روبورتاج

ربورتاج | كيف تحولت الصحافة الإلكترونية من الخبر إلى “البوز”

أكدت الصحافة الإلكترونية مكانتها داخل المشهد الإعلامي المغربي، من خلال منافستها للصحافة التقليدية والإعلام المتلفز، خاصة بعد الثورة التي عرفتها البلاد في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، حيث أن الانتشار الكبير الذي عرفته الصحافة الإلكترونية جعل منها ظاهرة إعلامية جديدة مؤثرة في الرأي العام، كما أنها أضحت مصدرا مهما للمعلومات والأخبار، لاسيما مع الإقبال الكبير على استعمال الأنترنيت من قبل الناس للوصول بشكل سريع للمعلومة وبأقل تكلفة.

إعداد: خالد الغازي

    ارتفعت وتيرة إنشاء المواقع الإلكترونية بشكل كبير في المغرب مع فترة الربيع العربي، حيث قرر العديد من النشطاء والإعلاميين تأسيس مواقع خاصة، بحيث ساهمت حرية إنشاء المواقع على شبكة الأنترنيت في نشوء الصحافة الإلكترونية الوطنية والجهوية، ودخل هذا المجال حقوقيون وإعلاميون ومنتمون لأحزاب وجمعيات.. وهذا لا يمنع من القول أن بعضالمواقع انحرفت عن مسارها المهني والرسالة التي جاءت بها في الأول، بعد ظهور مواقع جديدة تعتمد على مواقع التواصل الاجتماعي مختصة في”البوز” و”التفاهة” والتراشق الكلامي بين فئات من المجتمع، وتضخيم قضايا ومشاكل بعض الناس وتحويلها إلى قضايا رأي عام،الشيء الذي جعل الإعلام الإلكتروني يعيش أزمة أخلاقية وأزمة ضوابط المهنة، بحيث أضحت نسبة الزيارات والمشاهدات تدفع بأصحاب المواقع للانخراط في الظاهرة الجديدة التي انتشرت في الإعلام الإلكتروني، وهي البحث عن قضايا ومشاكل الناس أو فنانين لأجل الترويج لها وجعلها قضية ومسلسلايواكبه الناس.

بالمقابل، ظلت بعض المواقع الإلكترونية محافظة على مسارها المهني وخطها التحريري، ولم تتأثر بالموجة الجديدة التي تعرفها بعض المواقع والتي تركز على “اليوتيوب” ونسبة المشاهدات، والقضايا الاجتماعية البعيدة عن انتظارات المواطنين، بالإضافة إلى صراعات وخلافات أخرى في المشهد الإعلامي الإلكتروني، مما يطرح تساؤلات عديدة حول واقع الصحافة الإلكترونية، واختلالاتها والخروقات المهنية، وعدم الالتزام بأخلاقيات المهنة، واحترام حياة الناس، وتحويل أشخاص مغمورين ليس لهم أي مستوى تعليمي إلى شخصيات عمومية.. فهل فقدت الصحافة الإلكترونية رسالتها المهنية، أم أنها لازالت في الطريق الصحيح؟

من الخبر إلى”البوز”

    في بداية تأسيس المواقع الإلكترونية وانتشارها بشكل سريع، اعتمدت على مواقع التواصل الاجتماعي لتأكيد حضورها في المشهد الإعلامي عبر نشر الأخبار الحصرية و”السبق الصحفي”، وذلك من أجل كسب المزيد من القراء والمتتبعين، حيث شكلت مواقع التواصل مثل “الفايسبوك” و”تويتر” منصات لتوسيع قاعدة القراء والمعجبين بهدف رفع نسبة الزوار للموقع، واحتلال مراكز متقدمة في منصة “ألكسا” المختصة في ترتيب المواقع الأكثر زيارة ونجاحا.

فقد شكل الخبر المصدر الأساسي لنجاح الموقعإلى جانب المادة الخبرية، والتحقيق والتحليل، وتناول قضايا مرتبطة بهموم وانشغالات المواطنين وحياتهم اليومية، سواء تعلق الأمر بالحقوق أوالنقابات أو مطالب السكان والتنمية المستدامة، والمطالب الاجتماعية المشروعة، حيث تمكنت بعض المواقع من فرض وجودها كإعلام بديل ونافست الصحف الورقية، وتمكنت من تكوين قاعدة جماهيرية متتبعة، بفضل اعتمادها على خط تحريري يتماشى مع انشغالات الناس.

مع مرور السنوات وظهور منصات “اليوتيوب”، تغيرت منهجية المواقع الإلكترونية، واتجهت إلى الموجة الجديدة التي تعتمد على الصورة والصوت (الفيديو) عوض الخبر، لتتحول إلى صحافة “البوز” التي تعتمد على نسبة المشاهدات بهدف تحقيق نسبة عالية من الزيارات، وأيضا نسبة من الأرباح التي يخصصها”غوغلأدسنس” و”اليوتيوب” من المشاهدات الكثيرة، ليتحول “البوز” والفيديو إلى قاعدة أساسية لدى أصحاب المواقع في معظم الأعمال الخبرية، والبحث عن قضايا تحظى باهتمام متابعي موقع التواصل الاجتماعي “يوتيوب”.

“التفاهة” تغزو المواقع

    ظهرت مواقع إلكترونية مثل الفطر في السنوات الأخيرة لاعلاقة لها بمجال الصحافة، حتى أن أصحابها لا يتوفرون على تكوين علمي أكاديمي أو إعلامي، مستغلين الفراغ القانوني الذي يسمح لكل من هب ودب أن يتحول إلى صحفي أو إعلامي أو مصور، ينتج مواد وفيديوهات تفتقد للمهنية ولا تحترم أخلاقيات المهنة ولا رسالة الصحافة، حيث يركز فقط على تحقيق أعلى نسب المشاهدةوالوصول للربح المادي من منصة “يوتيوب”، ضاربا بعرض الحائط كل الضوابط المهنية للممارسة الصحافية.

فالعديد من المواقع قررت بدورها الخروج من دائرة الالتزام والالتحاق بمواقع “التفاهة” و”البوز”، بعدما تبين لها حجم الملايين التي تجنيها مواقع “البوز” من الفيديوهات التي تنشرها في قنواتها بموقع “يوتيوب”، مما جعلها تتلقى بدورها انتقادات كثيرة من زوارها بسبب الانسياق وراء الموجهة الجديدة، إذ تعتمد على نشر وتصوير أي شيء لا قيمة له، وتحويله إلى مادة خبرية بالصوت والصورة، لأجل التأثير في الناس والرأي العام وخلق قضية فارغة، تتعلق بصراع أشخاص على الإرث، أو خلاف فني، أو مشاكل عائلية بين الأزواج، أوتراشق كلامي بين أشخاص نشطاء في مواقع التواصل الاجتماعي.

فقد حولت بعض المواقع المهتمة بـ”التفاهة” بعض الشخصيات النكرة إلى شخصيات بارزة في المجتمع، وحولتهم إلى أبطال أو إلى “مؤثرين”، رغم أن كلامهم سوقي وغير أخلاقي، منحت بعض الفتيات المراهقات صفة فنانات أو عارضات أزياء أو ملكات جمال، وذلك بهدف خلق الإثارة و”البوز”، ورفع نسب المشاهدة،الشيء الذي جعل الاتهامات تطال الإعلام الإلكتروني كله بسبب “التفاهة”.

“التشهير” بالناس

    تقوم بعض المواقع بخرق سافر لأخلاقيات المهنة وعدم احترام حقوق الناس، وحياتهم الخاصة، حيث تتعمد نشر معطيات شخصية، أو فيديوهات لأشخاص سياسيين أو حقوقيين أو صحفيينأو رؤساء فرق أو جمعويين في أماكن عمومية أو قرب منازلهم، بهدف “البوز”،أو تصفية حسابات شخصية،أولخدمة جهة معينة.

فقد أصبح بعض المصورين يعتبرون أنفسهم فوق القانون ومحصنين، لتصوير الناس وانتهاك خصوصياتهم دون إذن منهم، معتبرين أن ذلك يدخل في إطارعملهم الصحفي، وذلك بسبب جهلهم للقانون، ثم يجدون أنفسهم أمام القضاء بسبب تصوير الناس والتدخل في حياتهم الخاصة، وهناك فئة أخرى من أصحاب بعض المواقع يلجؤون إلى اقتحام بيوت الناس لتصوير مشاكلهم والتشهير بآخرين، وتحويل حياة البعضإلى مادة إعلامية، من خلال تصوير مشاكلهم وفضح الأسرار وتحويل قضايا أسرية إلى قضية رأي عام.

فصحافة التشهير أخذت بعدا كبيرا في الساحة الإعلامية، وأصبحت تقوم بدور لخدمة السلطة والدولة، عبر التشهير ببعض المعارضين والحقوقيين والمس بحياتهم الخاصة وتشويه صورتهم أمام الرأي العام، إذ تحولت بعض المواقع إلى مواقع “مخزنية” لقصف وضرب كل من يفتح فمه، والبحث في حياته الخاصة وحياة عائلته في إطار تصفية الحسابات، بينما استغل آخرون هذه الظاهرة ليقوموا باستخدامها ضد بعض الناس وابتزازهم.

وقد سبق للمجلس الوطني للصحافة أن توصل بعدة شكايات من عدد كبير من المواطنين، تتعلق بخرق أخلاقيات الصحافة، والمس بحياتهم الخاصة، من طرف صحف ووسائل إعلام ومن صحافيين، وتمت إحالتها على لجنة أخلاقيات المهنة والقضايا التأديبية، لكن لم يصدر المجلس أي قرارات بخصوص هذه المظالم.

“كوبي كولي” للمقالات

    تعاني الصحافة الورقية والمواقع الإعلامية من آفة قرصنة المقالات والأخبار اليومية من قبل بعض المواقع الإلكترونية التي تقوم بنسخ الخبر أو المقال من الجريدة ونشره في موقعها، دون احترام لقواعد المهنة، حيث يلجأ أصحابها إلى قرصنة المواد وإعادة نشرها دون الإشارة إلى اسم المصدر.

فالعديد من الصحفيين والإعلاميين يقومون بمجهود كبير من أجل كتابة مقال أو الحصول على سبق خبري، لكن مجهودهم يذهب سدى، بسبب قرصنة مقاله من قبل صحفي آخر في موقع إلكتروني ما، حيث يقوم بتغيير العنوان ونسبه إلى نفسه، وهذه الظاهرة أصبحت اليوم منتشرة كثيرا في عالمنا الإعلامي، مما خلق بعض الخلافات والصراعات بين بعض المواقع ودفع أصحابها للجوء إلى الجمعيات المهنية أو تقديم شكايات للقضاء.

ومن بين الطرق والأساليب التي يقوم بها سارقو المحتوى، إما تبديل العناوين والصور، أو إعادة الصياغة بالمقدمة والخاتمة، أو نشر الموضوع باسمه، وتغيير الكلمات المفتاحية بهدف الحصول على عائدات من “غوغل”.

وسبق أن تحدث المجلس الوطني للصحافة عن هذه الظاهرة في تقرير له، وأكد أن عددا من الصحف والمنابر الإعلامية أقدمت على السطو على مواد صحافية لمنابر أخرى، دون الإشارة إلى مصادرها، بينما قام صحفيون باستعمال مواد محررة أو مصورة لزملائهم في المهنة، ونشروها دون إذن منهم، وقد رصد المجلس عدة أمثلة على هذه السلوكات غير الأخلاقية و”السرقة الصحافية”.

واعتبر المجلس الوطني أن “السطو على مقالات الصحافيين،بالإضافة إلى كونه خرقا سافرا لأخلاقيات المهنة،فإنه يستوجب التنديد والمساءلة، لأنه يؤثر على صورة ومصداقية الصحافيين والمنابر الإعلامية التي يشتغلون فيها”.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى