روبورتاج

ربورتاج | لماذا تتجاهل الحكومة إنقاذ مصفاة “لاسامير”

نحو جبهة وطنية لإنقاذ قطاع المحروقات

تعد شركة “لاسامير” من أشهر الشركات الوطنية في التسعينيات، وقد كانت تشكل محورا أساسيا في سوق المحروقات بالبلد، لكن الشركة تعرضت لعدة اختلالات وهزات، بسبب التدبير الارتجالي بعدما تمت خوصصتها وبيعها لرجل الأعمال السعودي، العامودي، الشيء الذي أدخل المصفاة في دوامة من المشاكل أدت به قضيتها إلى دواليب القضاء.
فقد شغلت قضية “لاسامير” الرأي العام الوطني منذ سنوات، بسبب تفويتها لرجل الأعمال السعودي، الذي لم يلتزم بالشروط واتفاق الاستثمار الذي وعد به، مما أدى إلى تفاقم الأزمة وسقوط الشركة في مشاكل مادية وإدارية وتدبيرية، حيث كان بإمكان الحكومة السابقة التدخل للحد من تطور الأزمة.
مراحل كثيرة مرت بها “لاسامير”، بداية من تفويت الشركة سنة 2006 لمؤسسة العامودي، ثم الاختلالات المالية التي عصفت بها سنة 2013، لكن الحكومة غير واضحة في تحديد مسار ومستقبل الشركة والعمال الذين يعيشون معاناة منذ توقف نشاطها، فكيف سيكون مصير الشركة؟ وهل ستستفيد الدولة من ممتلكاتها؟

الرباط. الأسبوع

مطالب بإعادة إحياء “لاسامير”

    عادت قضية “لاسامير” من جديد للبرلمان بعدما حذرت المستشارة البرلمانية رجاء كساب من أزمة شركة “لاسامير” التي وصلت إلى القضاء منذ عام 2016، بعدما قصرت المقاولة في تلبية ديونها وأصبحت تعاني من أزمات مالية بشكل مستمر.

واعتبرت كساب، في مداخلة لها بمجلس النواب، أن “إعدام” هذه المصفاة النفطية سيكلف المملكة ثمنا كبيرا بقطاع الطاقة، لأن الحكومة تخسر مليارات من الدراهم بشكل سنوي لأجل أخذ المحروقات، داعية الحكومة إلى التكفير عن أخطائها واسترجاع أصول الشركة التي تمتلك فيها أكثر من 60 بالمائة من المديونية.

وتقوم عدة هيئات تضم أحزابا ونقابات ونشطاء مدنيين، بالدعوة إلى إعادة إحياء المصفاة، عبر زيادة مطالب للحكومة بإنقاذ الشركة، وتم توجيه مقترحات تشريعية بهذا الخصوص عبر البرلمان.

حكم قضائي

    قضت المحكمة التجارية في الدار البيضاء، بالإذن باستمرار نشاط شركة “لاسامير” لمدة 3 أشهر أخرى، بحيث يهدف هذا الحكم الجديد، إلى السماح للاستمرار في السعي لاستئناف الإنتاج بالمصفاة وحماية مصالح الدائنين وحقوق العمال، في خطوة تفتح أبواب الأمل عبر هذا الحكم من أجل إنقاذ هذه الشركة الوطنية.

وقررت المحكمة مصادرة الممتلكات العقارية والنقدية والعينية التي توجد في ملكية أعضاء المجلس الإداري للشركة، والذين تسببوا في إفلاس مصفاة “لاسامير”، حيث تم تأييد الحكم الابتدائي الصادر في حق الشركة ومديرها السابق، جمال باعامر، وأداء غرامة قيمتها 37 مليار درهم، كما حكمت بتجريد محمد العامودي، المدير التنفيذي، من صلاحياته التجارية لمدة خمس سنوات،

وقد زكت محكمة النقض القرار الذي اتخذته محكمة الاستئناف بالدار البيضاء بخصوص التصفية القضائية للشركة، بحيث دخلت “لاسامير” منذ سنة 2016 تحت الإدارة القضائية من طرف المحكمة التجارية، للحفاظ على المعدات والتشغيل.

فقد جاء الحكم لتمهيد الطريق للحكومة من أجل تفويت الشركة المصفاة إلى الدولة، وهو الحل الذي يضمن حقوق العمال، لكن موقف الحكومة ظل غير واضح، لأنها ترفض لحد الآن مناقشة مشروع القانون المتعلق بالتصويت لصالح الدولة، مما يطرح تساؤلات حول سبب صمت الحكومة.

 

مبادرات تشريعية

    تقدمت “الجبهة الوطنية لإنقاذ مصفاة لاسامير”، بمقترح قانون في البرلمان، يقضي بتفويت الشركة لفائدة الدولة، لإعادة إحيائها من جديد، حيث لقي المقترح موافقة أربع فرق برلمانية، ورغم ذلك، لم تهتم به الحكومة ولم تبد أي تجاوب مع هذه المبادرة، رغم أنها تحمل حلولا تضمن حقوق العمال وترفع المعاناة وتخلق التوازن في سوق المحروقات.

فمقترح القانون ينص على تفويت أصول الشركة لحساب الدولة المغربية، من حيث جميع الممتلكات والعقارات والرخص المملوكة لشركة “لاسامير” مطهرة من الديون والرهون والضمانات، بما فيها الشركات الفرعية التابعة لها، ومساهمات الشركات الأخرى.

ويوصي المقترح بمنح وزارة الاقتصاد والمالية الصلاحية للقيام بالإجراءات الضرورية لنقل الملكية لحساب الدولة المغربية، والشروع في استئناف إنتاج المحروقات بشركة “لاسامير”، مما سيقدم حلولا كبيرة لسوق المحروقات ويقطع الاحتكار الذي يؤثر على القدرة الشرائية للمواطنين ويخفض الأثمان.

وأكد الفريق الاستقلالي بمجلس النواب، على أهمية تفويت أصول الشركة المغربية “لاسامير” لحساب الدولة، من أجل تأميم المصفاة وإعادة تشغيلها، نظرا لدورها في تطوير الصناعات النفطية ومختلف الخدمات المرتبطة بها.

موقف غامض للحكومة

    لم تقدم الحكومة أي جواب بخصوص المطالب والمقترحات البرلمانية، حيث اعتبرت “الجبهة الوطنية لإنقاذ مصفاة لاسامير”، أن الحكومة اتخذت موقفا سلبيا، يلغي كل تعاون في تدبير التصفية القضائية لشركة “لاسامير”، تاركة المحكمة التجارية بالدار البيضاء وحيدة في مواجهة ملف معقد، وغير قادرة على تقديم الأجوبة وعرض التوضيحات المطلوبة أمام الأطراف التي قد يهمها اقتناء المصفاة، ولا تلك المتعلقة بالتصور الاستراتيجي الحكومي لقطاع الطاقة الأحفورية.

فقد طالبت عدة جهات بضرورة تفويت الممتلكات التي تتوفر عليها شركة “لاسامير” إلى الدولة، منها شركات وفروع ومعدات وآليات في ملكية المؤسسة، التي سيكون مصيرها مجهولا وقد يطالها النسيان بسبب الإهمال وغياب الصيانة والمراقبة، مما دفع بهيئات نقابية وحزبية إلى مطالبة الحكومة بالتعامل بوضوح مع قضية ممتلكات “لاسامير” وتفويتها إلى الدولة.

مسؤولية الرباح

    رفض عزيز الرباح، وزير الطاقة والمعادن، المقترحات التي تقدمت بها الفرق البرلمانية إلى وزارته من أجل إيجاد صيغة وتسوية قضية “لاسامير”، عبر تفويت جميع ممتلكاتها للدولة، حتى تكون في حماية تامة عوض أن تظل مهملة بدون تدبير ولا مواكبة، مما قد يؤدي إلى اختفاء هذه المؤسسة بعد سنوات، لكن الرباح يرى أن الحل الوحيد أمام الشركة، هو تفويتها لأحد المستثمرين، لأن قرار التصفية موجود.

فعدم تجاوب الرباح مع المقترحات والمطالب التي تقدم بها البرلمانيون والنقابيون، تطرح الكثير من التساؤلات والغموض حول تهرب الوزير وعدم جديته في هذا الموضوع الذي يشغل الرأي العام الوطني، لاسيما وأن “لاسامير” تتوفر على معدات وتجهيزات كبيرة تقدر بالملايير، ليبقى السؤال المطروح: لماذا لا تشتري الحكومة أصول الشركة وتقوم بتفويتها إلى الدولة، قصد إعادة نشاطها مع بقية الشركات الأخرى التي تشتغل في المجال؟

مصير مجهول للعمال

    بالمقابل، يعيش أطر وعمال شركة “لاسامير” ظروفا صعبة ناتجة عن الواقع الغامض والمستقبل المجهول، في ظل رفض الحكومة تسوية الملف المتداول في المحاكم، والذي تدفع ثمنه الطبقة العاملة التي تعتبر ضحية الأخطاء الجسيمة للحكومة المغربية في تدبير ملف مصفاة “لاسامير” من الخوصصة حتى اليوم.

فقد احتجت النقابة الوطنية لصناعات البترول والغاز، على ما أسمته “تملص السنديك من مسؤولياته في الحوار مع النقابة الأكثر تمثيلا، وإبرام الاتفاق الاجتماعي الضامن لحقوق المأجورين”، معلنة أنها تحتفظ لنفسها بحق اللجوء لكل الخيارات والإجراءات المتاحة، من أجل حماية وضمان حقوق العمال، وفضح كل الممارسات والسياسات المضرة بمصالح الشركة والهادفة لإقبارها وتشريد العاملين بها، ويدعو كل العاملين بشركة “لاسامير” إلى الرفع من درجة اليقظة والتعبئة للانخراط في كل الصيغ النضالية والمبادرات التي سيعلن عنها في حينها، ويؤكدون أنه “بدون تعاون الحكومة عبر توضيح مستقبل صناعات تكرير البترول، فإن المغرب سيمضي في مراكمة الخسائر الفادحة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى