الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | عندما أغضب بنبركة الفرنسيين وأبعد الاستقلاليين عن الحكم

بوادر مشروع المهدي "الحلقة 03"

تنشر لأول مرة

قضية المهدي بنبركة بقيت سرّاً غامضاً رغم انقراض ما يقارب ستة عقود على اختفاء هذا السياسي الكبير، ولكن اختطاف بعض المسؤولين المباشرين، أسهم في إرسال بعض الأضواء على جوانب مظلمة، مما كشف عن نوعية أجواء(…) القضية التي بقيت ماثلة كالطود، من جيل الستينات إلى اليوم.
والسلسلة التي تنشرها لكم “الأسبوع” اليوم وبشكل حصري، مُستخرجة من أوراق تركها مؤسس جريدتنا مصطفى العلوي، في خزانته الغنية، وهو الذي عاش ما قبل الاختطاف، وعايش ظروفه، وتعايش مع الأحداث التي أحاطت به، وجمع على مدى 60 سنة، ما يكفي من البيانات والصور، والوثائق والمراجع، وهي الأوراق نفسها التي نقدمها لكم وللتاريخ، ضمن حلقات “الحقيقة الضائعة”.
بقلم: مصطفى العلوي

    لم تكن مقابلتي الأولى للمهدي بنبركة مشجعة ولا ذات مرامٍ، ولكنها كانت بالدرجة الأولى زيارة استكشاف لهذه الشخصية التي كان اسمها يهز المغرب، ولهذا المكتب الذي أطبقت شهرته الآفاق، ورغم الساعة المتأخرة التي استقبلني فيها، كانت قاعات الانتظار مليئة، وكان بين تلفون وآخر يشير إليّ بالجلوس رغم أنه كان واقفا طول الوقت، إلا أن غايته من مقابلتي كانت ملفوفة في قليل من الإعجاب والتهديد، وهل يقدر شاب صحفي مبتدئ أن يدخل في نقاش مع شخصية قوية کالمهدي، تنحني لأوامره التلفونية قامات المسؤولين الكبار، ولا زالت مجموعات مسلحة في مختلف نواحي المغرب تأتمر بأمره، بينما المدير العام للأمن الوطني، محمد الأغزاوي، ينتظر منه التعليمات، مثل سائر المديرين الآخرين، إلا أنه في مقابلات أخرى، أصبح يعطيني مقابل بعض الإعجاب، مزيدا من الفرص لتمتين أواصر الصداقة معه، وكنت أفهم بصعوبة، تلك الأفكار الغامضة التي يخصني بها، ويريدها أن تؤثر في مقالاتي وتحقيقاتي، فقد كان الرجل طوال مهامه في المجلس الوطني، يخطط لمشروعه الكبير، جمع أكبر عدد من الطاقات الشابة والحية، ضد الحزب الذي كان هو أحد المسؤولين الكبار عنه، كان يمهد لتجريد حزب الاستقلال من الهالة الكبرى التي أحاطه بها استقلال المغرب، ولكنها، في تلك الأثناء، كانت غاية لا تتكامل صورتها إلا في ذهن المهدي بنبركة وحده.

وهكذا يمكن تصنيف حزب الاستقلال على رأس اللائحة الطويلة للأجهزة التي تكن له كل كراهية، وتضمر له كل شر، وعندما أعلن انتفاضة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، في يناير 1959، عرفت فقط من كان حريصا على انتقادهم بمحضري، ووصفهم بأقبح الأوصاف.

وعندما أوعز بإصدار لائحة من أسماهم بالخونة، ضمت كل الإقطاعيين وكبار المتعاونين مع الاستعمار، وطالب بتجريدهم من ممتلكاتهم، دخل في صراع مباشر مع الفرنسيين الذين كانوا ينظرون بعين العطف إلى حلفائهم السابقين، ولم يتحمل الفرنسيون الذين كان عدد كبير منهم لا زال متواجدا في المغرب على رأس مصالح كبرى، هذه الضربة القاسية، ووضعوا خطا أحمر تحت اسم المهدي بنبركة، صاحب المشروع، وربما وخزوا بعنف تلك العناصر المعتدلة التي كانوا ينتظرون منها أن تكون كبيرة التأثير في سير الأحداث بالمغرب، لولا أن السرعة التي كان يسير بها المهدي بنبركة، داست في طريقها حكومة الرئيس المرحوم مبارك البكاي، وهو الذي كان يحمل العصا من الوسط، في خط معتدل بين التطرف السياسي، والسير البطيء المتفق عليه في “إیكس لیبان”.

وقبل أن يحقق حزب الاستقلال غايته ويشكل حكومة منسجمة استقلالية برئاسة الحاج أحمد بلافريج، تبنی الملك محمد الخامس بنفسه ضمان الحقوق الشعبية على التساوي، وأصدر ما سمي بالعهد الملكي في ثامن ماي 1958، إلا أن المهدي بنبركة بقي يشكل محور النشاط السياسي بعد أن تحمل الحزب ثقل المسؤولية الحكومية، وكان مشروع طريق الوحدة أول تجربة صهرت في بوتقة التجنيد الوطني، كلا من الشباب (حوالي خمسة عشر ألف شاب)، والقوات المسلحة الملكية، والأطر التنظيمية، في إطار عملية توحيد شمالي المغرب وجنوبيه عبر طريق جبلي كان مشروع المهدي بنبركة، هو إنجازه بسواعد الشباب، وتحت الرئاسة الشرفية للملك محمد الخامس، والتسيير الفعلي لولي العهد الأمير مولاي الحسن، فيما عين المهدي بنبركة كاتبا عاما للمشروع، وبذلك أصبح يشتغل يوميا ويدا في يد مع ولي العهد والملك المقبل للبلاد، وكانا بلباس “الأوراش” لا يتوقفان عن زيارة مخيمات الشباب، وتناول الوجبات تحت الخيام، وعندما استجوبت المهدي بنبركة في العدد الثالث عشر من مجلتي “المشاهد” عن مغزى مشروع طريق الوحدة، قال لي: ((إن الفكرة هي نتيجة لخطة رسمها جلالة الملك في خطاب العرش الأخير، يطالب فيها بتجنيد جميع المواطنين لبناء صرح الاستقلال، ويظهر في هذا النداء، الذي وجهه جلالة الملك لبناء الطريق، تطابق المشروع لفكرة كانت تخامرنا ونحن ما نزال في فترة الكفاح لإعادة وحدة الأمة، بتنظيم شبه نظام مدني يطالب به كل شاب على غرار الخدمة العسكرية الإجبارية)).

نموذج آخر للامتثال والإيجابية قدمه المهدي بنبركة، حينما أسهم بنصيب وافر في إرساء قواعد الوحدة المستقبلية للمغرب العربي، وفي أعقاب مؤتمر طنجة، (أبريل 1958) اختير المهدي بنبركة ممثلا للمغرب في وفد متألف من فرحات عباس، مندوبا عن الثورة الجزائرية، والباهي الأدغم، عضو حزب الدستور التونسي، لتقديم رسالة المؤتمر إلى الرئيس الحبيب بورقيبة، وملك ليبيا آنذاك، في نفس الفترة أيضا، قام المهدي بنبركة بزيارة رسمية لمصر تقابل فيها مع الرئيس جمال عبد الناصر الذي استقبله بصفته أحد بناة الاستقلال المغربي، ولكنه استقبال في نفس الوقت، جعل القوات الإمبريالية تصنف المهدي من بين العناصر ذات الاختيارات الثورية، فزادت خطا أحمر آخر تحت اسمه، وزادت صفحته لدى المعنيين بمصالح الفرنسيين في المغرب، تسويدا، ولم تكن هذه الصفحة في حاجة إلى زيارة كهاته لتصنيف المهدي بنبركة، فقد سبق له أن دخل في صراع مع المسؤولين عن المخيم السنوي في “تیومليلين” قرب مدينة أزرو بالأطلس المتوسط، حيث كان بعض الرهبان الفرنسيين يحاولون الإبقاء على اتصالات روحية بين الكنيسة والمغرب، ولا تقبل إلا الأولاد البربريين، أو أبناء أقطاب القبائل بالمغرب، مما أثار حفيظة الكنيسة على المهدي بنبركة الذي هدد بإغلاق المخيم سنة 1958، وهكذا نجد للمهدي بنبركة رصيدا حافلا في مجال التصرف الوطني المتماشي مع الاختيارات الملكية، والمتوافق مع الخطة الإجماعية لبناء مغرب عربي مسلم، ملكي ودستوري.. ولو أضيفت هذه الفترة التاريخية من الممارسة في ظل المشروعية بجانب ولي عهد المغرب، الذي كان بدوره متحملا لمسؤوليات جسام في بناء المغرب المستقل، لتبين مقدار الاستئناس بين المهدي بنبركة والحكم في المغرب، ذلك الاستئناس الذي بدأ سنة 1942، عندما عين أستاذا للرياضيات لولي العهد الأمير مولاي الحسن، ومرورا بسنة 1943، حيث قدم لعاهل المغرب، الملك محمد الخامس، أول تقرير حول إمكانيات تعليم المرأة بالمغرب، ذلك التقرير الذي أتبعه العاهل المغرب بقراره التاريخي والتقدمي، فتح أبواب التعليم أمام المرأة، ونبذ ابنته الأميرة عائشة للطقوس التي تحول دون تقدم المرأة.

لكن أول حلقة انكسرت بين المهدي بنبركة وبين المسؤولين في المغرب، كانت قرار طرده من إدارة جريدة “الاستقلال”، بعد أن أعلن أن ((المقاومة المغربية، وجيش التحرير المغربي، هما ترکیب جماهيري عام من عامة الشعب، وليسا وقفا على حزب الاستقلال))، ورغم أن الأبواب الأولى سدت في وجه المهدي بنبركة من طرف حزبه، فإن علاقاته مع الدولة ككل، بقيت قائمة، والمؤامرات التي أصبحت تحاك ضده بقيت محجبة.

ويقينا منه، وثقة في إطار العمل السياسي في المغرب، وتماشيا مع الخطة الديمقراطية في تعدد الأحزاب وممارسة الديمقراطية، أعلن في 25 يناير 1959 عن تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، محققا بذلك الانقلاب الذي كان يتحدث عنه في كل خطبه، والذي كان يفسر في المجالس والتقارير تفسيرات مختلفة ومخيفة، ورويدا رويدا، أخذ المهدي بنبركة يفسر مدلول الانقلاب، وفي تطوان، صرح يوم 31 يوليوز 1958، أمام تجمع لحزب الاستقلال بقوله: ((ينبغي أن يتكون لدى جميع العاملين، الشعور بالحاجة إلى تنظیم انقلاب داخل الحزب، لأن هذا الشعور سيجعلنا ندرك بأننا في طريق تحقيق هذا الانقلاب))..

والحقيقة المجردة، هي أن مصاعب المهدي بنبركة لم تبدأ إلا عندما نظم انقلابه على حزب الاستقلال، ولا يمكن القول بأن حركته كانت حركة معارضة مقنعة للحكم المغربي، فقد أظهرت الأيام أن حزب الاستقلال، المنقسم، لم يكن على اتفاق تام مع القصر الملكي، فقد سارع العاهل المغربي إلى تكليف عبد الله إبراهيم، المتعاطف مع حركة المهدي بنبركة، لتشكيل حكومة وطنية، وبذلك، حقق المهدي بنبركة إحدى أمنياته، حين أبعد حزب الاستقلال عن الحكم، ولمدة طويلة.

 

يتبع

تتمة المقال بعد الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى