للنقاش

للنقاش | نزاهة واستقامة القضاة تحت المجهر

مشروع قانون المفتشية العامة للشؤون القضائية

بقلم: ذ. عبد الرحيم بن سلامة

أستاذ باحث

تتمة المقال بعد الإعلان

    بعد مرور خمس سنوات على صدور القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، قدمت الحكومة في شخص وزيرها للعدل، مشروع قانون المفتشية العامة للشؤون القضائية إلى البرلمان، قصد المصادقة عليه، وذلك عملا بأحكام المادة 53 من القانون التنظيمي للسلطة القضائية والذي جاء فيه: ((يتوفر المجلس على مفتشية عامة للشؤون القضائية يحدد القانون تأليفها واختصاصاتها وقواعد تنظيمها وحقوق وواجبات أعضائها.

ويشرف على المفتشية العامة للشؤون القضائية، مفتش عام يعين بظهير من بين ثلاثة قضاة من الدرجة الاستثنائية، باقتراح من الرئيس المنتدب للمجلس، بعد استشارة أعضاء المجلس لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، غير أنه يمكن وضع حد لهذا التعيين قبل ذلك)).

تتمة المقال بعد الإعلان

وجاء في المادة 54 من نفس القانون: ((تحدث هيئة مشتركة بين المجلس والوزارة المكلفة بالعدل تتولى التنسيق في مجال الإدارة القضائية وتعمل تحت إشراف كل من رئيس المجلس والوزير المكلف بالعدل، كل فيما يخصه، بما لا يتنافى واستقلال السلطة القضائية.

ويحدد تأليف الهيئة المذكورة واختصاصاتها بقرار مشترك للرئيس المنتدب للمجلس والوزير المكلف بالعدل، وينشر هذا القرار بالجريدة الرسمية…)).

وورد في المادة 110 من نفس القانون، أنه ((يتلقى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، تقارير حول وضعية القضاة ومنظومة العدالة، ولا سيما تقارير كل من الرئيس الأول لمحكمة النقض والوكيل العام للملك لدى محكمة النقض حول تنفيذ السياسة الجنائية وسير النيابة العامة، وتقرير الوزير المكلف بالعدل حول سير وأداء الإدارة القضائية وحصيلة منجزاتها وبرامج عملها، وكذا وضعيات المهن القضائية وتقرير المفتشية العامة للشؤون القضائية بخصوص الوضعية العامة للقضاة والحكامة الجيدة لهؤلاء، والمنصوص عليها في الدستور)).

وقبل الشروع في تحليل مواد مشروع قانون المفتشية العامة للشؤون القضائية الذي يشتمل على 36 مادة ومذكرة تقديم هذا المشروع الذي أعدته وزارة العدل، علينا أن نتطرق بإيجاز إلى النظام الذي كان مطبقا بخصوص المفتشية العامة لوزارة العدل.. فقد جاء في المادة 12 من المرسوم رقم 298.385 الصادر في 23 يونيو 1998، والمحدد لاختصاصات وتنظيم وزارة العدل، أن المفتشية العامة تقوم تحت السلطة المباشرة لوزير العدل، بالتفتيش المستمر بالمحاكم وفقا للشروط المنصوص عليها في الظهير رقم 338/74/1 المؤرخ في 15 يوليوز 1974، بشأن التنظيم القضائي للمملكة، وكذا تفتيش المصالح التابعة لوزارة العدل.

ويقصد بتفتيش المحاكم، حسب نفس الظهير، تقييم وتسيير المحاكم بصفة خاصة، وتسيير المصالح التابعة لها والتنظيمات المستعملة، وكيفية تأدية موظفيها وكتاب الضبط لعملهم وفق الظهير المذكور، الذي أوضح أنه يمكن لوزير العدل، الذي حل محله الآن رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، أن يعين قاضيا أو عدة قضاة من المجلس الأعلى (المجلس الأعلى للسلطة القضائية حاليا)، أو ممن يزاولون عملهم بالإدارة المركزية بالوزارة، للقيام بتفتيش المحاكم، غير المجلس الأعلى (محكمة النقض التي حلت محله) أو للبحث في وقائع محددة.

ويتوفر المفتشون على سلطة عامة للتحري والتحقيق والمراقبة، ويمكنهم على الخصوص، استدعاء القضاة وموظفي المحاكم والاستماع إليهم والاطلاع على جميع الوثائق المفيدة، إلا أنه إذا كانت التحريات تتعلق بقاضي، فإن المفتش لا بد أن يكون من نفس الدرجة أو أعلى منها، وأن تقارير التفتيش ترسل حالا إلى وزير العدل مع تضمينها لمستنتجات التفتيش.

وقد خول هذا القانون لوزير العدل، تتبع ثروة القضاة، وأعضاء عائلاتهم، حيث يحق له بعد موافقة المجلس الأعلى، أن يقدر ثروة القضاة بواسطة التفتيش.

ويستشف مما سبق، أن دور المفتشية العامة في ظل وزير العدل، تقوم بدور مراقبة المحاكم والقضاة عن طريق التقارير التي يتوصل بها وزير العدل، حيث يصدر بشأنها تعليماته وفق ما ينص عليه الظهير السالف الذكر.

ما هو الجديد في مشروع المفتشية العامة للشؤون القضائية الحالي ؟

    لقد تأخر تقديم الحكومة لهذا المشروع لعدة سنوات، وبعد التشاور بين وزارة العدل التي أعدت قانون المفتشية العامة للشؤون القضائية والمجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة، وبعد إحالته على الجمعيات المهنية للقضاة من أجل إبداء ملاحظاتها بشأنه، ها هو مشروع القانون يرى النور بمضامين جديدة واختصاصات مختلفة غير تلك الاختصاصات التي نص عليها المرسوم رقم 298.385 المؤرخ في 23 يونيو 1998.

يقول وزير العدل محمد بنعبد القادر، أن إعداد مشروع قانون المفتشية العامة للشؤون القضائية يندرج في سياق استكمال البنيات الأساسية للسلطة القضائية بالمغرب، وتمكينها من الآليات القانونية الكفيلة بضمان النزاهة والشفافية والحكامة والنجاعة في تدبير المرفق القضائي.

ويهدف نص المشروع، وفق المذكرة التقديمية لوزير العدل، إلى تعزيز الثقة والمصداقية في القضاء، باعتباره الحصن المنيع لدولة الحق والقانون، والرافعة الأساسية للتنمية.

ويحتوي هذا القانون على 36 مادة كما ذكرنا موزعة كالآتي: أحكام عامة، تأليف المفتشية القضائية، اختصاصات المفتشية العامة، التفتيش القضائي المركزي للمحاكم، التفتيش القضائي اللامركزي للمحاكم، الأبحاث والتحريات، الحقوق والواجبات، ومقتضيات ختامية.

تأليف المفتشية العامة للشؤون القضائية

    تتألف المفتشية القضائية من مفتش عام ونائب له ومفتشين مساعدين وموظفين، ويتم تعيين المفتش العام بظهير شريف من بين ثلاثة قضاة من الدرجة الاستثنائية، باقتراح من الرئيس المنتدب للسلطة القضائية بعد استشارة أعضاء المجلس، وذلك لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، غير أنه يمكن وضع حد لهذا التعيين قبل انصرام هذه المدة.

تتولى المفتشية العامة مهمة التفتيش القضائي المركزي لمحاكم المملكة (رئاسة ونيابة عامة)، وتتبع التفتيش القضائي اللامركزي والإشراف عليه، ودراسته ومعالجة الشكايات التي يحيلها عليها الرئيس المنتدب، وإعداد دراسات وتقارير حول وضعية القضاة ومنظومة العدالة، كما يمكنها أن تقوم بالأبحاث والتحريات في شأن التقارير المرفوعة للمجلس من قبل كل قاض اعتبر استقلاله مهددا، كما يمكن للمفتشية العامة – بعد موافقة الرئيس المنتدب- كلما وقفت هيأة التفتيش بمناسبة قيامها بتفتيش إحدى المحاكم، على إخلال منسوب لقاض من قضاة الأحكام أو قضاة النيابة العامة، أن تقوم بالأبحاث والتحريات اللازمة بالمكان، مع إشعار المجلس ورئيس النيابة العامة إذا تعلق الأمر بقضاة النيابة العامة، وقد يكون الخلل المنسوب إلى القاضي محل متابعة تأديبية، فإن الأبحاث والتحريات تكون بواسطة مفتشين اثنين على الأقل يعينهما المفتش العام من درجة تفوق أو توازي درجة المعني بالبحث.

ويمنح نص المشروع صلاحيات واسعة للمفتشين المكلفين بالبحث والتحريات، من بينها الحصول على معلومات من إدارة الدولة والمؤسسات العامة والمؤسسات الخاصة، بما فيها المؤسسات البنكية وشركات الاتصال، ولا يمكن مواجهة المفتشين بمناسبة القيام بمهامهم بالسر المهني، سواء من طرف إدارة الدولة أو المؤسسات العامة أو الخاصة، إذا كان التفتيش موجها من المفتش العام إلى مسؤولي الإدارة أو المؤسسات بناء على طلب يوجهه المفتش العام إلى مسؤولي الإدارة أو المؤسسة، وللمفتشين الاطلاع على ملف القاضي المعني بالتفتيش، كما يجوز للقاضي الاطلاع على ملفه لمعرفة ما هو الشيء المتابع من أجله ليجيب عن التهم الموجهة إليه ،وعلى التقارير المنجزة من لدن المسؤولين  القضائيين – رؤساء ووكلاء الملك – بخصوص سلوكه وأدائه لمهامه، وعلى كافة الوثائق التي يرونها مفيدة في الأبحاث والتحريات، مع أخذ نسخ منها، والاستماع إلى القاضي المعني، وإلى كل من يرون ضرورة الاستماع إليه، والتحقق من المعلومات المحصل عليها بكافة الوسائل المتاحة.

ويلتزم المفتش العام ونائبه وقضاة وموظفو المفتشية العامة، بعدم إفشاء المعلومات والوثائق التي يطلعون عليها بمناسبة مزاولة لمهامهم، ويبقى هذا الالتزام قائما ولو بعد انتهاء مدة عملهم بالمفتشية العامة تحت طائلة المساءلة.

ويعتبر إفشاء المعلومات والوثائق التي يجب المحافظة على سريتها لغير الأجهزة المعنية بها، إفشاء للسر المهني.

ولا يجوز إسناد مهمة تفتيش محكمة لمفتش سبق أن اشتغل فعليا بها قبل مضي ثلاث سنوات.

المفتشية العامة للشؤون القضائية وثروة القضاة

    نصت المادة 107 من القانون المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية على ما يلي: ((يكلف الرئيس المنتدب للمجلس، بتتبع ثروة القضاة، ويحق له دائما، بعد موافقة أعضاء المجلس، أن يقدر ثروة القضاة وأزواجهم وأولادهم بواسطة التفتيش. 

ويمكن أن يكون موضوع متابعة تأديبية، كل قاض ثبتت زيادة ثروته زيادة ملحوظة لا يستطيع تبريرها بصورة معقولة)).

وتشير المادة 12 من مشروع القانون، الذي نحن بصدد تقييمه، إلى أنه ((يمكن للمفتشية العامة للشؤون القضائية، أن تطلع على التصريح بالممتلكات الخاصة بالقضاة وأزواجهم وأولادهم، وذلك بناء على أمر وتكليف من الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، كما تطلع المفتشية على كل ما ينسب إلى القضاة من خلل مادي أو عملي، وعلى التقارير المنجزة حوله من لدن المسؤولين القضائيين بخصوص سلوكه المادي وأدائه لمهامه، وعلى كافة الوثائق المقيدة في الأبحاث والتحريات، مع الاستماع إلى القاضي المعني، وإلى كل من هو جدير بالاستماع إليه حول ما هو منسوب إليه من أفعال هل هي أفعال حقيقية أم مجرد ادعاءات وأقوال)).

إن مشروع قانون المفتشية العامة للشؤون القضائية، بصدوره والتصويت عليه في البرلمان، تستكمل به البنيات الأساسية للسلطة القضائية ببلادنا، وتمكينها من الآليات القانونية لضمان النزاهة والشفافية والحكامة والنجاعة في تدبير المرفق القضائي، والانتظارات الكبرى منه لتعزيز الثقة والمصداقية في القضاء، باعتباره الحصن المنيع لدولة الحق والقانون، والرافعة الأساسية للتنمية التي يوليها عاهل البلاد عناية خاصة.

تعليق واحد

  1. كنت ضحية لعدم نزاهة القضاء حيث مورست علي سياسة التعتيم والظلم . هل فعلا ستنصفني هذه المفتشية العامة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى