الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | “بين السرجان الحيحي”.. والمهدي بنبركة

في قلب الصراع مع المخابرات العالمية "الحلقة 02"

تنشر لأول مرة

قضية المهدي بنبركة بقيت سرّاً غامضاً رغم انقراض ما يقارب ستة عقود على اختفاء هذا السياسي الكبير، ولكن اختطاف بعض المسؤولين المباشرين، أسهم في إرسال بعض الأضواء على جوانب مظلمة، مما كشف عن نوعية أجواء(…) القضية التي بقيت ماثلة كالطود، من جيل الستينات إلى اليوم.
والسلسلة التي تنشرها لكم “الأسبوع” اليوم وبشكل حصري، مُستخرجة من أوراق تركها مؤسس جريدتنا مصطفى العلوي، في خزانته الغنية، وهو الذي عاش ما قبل الاختطاف، وعايش ظروفه، وتعايش مع الأحداث التي أحاطت به، وجمع على مدى 60 سنة، ما يكفي من البيانات والصور، والوثائق والمراجع، وهي الأوراق نفسها التي نقدمها لكم وللتاريخ، ضمن حلقات “الحقيقة الضائعة”.
بقلم: مصطفى العلوي

  عندما سارعت الحكومة الفرنسية إلى الاستجابة للمطلب الأساسي لشعب المغرب، بإرجاع جلالة الملك محمد الخامس وعائلته من المنفى السحيق، في نونبر 1955، ولبت مطالبه بالاستقلال التام، في أعقاب مفاوضات “إیكس لیبان”، فإنها كانت بالدرجة الأولى مستعجلة في إطفاء جذوة الثورة التي اندلعت بالشمال الإفريقي، والحد من خطر فقدانها للجزائر التي كانت تعتبرها “جزء لا يتجزأ من التراب الفرنسي”، إضافة إلى هلعها من تعريض مصالحها بالمغرب وتونس، حيث كان التواجد الاستعماري متمثلا في النعيم الاقتصادي الذي كان يعيش فيه المعمرون الملاكون للأراضي، وأصحاب المعامل والشركات، وعندما قبلت الدخول في مفاوضات مستعجلة تستهدف التوازن بين تمتيع المغاربة بالاستقلال، والنظر بعين الاعتدال لأرباب المصالح الفرنسية في المغرب، فإنها كانت تسابق الزمن، فقد سارت الحركة الوطنية المغربية، على الخصوص، بسرعة لم تكن في حسبان الخبراء الاستعماريين، ولا ضباط الاستعلامات الفرنسية.

ولكن الدوامة التي دخل فيها المغرب غداة الاستقلال، كانت أسرع بكثير مما كانت تتوقعه الحكومة الفرنسية، إذ سريعا ما أفلت الزمام من أيديها، ودخل المغاربة، كبارا وصغارا، في سباق مع الزمن لم يشهد له تاريخ المنطقة مثيلا.

وكان جيل الاستقلال، شيبا وشبابا، وهم الذين سبق أن “رأوا صورة ملكهم في القمر”، يرونه مخترقا شوارع مدنهم محمولا على الأعناق، مقتنعا بأن الحلم أصبح حقيقة، والاستقلال أصبح في متناول الأيدي، وكل شيء أصبح ممكنا، فلا غرو أن تتلاحم الجهود، لكسب الزمن الضائع، والمشي بسرعة أكبر، وعاش المغرب في تلك الفترة ضربا من ضروب الخيال.

ولم يبق أمام الفرنسيين، بعد أن أفلت الزمام من أيديهم، إلا اللجوء إلى المناورة، وبث عناصر الفرقة والتشتيت، ووضع لغم أمام كل باقة ورد، وبث صوت نشاز وسط السمفونية الشعبية.. وتلك قواعد اللعبة لولا أن المغاربة وقتها لم يكونوا، بحكم ظروفهم، عارفين بأصول اللعبة إلا نزر يسير منهم.

وكانت شخصية الملك محمد الخامس بمثابة صمام الأمان لوضعية مرتبكة، رصيده الكبير هو حب الجماهير، وثقة الجميع، فكان لهب الفوضى يخبو بإشارة من يده، وحماس التطرف يعتدل بكلمة من توجيهه، مثلما القلوب كلها تهفو لنظرة من عينيه، وفيما كانت ظروف الصراع الكبير من أجل الاستقلال، وظروف المنفى في كورسيكا، ومدغشقر، قد جعلت من ولي عهده، مولاي الحسن، سیاسيا بارعا ومفاوضا فذا، أهلت ظروف حزب الاستقلال، وهو الذي كان الحركة الوطنية التي تسلمت مهام تأطير الجماهير، بمشاركة معتدلة من حزب الشورى والاستقلال، لبروز شخصیات متفاوتة الوزن والدهاء، لا يتنازع اثنان في أن أثقلها وزنا وأكثرها مفعولا، كان اسمه المهدي بنبركة.

وفي مواكبة السير السريع، كان الملك المرحوم محمد الخامس، يشهد عن قرب تواجد ضابط من الجيش الفرنسي، يقوم بمهمة “الياوور”، يسير هو أيضا بسرعة فائقة، في طرق الولاء والوفاء، ولكن في حدود مهمته الثانوية، فكان رحمه الله، يسميه: “السرجان”، وبعد مدة طويلة، وبعد أن عرف اسمه، أصبح يسميه “السرجان الحيحي”، ورغم أن “السرجان” كان من رتبة “كابتان”، فقد تعود الملك العظيم على تسميته بالسرجان، مما دعا هذا الأخير يوما إلى الاستنجاد بولي العهد، القائد الجديد للقوات المسلحة الملكية، مولاي الحسن، مترجيا أن يحظى لدى السدة العالية بتسميته باسمه الحقيقي، ورتبته الحقيقية، “الكابتان أوفقير”.

هكذا كانت أوضاع المغرب غداة الاستقلال، ولكن الشارع السياسي لم يكن مغمورا إلا بالحب المتبادل بين العرش والشعب، ولم يكن أحد يعرف شيئا عن “السرجان الحيحي”، إلا أن جيل الاستقلال كان يعرف وبدأ يعرف شيئا اسمه التأطير السياسي، تارة باسم التشكيلات الشعبية للمحافظة على النظام، وتارة عبر افتتاحيات الصحف، وأخرى عبر تنظيم أول عملية شعبية لمحاربة الأمية، ولكن الجماهير الشعبية لم تكن تعرف، حقيقة الصراع الذي حبلت به الأيام بين “السرجان الحيحي”، أو “الكابتان أوفقير”، وبين الدينامو المحرك لحزب الاستقلال، المهدي بنبركة.

ولقد نما إلى علم العاهل المغربي، هذا الذكاء الزائد، والوطنية الصادقة، والإرادة الجبارة عند المهدي بنبركة، وعندما أسس أول مجلس وطني استشاري كإطار للتوازن الاجتماعي والسياسي بالمغرب، وكلبنة للهياكل الديمقراطية التي كان يتوق إلى إقامتها، ورغم أن اتجاه حزب الاستقلال، كان نسبيا يشكل أقلية في ذلك المجلس، الذي راعى كل القوات الأخرى المتواجدة بالبلاد، فإن المرحوم محمد الخامس أوصى بأن يكون المهدي بنبركة أول رئیس لأول مجلس استشاري مغربي، وبذلك كرمه ووضعه على منصة الانطلاق، وفعلا، كان الرجل على مستوى المسؤولية، ولكن المهدي كان، كسائر المغاربة، يسير بسرعة تفوق الوصف والخيال.

في تلك المرحلة، التي كانت مطبوعة بالتلاحم الصادق والبديهي بين الملك المحرر والشعب المتحرر، كان المهدي بنبركة واعيا بحتمية الوضوح، وبجلاء الرؤيا، خلال مرحلة إرساء أسس الدولة المغربية المستقلة، لذلك برع في توثيق عرى الحاضر بالحلول الحاضرة والمستقبلية، فكان واضحا في طرحه للنقط الأساسية التي سترتبط على مدى سنوات طوال بالواقع المغربي:

أولها: الملكية الدستورية.

ثانيها: إتمام الوحدة الوطنية.

ثالثها: إطار الاختيارات العقائدية.

وألقى أمام المجلس الاستشاري الوطني، بصفته رئيسا متمتعا بكل الصلاحيات، خطابا حدد فيه مواقف شعب المغرب، في صبح استقلاله، تجاه هذه النقط الثلاثة. ففيما يتعلق بالنقطة الأولى قال في خطابه :((لقد اخترنا بالنسبة للمجال السياسي، تحت قيادة ملكنا محمد الخامس، بناء الديمقراطية في إطار ملكية دستورية، ونحن نعتقد أن قيمة المؤسسات تتحدد بالهياكل التي تقوم عليها)).

وفيما يتعلق بالنقطة الثانية، أكد المهدي بنبركة في نفس الخطاب: ((إن النظام الاستعماري قد خلف عددا من المشاكل، کوجود الجيوش الأجنبية، والنزاعات الحدودية التي تواجهنا مع فرنسا وإسبانيا، اللتين اقتسمتا المغرب في بداية القرن وفقا لمصالحهما الإمبريالية)).

أما فيما يهم الاختيارات العقائدية، ونلاحظ هنا بعد النظر عند الرجل، فقد قال: ((إن الاستعمار الفرنسي والإسباني قد استغل الوضع الذي كان عليه الإسلام في المغرب خلال فترة العزلة، حيث كان المغرب أبعد ما يكون عن الإسلام الحقيقي، ولذلك، فقد استغل الاستعمار هذا الجمود وجعل منه واجهة إيديولوجية من أجل التبشير والدعاية للقدرية والاستسلام، لكن شباب المغرب ابتعدوا عن هذا الإسلام، وباتصال مع حركة التجديد التي عمت أرجاء العالم الإسلامي، بدأت معالم إسلام قوي وحقيقي تظهر في المغرب)).

ولكن المهدي بنبركة، الرئيس المتزن، والعصبي في رئاسة بعض الجلسات، كان سرعان ما يتحول بمجرد الدخول إلى مكتبه، من سيادة الرئيس إلى الرحى السياسية الدائرة بدون توقف، ولا رحمة في معاملته للظروف ولا للأشخاص، وما إن مضت أسابيع قليلة حتى كان جشع الحكم والتسيير قد أخذ بتلابيبه، وأصبح الرجل الآمر والناهي، والمقرر والمنفذ، وهو المسؤول الوحيد الذي كان يتوفر على مكتبين اثنين في غرفة واحدة، واحد للأوراق والملفات، والثاني للتلفونات التي كانت تتعدى العشرين خطا في مكتبه، وكان بارعا في استعمالها، والإجابة بسرعة غريبة على كل واحد منها، وكثير هم الذين كان يتركهم معلقين في الانتظار على الخط، فقد كان يعطي تعليماته في خط لوزير، ويأخذ معلومات على خط آخر من مدير، ويملي افتتاحية “العلم” على خط آخر، ويرد عليها بإملاء افتتاحية باللغة الفرنسية لجريدة “الاستقلال”، والخطوط الأخرى مخصصة لتتبع أنشطة الاتحاد المغربي للشغل، وأجهزة المقاومة، والأحزاب السياسية الأوروبية، ومنظمات الكشفية، وتنظيمات الشباب، وتتبع غير متوقف لتعيينات رجال السلطة، وكثيرا ما كان يحضر اجتماعات اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال بوساطة الخط التلفوني، ويتدارس مع أعضاء اللجنة السياسية للحزب، وأغلبهم في الدار البيضاء، ما يرتئيه من ردود فعل تجاه الزعامة التي كان يسميها رجعية للحزب، مجتمعة في اللجنة التنفيذية.. لقد كان مكتبه، في قصر “المامونية” الذي أصبح اليوم وزارة للعدل، عبارة عن مصنع للأفكار، وجهاز للمراقبة، وجحيم بالنسبة لمن كانوا يشتغلون معه.

في هذه الظروف، قدر لي أن أعرف المهدي بنبركة، وربما كنت قبل ذلك، واحدا من مجموعة محصاة على رؤوس الأصابع من الشباب المتحرك، فقد كنت وقتها أصدر مجلة “المشاهد”، وكانت إحدى أوسع وأجمل المجلات المغربية التي واكبت استقلال المغرب، مدفوعة بحكم الحماس الشعبي لمسايرة الأحداث عبر الاهتمام بأنشطة جلالة الملك محرر البلاد، وأنشطة الحزب الكبير آنذاك، حزب الاستقلال، حيث كان الجميع ينظر إلى الزعيم المرحوم علال الفاسي، نظرة تقديس، إلا أنني لم أفهم لماذا هوجمت يوما على صفحات جريدة أسبوعية كانت تسمى “الشباب”، يشرف عليها الصحفي المرحوم عبد الرحمان السايح، الذي هاجمني رغم صداقتي له، وبدون مبرر، وعندما سألته، نصحني بالاتصال بالمهدي.. وقتها فقط عرفت أن المهدي بنبركة كانت له أيضا اليد الطولى في إملاء افتتاحیات جريدة “الشباب”.

 

يتبع

تتمة المقال بعد الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى