماع لما سيقوله المهدي بنبركة، أما ما قاله المهدي بنبركة، فلم يكن إلا مقدمة للفصل الجديد في حياته، والذي نقله من مرحلة مصارعة حزب سياسي مغربي، وخوض معركة محلية، إلى صعيد الصراع العالمي، ذلك الغول المخيف الذي التهم، عبر السنين والأجيال، أغلب رواد النادي الدولي للمغامرات السياسية.

وإذا كانت مفاوضات إیفیان، نفسها، ليست في الحقيقة إلا حلقة من صراع حاد بين الجنرال دوكول،وبين جيشه الذي تمرد عليه في الجزائر في إطار سلسلة مؤامرات ابتدأت منذ 16 شتنبر 1959، وكان آخرها بالضبط يوم 22 أبريل 1961، ثلاثة أسابيع فقط قبل أن يقف المهدي بنبركة متحدثا باسم جبهة التحرير الجزائرية، ومتحديا جبهة الجنرالات الفرنسيين، أقطاب التمرد العسكري الذيكاد أن يودي بحياة محرر فرنسا نفسه، الجنرال دوكول، بعد أن كاد الجنرالات:سالان، جوهو، شال، وزيللير، أن يعلنوا إقامة دولة منفصلة عن فرنسا، وبالضبط، فرنسا ثانية في الجزائر، وإذا كانت القوات الاستعمارية الفرنسية قد شكلت في مواجهة جيش التحرير الجزائري، عصابات تسمى “الأووايیس” کامتدادلعصابات “اليد الحمراء” التي تشكلت بالمغرب، لتصفية الوطنيين المغاربة، والمتعاطفين معهم من الفرنسيين الأحرار، وإذا كان تكوين هذه العصابات وهذه التمردات، عسكريا محضا، مؤطرا بكبار الضباط الفرنسيين الذين خاضوا حروب الفيتنام، وقبلها الحرب العالمية الثانية، وتربوا على القتل والسفك والذبح في المغرب والجزائر وتونس، وإذا كنا نعرف أن بقايا هذا الجيش كانت وقتها لا زالت متواجدة في المغرب المستقل، حالة في وضع قواعد غير بعيدة من الحدود الجزائرية، وحالة في شكل مدارس لتكوين الجيش المغربي، وحالات في شكل عملاء وخبراء وزملاء مغاربة يعملون بالجيش المغربي، بعد أن غيروا الزي العسكري الفرنسي بالزي العسكري المغربي، ولم يكن من السهل ولا من المنتظر، أن يغيروا عقلية تكوينهم، ولا طريقة معاملتهم للظروف والأحداث، ولا نظرتهم إلى زعيم مغربي أسهم في تغيير خريطة وضعية كانوا فيها هم وآباؤهم أسيادا محميين بأكبر جيش وأعظم دولة، إذا كان هذا هو الوصف الموجز للتشكيلات التي كانت في كل حالاتها تجد أمامها عنصرا متحركا، داخليا وخارجيا، اسمه المهدي بنبركة، اتضح نوع المعاملة التي سيلقاها هذا السياسي المغربي، داخليا، عبر بقايا ومخلفات التواجد الفرنسي، وخارجيا عبر الأجهزة القمعية الإرهابية الاستعمارية، بينما كان المهدي مدفوعا بحماس فوق اللزوم، جرده من الواقعية والإيجابية والحيطة، إلى متاهات لم يكن هو أول ضحاياها، مثلما لم یكن آخرها. 

وكان المهدي بنبركة، قد مهد لهذا الدخول الجريء، في صراع مع جبابرة الجيش الفرنسي، بتقرير قدمه أمام اللجنة التنفيذية لمنظمة تضامن الشعوب الإفريقية الآسيوية خلال اجتماعها ببيروت في العاشر من نونبر 1960، استنجد فيه بدعم الدول الإفريقية الآسيوية، لطرد الوجود الفرنسي من الجزائر، منددا بالتواجد العسكري الفرنسي المتبقي في المغرب، وقال: ((إن مهمتنا الآن هي الانتقال من مرحلة التصريحات إلى مرحلة الأعمال، واليوم نجد مرة أخرى شعب أقطار المغرب العربي موحدا كما كان من 1953 إلى 1955، في جبهة للكفاح المسلح ضد الجهاز الاستعماري))، ولم يترك الفرصة تمر دون تجديد عدائه للقوات الداخلية التي تقاسمت مع حزب الاستقلال تحمل المسؤولية الحكومية في المغرب، طاعنا بذلك في تحالفه مع القصر، ذلك التحالف الذي تجسد في تعامله تحت قبة المجلس الوطني الاستشاري، فربط أعداءه وأعداء الثورة الجزائرية، وعداءه للاحتلال الفرنسي، وللمصالح التي بقيت في المغرب بعد الاستقلال، وقال أمام نفس اللجنة: ((ولكن تلاقي المصالح الاستعمارية، وأهداف سياسة الاستعمار المقنع الجديد، مع تلهف الوصول إلى الحكم لدى عناصر محلية نصف إقطاعية، ولدى البورجوازية الكبيرة المعادية للشعب، ولدى سماسرة الشركات الأجنبية، جعل الأمور تتطور في اتجاه آخر، وقد أدى تسلط بعض القادة وبعض المرتبطين بهذه المصالح المختلفة، على قيادة الحركات الوطنية، إلى تجميد الطاقات الشعبية)).

يتبع  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى