للنقاش

للنقاش | إلى متى سيظل مشروع القانون الجنائي الجديد متعثرا بمجلس النواب ؟

بين المصادقة والتأجيل

ينص مشروع القانون الجنائي على جرائم جديدة، من بينها تجريم الاختفاء القسري، وتجريم تهريب المهاجرين، وتجريم استفادة الغير بسوء نية من الجرائم المالية المتعلقة بالاختلاس والغدر والرشوة واستغلال النفوذ، وتجريم الإبادة، بالإضافة إلى جرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.

بقلم: د. عبد الرحيم بن سلامة

أستاذ باحث

    أبرز مقتضى جديد تضمنه مشروع القانون الجنائي، هو تجريم الإثراء غير المشروع، بهدف تعزيز منظومة مكافحة الفساد، ويتجلى هذا الإثراء في الزيادة الكبيرة وغير المبررة للذمة المالية للشخص الملزم بالتصريح الإجباري للممتلكات أو ذمة أولاده القاصرين الخاضعين للتصريح مقارنة مع مصادر دخله المشروع دون استطاعته إثبات المصدر المشروع لتلك الزيادة، مع العلم أن التصريح بالممتلكات العقارية والمنقولة، يخضع لها جميع الملزمين الذين يمارسون مسؤوليات عمومية أو انتخابية.

ويوجه الملزم تصريحه الإجباري بالممتلكات إلى المجلس الأعلى للحسابات، وكلما وقع أي تغيير في ذمة المعني بالأمر أو زوجه أو أولاده القاصرين، عليه الإخبار بذلك في أقرب أجل ممكن.

وقضاة المجلس الأعلى للحسابات عليهم، قبل ممارسة مهامهم لأول مرة، أن يصرحوا بممتلكاتهم العقارية والمنقولة.

وهكذا تنص المادة 184 من مدونة المحاكم المالية على الآتي: ((يجب على كل قاض، قبل تعيينه، أن يصرح كتابة بشرفه، بما يملكه من عقار وقيم منقولة، وبما يملكه منها زوجه وأولاده القاصرون)).

وإذا كان الزوجان معا ينتميان إلى المحاكم المالية، يجب أن يدلي كل واحد منهما بتصريحه على انفراد، وأن يقدم الأب التصريح المتعلق بالأولاد القاصرين، وكل تغيير يطرأ على الوضعية المالية للمعني بالأمر، يجب أن يقدم بشأنه في الحال تصريح إضافي طبق نفس الشروط.

والغاية من التصريح بالممتلكات، تتجلى في بيان الإثراء في الزيادة الكبيرة غير المبررة للذمة المالية للشخص الملزم بالتصريح الإجباري للممتلكات أو ذمة زوجه وأولاده القاصرين.

وينص مشروع القانون الجنائي على أنه: ((يعد مرتكبا لجريمة الإثراء غير المشروع ويعاقب بغرامة مائة ألف درهم إلى مليون درهم، كل شخص ملزم بالتصريح الإجباري بالممتلكات))، ويهم ذلك كل شخص منتخبا كان أو معينا في مهمة ويمارس مسؤولية عمومية.

وتجدر الإشارة إلى أن الإثراء بلا سبب، نص عليه المشرع في القانون المدني قبل مشروع القانون الجنائي رقم 10.16 الحالي بسنوات عديدة، فقد نص قانون الالتزامات والعقود الصادر في 12 غشت 1913 في فصوله من 66 إلى 76، على أحكام ومقتضيات الإثراء بدون سبب أو دون وجه حق، لكن مشروع القانون الجنائي الذي قدم إلى البرلمان في نطاق إصلاح منظومة العدالة، جرم الإثراء غير المشروع أو بدون سبب، وكانت الغاية من ذلك، محاربة الفساد المالي والاغتناء غير المشروع وحماية المال العام.

غير أن مشروع القانون الجنائي رقم 10.16 أحالته الحكومة السابقة على مجلس النواب في يونيو 2016، وهو يقضي بتغيير وتتميم مجموعة القانون الجنائي، لكنه بقي حبيس لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب، بسبب خلافات بين البرلمانيين حول بعض مقتضياته الجديدة، وكانت الحكومة السابقة قد أحالت المشروع على مجلس النواب في يونيو 2016، لكن مسار دراسته والتصويت عليه عرف تعثرا كبيرا بسبب غياب التوافق بين مكونات الغرفة الأولى حول مضامينه، وعلى الخصوص تلك المتعلقة بتجريم الإثراء غير المشروع.

وقد حصل لمشروع هذا القانون ما حصل لمقترح قانون تقدم به حزب الاستقلال في فترة السبعينات اختار له شعار “من أين لك هذا؟”، حول نفس الغاية، أي “الإثراء غير المشروع”، لكنه لم ير النور وبقي في رفوف البرلمان.

فمشروع هذا القانون الذي وراءه وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان والعلاقات مع البرلمان، مصطفى الرميد، أصدر بشأنه هذا الأخير مذكرة توضيحية مؤخرا قال فيها: ((إن بعض الفرق النيابية ماطلت في إتمام مسطرته التشريعية، مما أدى إلى انتهاء الولاية التشريعية السابقة دون المصادقة عليه)).

وأوضح الرميد ضمن مذكرته، أنه ((عشية اختتام دورة أكتوبر من السنة التشريعية الحالية، بادر رئيس مجلس النواب، بموجب رسالته المؤرخة بتاريخ 9 فبراير 2021، إلى إحاطة الحكومة علما برغبة أعضاء مكتب لجنة العدل والتشريع في التفاعل الإيجابي مع اقتراحهم بشأن تحديد تاريخ للتصويت على مشروع القانون))، وأضاف الوزير قائلا: ((بالنظر لكون الولاية التشريعية الحالية على وشك الانتهاء، فإنه يتعين بذل المجهود اللازم في إطار ما يقتضيه ذلك من تعاون وثيق بين الحكومة والبرلمان، وتفاعل إيجابي مع تطلعات مختلف الفاعلين لإتمام الدراسة والتصويت على هذا النص الهام قبل اختتام الدورة التشريعية الحالية، حرصا على تنفيذ أحكام الدستور وتحقيقا للمصلحة الوطنية وتعزيز للحقوق والحريات.

وفي حالة لم يوفق مجلس النواب في المصادقة النهائية على هذا المشروع البالغ الأهمية قبل نهاية الولاية التشريعية الحالية، سينضاف إلى مشاريع قوانين تنظيمية عمرت في البرلمان لسنوات طويلة دون أن تخرج إلى حيز الوجود.

لكن نأمل أن يرى هذا المشروع الهام النور، لأنه جاء بعدد من المقتضيات، من بينها ما يسمى العقوبات البديلة في إطار الضغط على المحاكم والسجون ومعالجة أشكال الاعتقال الاحتياطي من خلال فرض هذه البدائل الجديدة للعقوبات، وجاء بعقوبة تجريم التعذيب والاتجار بالبشر، وكذلك تقليص عقوبة الإعدام إلى حوالي النصف)) يقول الوزير.

كما أن مقتضيات تعديل مشروع القانون الجنائي لها ارتباط كبير بالنقاش العمومي، وبالأزمة الاقتصادية وبمحاربة الفساد والتوزيع العادل للثروة، وبتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة التي ينص عليها الدستور، وتجريم الإثراء بدون سبب، باعتباره مقتضى جديدا جاء به مشروع هذا القانون ستكون له تداعيات على حماية المال العام، وسيكون له أثر على ردع كل الممارسات غير المشروعة، كما من شأن هذا القانون، ممارسة الرقابة على مسؤولي وموظفي الدولة عموما والذين قد يدخل البعض منهم إلى الإدارة على مستوى معين من المعيشة، وبقدرة قادر تصبح له ثروة تظهر عليه من المستحيل أن تكون من مصدر غير مصدر الإدارة التي يعمل بها.

إن مشروع هذا القانون من شأنه تدعيم مقاربة الدولة في إطار محاربة الفساد والتقليص من مجموعة من الاختلالات الكبرى المرتبطة باستغلال النفوذ والفساد والرشوة، وهما آفتان تنخران جسم الإدارة المغربية، بالإضافة إلى محاربة جريمة غسيل الأموال.

وباختصار، فإن هذا القانون الجنائي الجديد، إذا خرج إلى حيز الوجود، فسيكون له طابع الردع العام وزجر جميع وسائل الأفعال الجرمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى