الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | كواليس إعدام الضباط العشرة

الصخيرات المجزرة السياسية "الحلقة 36"

حتى لا ننسى.. الصخيرات المجزرة السياسية
((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر)) صدق الله العظيم.
يقول القيدوم الراحل أستاذنا مصطفى العلوي: ((وما كان لأحداث على مستوى خطورة هجوم الصخيرات أن تدرج في مسالك النسيان، دون أن نستخلص الدرس منها، وكان الملك الحسن الثاني رحمه الله، حريصا على إقبار أخبارها وأسرارها، تفاديا لاستمرار البحث عن دوافعها وأسبابها والمسؤولين عنها، بقدر ما يحرص كتاب “الصخيرات المجزرة السياسية” على استخلاص الدرس مما خطته دماء الضحايا، ودموع الثكالى على جبين التاريخ المغربي المعاصر.
فيما يلي، تقدم “الأسبوع” أقوى ما كتبه الراحل مصطفى العلوي عن محاولة انقلاب الصخيرات، عبر حلقات ضمن ركن “الحقيقة الضائعة”.
بقلم: مصطفى العلوي

  كاد الناس الواقفون أن يعتقدوا أن الأمر يتعلق بعفو في آخر ساعة، إلى أن شاهدوا أن الضباط قد أعيد ربطهم وأخذ الجنود يبتعدون عنهم وكأنهم يتركون للموت طريقها إلى الأجسام التي بقيت مصطفة تحت أشعة الشمس، وتحت العيون الجاحظة للمتفرجين، الذين حسبوا في التحريك مبادرة العفو آخر ساعة، أخطئوا طبعا، لأن الأمر كان يتعلق في اللحظات الأخيرة التي سبقت الإعدام، بجثة الكولونيل الفنيري الذي تم إحضاره ساعة إحضار الآخرين لموقف الإعدام، ولكنه كان ميتا، فأحضرت جثته ميتا وتم ربطه على خشبة الإعدام، لأنه كان قد مات في الليلة السابقة بثكنة مولاي إسماعيل تحت التعذيب وهو رافض للكلام، لأنه بالتأكيد لم يكن مع قيادات المتمردين منذ البداية، وإنما بعد أن قال له عبابو: إني عينتك وزيرا للداخلية، فضعف أمام الطمع في الفوز.. وما أخطر الطمع.

وخيم الصمت، وارتجفت الأيدي والأرجل، وأصبح كل واقف في هذا المشهد البشع يتصور أنه هو الذي سيموت، وأصبح الضباط العشرة أبعد من أن يرى أي أحد آخر تصرفاتهم، أو يعرف هل تسيل دموعهم أو أن الروح قد غادرت أجسامهم قبل أن ينطلق سيل الرصاص.

وحسب الناس المتفرجون أن الضباط العشرة قد ماتوا فعلا قبل إطلاق الرصاص، وكان المتفرجون يغمضون أعينهم ثم يقفلونها.. فالحق أن أي واحد لم يجرؤ على فتح عيونه على هذا الحدث الذي لم تنفتح عيون كثيرة عليه..

وزاد الصمت من هول المشهد، وكانت أمواج البحر المتلاطمة خلف المقصلة تتعالى لطماتها إلى الأعلى وكأنها تندب الأرواح العشرة.

كانت مدينة الرباط بعماراتها وصوامعها وبيوتها البيضاء، تبدو للواقفين المربوطين إلى المقصلة، فتظهر لهم معها الأيام الجميلة التي كانوا فيها إلى ساعات قليلة سادة، وكانت لهم إلى ساعات قليلة مرتعا وملعبا.

ولست أدري، هل كتب لأي أحد أن يلقي نظرة وداع على جمال هذا العالم قبل أن يموت.. لأن أحدا لا يدري متى سيموت، وأين سيموت وكيف سيموت.

وتراكمت الأفكار في العقول، وكانت أمواج البحر تزيد من هول الموقف، واندثر الصمت فجأة، حينما أخذ ضباط جنود الإعدام يصدرون أوامرهم الأولى للجنود بالاستعداد، وامتدت القلوب للحناجر، وكادت العقول أن تزيغ من أدمغتها، والعيون أن تنفجر في مآقيها.

وهيمن اسم الله على هذا الموقف الجلل.. وكان الجنرال بوكرين وهو مربوط إلى عموده، أول من بعث انطلاقة “الرجوع إلى الله”.. فاخترق صوته المسافة الفاصلة بين مربط المقصلة وموقف المتفرجين، وأخذ يصيح: عند الله نلتقي.. عند الله نلتقي.. وكأنها كانت دعوة للجميع إلى الاستنجاد بالله.

وانطلقت حناجر المتفرجين على غير هدى وبدون سابق اتفاق تصيح: لا حول ولا قوة إلا بالله.. إنا لله وإنا إليه راجعون.. الله أكبر.. الله أكبر.

وفي خضم هذا المحشر، انطلق صوت الجنرال حمو يزمجر وهو مربوط إلى عمود إعدامه صائحا: يحيى الحسن الثاني.. يحيى الحسن الثاني.. قالها بتلك اللهجة الممزوجة باللكنة البربرية التي عهدنا سماعها عند البرابر في قمم الجبال عندما كانت الأيام الجميلة والحفلات والأعياد..

وبينما كان الجنرال حبيبي، وهو مربوط إلى عمود إعدامه، لا يكف عن الصياح قائلا: إني بريء.. إني بريء.. كان صوت الكومندانالمنوزي إلى أقصى اليسار، وهو قصير القامة، صغير الحجم، لا يتوقف عن الصياح: تحيى الجمهورية.. تحيى الجمهورية.. وكان المنوزي هو الضابط الوحيد الذي لم يحضر لا في الاجتماعات ولا في الهجوم، وإنما انتماؤه لعائلة المنوزي التي كان أفرادها كلهم مناضلون رافضون اتحاديون ومعارضون، بقي اسم المنوزي إلى الآن متمثلا في أفراد عائلته.

فعلا، إنه الهلع والخوف ممزوج بالمتناقضات مصطدم بالألم متكسر على صخور اليأس والهلع.

وانطلق الرصاص ليسكت كل شيء في شاطئ معسكر تمارة الحزين.. كانت عشرة بنادق قد وجهت إلى كل ضابط من الضباط العشرة، وعندما انطلقت المائة بندقية ناطقة بالموت الزؤام، جلجلت مائة طلقة مخرسة هذا العالم الصائح الهائج.. حتى المتفرجون صمتوا وكان ذلك الرصاص قد استقر في أجوافهم.. وما كادت أعين الأحياء أن تنفتح لترى ماذا تبقى من المشهد الرهيب، حتى عادت لتقفل مرة أخرى على صدى انطلاقات المسدسات التي كانت تجندل كل محكوم عليه بالإعدام حسب الأصول، حتى يموت بسرعة.

ولعل الجنرال حمو كان، رغم الرصاصات العشر والرصاصات الأخرى التي أفرغت في جسمه الضخم، مصرا على الحياة، ولعله بقي حيا رغم عشرات الرصاصات التي استقرت في جسمه.. فهل حقا كان مسحورا، أو كان محميا بقوة كهنوتية تسمى في المناطق الجبلية قوة التبريد، التي لا يموت المحمي بها بالرصاص، لكن الموت نفذ في الجنرال حمو بطريقة أو بأخرى.. إن الشائعات تقول أنه من اللازم أن يتم التعجيل بموته ولو بواسطة حد الرمح، الذي يقطع العمود الفقري بسرعة البرق.

لقد كان منظرا رهيبا بكل ما في هذه الكلمة من عجز عن تفسير الموقف، حيث تم الاكتفاء بإصدار بيان رسمي جد مختصر جاء فيه: ((الضباط المعدومون هم: الجنرال حمو، والجنرال بوكرين، والجنرال حبيبي، والجنرال مصطفى، والكولونيل الشلواطي، والكولونيل الفنيري، والكولونيل بوبيري، والكولونيل عمي، والكولونيل بلبصير، والكومندانالمانوزي.

وقد تم تنفيذ حكم الإعدام على الساعة الحادية عشر والربع بأحد المعسكرات القريبة من مدينة الرباط، وكانت سيارات الجيش قد قادتهم وهم مكتوفو الأيدي بلباسهم العسكري إلى مكان إعدامهم، وقد نزعت منهم رتبهم العسكرية قبل أن تطلق عليهم النار على يد عشر سريات تنتمي إلى القوات البرية والجوية والبحرية)).

وفي الساعة الواحدة، عندما كان أغلب الذين “حظوا بالفرجة على هذا المشهد”، يتقيؤون في بيوتهم ويستشيرون أطباءهم، ويشربون المخدرات لتستقر أعصابهم، كانت أمواج الأثير تدعو أعصاب ملايين المغاربة للانفجار، ولمقاسمة “المتفرجين” بشاعة المشهد ولو بآذانهم.

وقدمت الإذاعة شريطا صوتيا للإعلام حال دون تناول عدد من الناس غذاءهم، كما قدمت التلفزة في المساء شريطا مصورا للإعدام كانت رؤيته أكثر هولا وأعظم تأثيرا مما يسمعه ملايين المواطنين في الزوال، وما شاهده بعض كبار الموظفين فيما قبل الزوال من ذلك اليوم الحزين من شهر يوليوز 1971.

وجاءت دماء أولئك الضباط العشرة لتزيد في وادي دماء الصخيرات سيلا رهيبا يعلم الله كيف سيتوقف نزيفه، وكيف ستبرأ جروحه.

سمع الناس في الإذاعة صوت الجنرال حمو يصيح متحديا طلقات رصاص الإعدام قائلا: يحيى الحسن الثاني، ولكنهم لم يسمعوا صوت الجنرال حبيبي يصيح إني بريء.. ولم يسمعوا صوت الجنرال بوكرين يصيح: عند الله نلتقي، أو على أصح تعبير: عند الله نتلاقاو.. ولكن الناس عرفوا فيما بعد كل شيء عن الإعدام وعما قاله كل واحد وقت الإعدام.. ولقد كانت الحقيقة عبر القرون والأجيال أعظم من أن تحجب وأقوى من أن تضيع.

وإذا كانت هناك حقائق احتجبت وراء جدران من التمويه والخداع سنوات وسنوات قبل أن تطفو على صفحة الخداع والتحايل ليكون مفعولها أضعف مما لو ظهرت في أوانها، فإن خيوط حقيقة ما جرى في المصطاف الملكي بالصخيرات، قد أخذت تتسابق إلى الأيدي بسرعة لتمسكها وتفك ما تعقد منها.

 

يتبع

تتمة المقال بعد الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى