للنقاش

للنقاش | لماذا تخشى المعارضة الحالية استعمال الفصل 105 من الدستور؟

مقارنة مع أيام باحنيني والعراقي

منذ تشكيل حكومة التناوب التوافقي سنة 1998، لم يبق للمعارضة معنى، ولا ذوق داخل البرلمان بغرفتيه.. بكل بساطة، لأن هذه المعارضة ظلت طيلة هذه السنين ضعيفة، وتائهة، ومشتتة، لأن الأحزاب الإدارية هي التي كانت تشكل الأغلبية، وبالتالي، وجدت الأحزاب نفسها عاجزة عن لعب دور المعارضة بعدما سمح الملك الراحل الحسن الثاني، بتغيير الأدوار بين الأحزاب، وتشكيل حكومة يقودها المعارضون السابقون، أي الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب الاستقلال، وبقي صوت واحد في المعارضة هو صوت حزب العدالة والتنمية، ولم يكن لحزب “المصباح” أن يضيف شيئا من موقع المعارضة، بالنظر إلى العزلة الإقليمية والدولية التي كانت مفروضة على كل الحركات السياسية ذات المرجعية الإسلامية.

بقلم: هشام عميري

    جاء الربيع العربي سنة 2011 ليدق آخر مسمار في نعش المعارضة داخل قبة البرلمان، حيث أن حزب العدالة والتنمية أصبح يقود الحكومة، بزعامة عبد الإله بن كيران، وبقي كرسي المعارضة فارغا، وخاصة بعد فقدان الأحزاب لمصداقيتها مع نهاية حكومة عبد الرحمان اليوسفي.

وهكذا أصبحت المعارضة “قطا” بدون مخالب، الأمر الذي جعل رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، يتحدى المعارضة أن تلجأ إلى تطبيق الفصل 105 من الدستور، من أجل إسقاط حكومته التي أبانت عن ضعف كبير..

وينص الفصل 105 من دستور 2011، كباقي الدساتير السابقة للمملكة، على ملتمس الرقابة أو ما يسمى في مجموعة من الأنظمة السياسية بـ”حجب الثقة عن الحكومة”، الذي يعتبر من أخطر الأسلحة التي يمتلكها البرلمان في مواجهة الحكومة، وذلك مقابل توفر رئيس الحكومة على وسيلة حل مجلس النواب.

 وبالعودة إلى تاريخ الحياة السياسية المغربية، نجد أن التجربة البرلمانية المغربية عرفت تقديم ملتمسين للرقابة، وذلك من أجل إسقاط كل من حكومة أحمدباحنيني سنة 1964، وحكومة عزالدين العراقي سنة 1990، غير أن هذه الملتمسات لم تحقق أهدافها، وإنما خلفت أثارا سياسية إيجابية على الخريطة السياسية بالمغرب، وذلك حسب مجموعة من الباحثين، وكان من أبزر هذه النتائج، ميلاد حكومة التناوب بقيادة المرحوم الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي.

 

ملتمس الرقابة لسنة 1964.. من محاولة لإسقاط الحكومة إلى الإعلان عن حالة الاستثناء

    بعد حصول المغرب على الاستقلال سنة 1956، ودخول البلاد في مرحلة بناء المؤسسات الدستورية، وبعد صدور ظهير الحريات العامة سنة 1958، وكذلك صدورأول دستور للمملكة سنة 1962، والذي نص على أن البرلمان يتكون من مجلسين، مجلس النواب، الذي يتم انتخابه بطريقة مباشرة، ومجلس المستشارين الذي يتم انتخابه بطريقة غير مباشرة.

وبعد سنتين عن صدور دستور 1962، عرفت البلاد إجراء أول انتخابات برلمانية، سنة 1963، والتي احتلت فيها جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية المرتبة الأولى بقيادة أحمد رضا اجديرة، بـ69 مقعدا.

هذه التجربة البرلمانية الأولى لم تدم طويلا، وذلك راجع إلى عدة أسباب، كان من أهمها إعلان الملك الراحل الحسن الثاني عن حالة الاستثناء سنة 1965، الأمر الذي أدى إلى حل البرلمان.

ويعود السبب الغير مباشر لحالة الاستثناء وحل البرلمان، إلى قيام أحزاب المعارضة بتقديم ملتمس الرقابة ضد حكومة أحمد باحنيني سنة 1964، هذا الملتمس الذي فشل في إسقاط الحكومة، كان قد وقعه 24 عضوا بالبرلمان، في حين كان يجب أن يحصل على 73 صوتا، حسب مقتضيات دستور 1962، حتى يمكن له أن يحصل على الأغلبية المطلقة،وبالتالي إسقاط الحكومة، مما أدى بالملك الحسن الثاني إلى حل الحكومة والبرلمان معا، نظرا للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي كانت تمر منها البلاد آنذاك.

ويرجع سبب قيام أحزب المعارضة بتقديم ملتمس الرقابة سنة 1964، إلى رفض حكومة باحنيني لمطالب المعارضة، من أجل عقد دورة استثنائية لمناقشة عدة قضايا وطنية، وقد رضخت الحكومة لضغوطات المعارضة، من خلال تدخل الملك باعتباره حكما بين المؤسسات، إلا أن الأغلبية الحكومية اعتبرت هذه الدورة غير دستورية، وهو ما أزم الوضع والصراع بين المعارضة والأغلبية، فالتجأت المعارضة إلى تقديم ملتمس الرقابة الذي كان سببا إلى جانب أحداث الدار البيضاء سنة 1965، إلى إعلانالملك الراحل الحسن الثاني عن حالة الاستثناء وجعل جميع المؤسسات بيده.

ملتمس الرقابة لسنة 1990

    عرفت الحياة السياسية بالمغرب عدة توترات سياسية، وخاصة قبل فترة التناوب الحكومي لسنة 1998، فقبل هذه المرحلة وبعد رفع الملك الحسن الثاني لحالة الاستثناء سنة 1970، عرف التنظيم الدستوري المغربي أربعة دساتير، وذلك خلال الفترة الممتدة من سنة1970 إلى 1996، وذلك راجع بالأساس إلى طبيعة الصراع السياسي، وخاصة في ظل وجود أحزاب معارضة قوية لسياسة الحكومة، والتي كانت تضم حزبيالاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، مما أدى بهذه الأحزاب إلى مقاطعة العمليات الانتخابية في مجموعة من المحطات السياسية، بل وصل الأمر إلى مقاطعة الاستفتاءات على دساتير 1970، 1972 و1992.

ونظرا للقوة السياسية التي كانت تتمتع بها أحزاب المعارضة آنذاك، ورغم عقلنة المشرع الدستوري لعملها، وذلك بتقييد شروط عملها، خاصة فيما يخص ملتمس الرقابة، إلا أن أحزاب المعارضة تقدمت بملتمس رقابي ضد حكومة عزالدين العراقي سنة 1990، وذلك من أجل إسقاطها، لكنها فشلت في ذلك، بسبب عدم تحقق النصاب المطلوب والمتمثل في ضرورة حصول الملتمس على تصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب، حسب ما كان ينص عليه الفصل 75 من دستور 1970، الأمر الذي ساهم في فشل هذه الآلية التي تعتبر أخطر سلاح يمتلكه البرلمان في مواجهة الحكومة من أجل إسقاطها.

 

نتائج ملتمسي الرقابة لسنتي 1964 و1990

    رغم فشل ملتمس الرقابة في إسقاط كل من حكومة أحمد باحنيني سنة 1964 وحكومة عزالدين العراقي سنة 1990، إلا أنهذه الملتمسات تركت عدة نتائج على مستوى الساحة السياسية بالمغرب، إذ مباشرة بعد تقديم أحزاب المعارضة لملتمس الرقابة سنة 1964، قام الملك الراحل الحسن الثاني، سنة بعد ذلك، بالإعلان عن حالة الاستثناء وحل البرلمان، وبعد تعليق حالة الاستثناء سنة 1970، تم الإعلان عن استفتاء دستور 1970، وكذلك دستور 1972.

 أما بخصوص ملتمس الرقابة لسنة 1990، فقد ساهم في دخول المغرب مرحلة جديدة، من خلال وصول قيادة حزب الاتحاد الاشتراكي إلى قيادة الحكومة فيما يسمى بحكومة التناوب وحكومة التراضي، بقيادة الراحل عبد الرحمان اليوسفي سنة 1998، كما كان لملتمس الرقابة دورافي الإعلان عن استفتاء دستور 1992 واستفتاء دستور 1996.

 

لماذا “ترتعد” المعارضة اليوم من الفصل 105 من الدستور؟

    في العديد من خرجاته الإعلامية، لازال رئيس الحكومة سعد الدين العثماني يطالب أحزاب المعارضة بتطبيق الفصل 105 من الدستور، من أجل إسقاط حكومته، ويرجع ذلك إلى كون الفصل 105 من دستور 2011 والذي لا يخاف منه رئيس الحكومة متحديافي ذلك المعارضة أن تطبقه، في حين لا تقدر أحزاب المعارضة على تفعيله، لأن تحقيق شرط تفعيل ملتمس الرقابة يبقى صعبا، لكون المعارضة قليلة عدديا، خاصة وأن هذا الفصل ينص على أن ((ملتمس الرقابة لا يقبل إلا إذا وقعه على الأقل خمس أعضاء مجلس النواب، ولا تصح الموافقة عليه إلا بتصويت الأغلبية المطلقة))، وهو ما يجعل رئيس الحكومة يتحدى الأحزاب المكونة للمعارضة من أجل تطبيق الفصل 105 من أجل إسقاط حكومته، لأنه يعرف أن هذا الملتمس سيفشل، نظرا لعدم تحقق الشرط المطلوب.

ويعتبر دستور 2011 سادس دستور وأول دستور يعترف بحقوق المعارضة البرلمانية، وذلك في مجموعة من الفصول الدستورية، إذ نص دستور “الربيع العربي” لأول مرة على مصطلح المعارضة مقارنة مع باقي الدساتير السابقة للمملكة التي جاءت خالية من مصطلح “المعارضة”، لكن رغم الاعتراف الدستوري بحقوق المعارضة، إلا أنها تبقى ضعيفة ومشتتة في مواجهة الأغلبية الحكومية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى