للنقاش

للنقاش | بين الدول السعيدة والدول التعيسة..أين موقع المغرب؟

حسب التقرير العالمي الذي تصدره الأمم المتحدة

خلال سنة 2011، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا يدعو دول العالم إلى قياس مقدار السعادة في شعوبها، وفي أبريل 2012، صدر أول تقرير حول مقياس السعادة عند دول العالم باعتباره مسحا عالميا للسعادة، حيث حدد التقرير حالة السعادة العالمية، وأسباب السعادة والبؤس والأثار المرتبة على السياسات التي أظهرتها دراسة الحالة عالميا.
وخلال سنة 2013، قدم تقرير السعادة العالمي الثاني كيف يتم قياس الرفاه عند الدول والفوائد الموضوعية للسعادة، وضم التقرير أكثر من 150 دولة التي خضعت لمعايير مقياس السعادة، منها نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، ومتوسط العمر، والحرية، وسخاء الدولة على مواطنيها، والدعم الاجتماعي، وغياب الفساد في الحكومات والقطاعات الحكومية وقطاع المال والأعمال، بالإضافة إلى نصيب الفرد من الإنتاج الإجمالي، والدعم الاجتماعي، ومتوسط العمر.

بقلم: د. عبد الرحيم بن سلامة *

ما هي السعادة المنشودة في الدول؟

    على الرغم من أن مفهوم السعادة يسوده الغموض والصعوبة ويختلف الناس عليه، إلا أن الأساليب المتبعة تحفز الناس على الشعور بالسعادة، سواء كانت وقتية أو مستمرة، فمن هذه الطرق المتمثلة لدى الناس، أن الكل عادة يسعى إلى التقدم المطرد للوصول إلى مجموعة من الغايات التي لها معنى، وهي متطلبات متعارف عليها، مثل الصحة والغنى والحرية والعدالة والقانون، وغياب الفساد، وسخاء الدولة على مواطنيها، والثقة في الحكومة والهيئات السياسية، وغيرها من المؤسسات الأخرى.

إن ارتفاع نسبة الناس السعداء في أي مجتمع يعني أن الدولة سعيدة، وبالتالي يمكن تصنيفها بأنها أكثر البلدان سعادة، لأنها احتلت مرتبة متقدمة في التصنيف الدولي للسعادة، هذا الواقع أدى بالأمم المتحدة إلى إطلاق مبادرة في سنة 2012، بهدف تحديد أسعد الدول عالميا، اعتمادا على مؤشرات محددة، فكانت النتيجة في سنة 2016، أن الدول الاسكندنافية هي الأسعد من بين مجموعة كبيرة من الدول وصل عددها 160 دولة.

وقد يتساءل المرء: ما الهدف من التصنيف الدولي لأسعد الدول؟ إن هذا التصنيف الذي تنادي به الأمم المتحدة سنويا، يهدف إلى اتخاذ خطوات إيجابية من الدول لكي تحسن مستوى معيشة شعوبها، لأن السعادة في المفهوم الدوليتعني تلك العوامل الإيجابية الداعمة لتحقيق الرفاهية الاجتماعية، مثل تحسين الصحة والتعليم والاقتصاد والحريات والحقوق واحترام القانون، وغير ذلك من الأمور. والأكثر أهمية، ألا تتأثر تلك العوامل سلبا بمرور الزمن، فتراجع الدولة في مجالات التنمية العامة أو في الحقوق والواجبات، سواء خصت الحكومات أو الأفراد والمؤسسات المختلفة.

كيف نبلغ السعادة كأفراد وجماعات

    إن السعادة كلمة محببة إلى النفس البشرية تطرب لسماعها الآذان، لها بريق يكاد سِناه يخطف الأبصار، وكم يسعى الناس لبلوغ السعادة والبحث عنها في كل مكان وزمان، يتطلعون إليها ويحلمون بتحقيقها، فكيف نبلغ السعادة التي ننشدها من دولنا؟ سؤال صعب حار في فهمه العقلاء، وأعيت الإجابة عنه الفلاسفة والحكماء.

فالآراء في فهم السعادة متفاوتة والأفكار حولها متشعبة، حلمت بها البشرية منذ خرجت من الجنة ومارست الحياة على هذه الأرض، فتش عنها الفلاسفة والأدباء على اختلاف العصور والأوطان، رآها أفلاطون في “جمهوريته” وتوهمها الفارابي في “مدينته الفاضلة” وتخيلها المعري في رسالته، وحلم بها الشاعر خليل جبران في “بلاده المحبوبة”.. كل هؤلاء وغيرهم كدوا ذهنهم وأعملوا فكرهم وجدّوا في البحث عنها هنا وهناك، فتصوروها في النهاية في عالمهم المثالي الذي تخيلوه وعاشوا بأحلامهم فيه، عالم بلا مشاكل أو متاعب، مدن فاضلة تتحقق فيها السعادة وترفرف عليهم بجناحيها.

ودعونا نترك الفلاسفة والأدباء في عالمهم المثالي، لنرى كيف يتصور أمثالنا البسطاء السعادة التي نطالب حكوماتنا ودولنا بتحقيقها لنا كما تطالب بذلك الأمم المتحدة.

إن مفهوم السعادة تتباعد فيه الأفكار وتتضارب الأفهام وتتشعب الرؤى، فلا بد إذن من إطار يجمعها وتعريف يحددها، فكيف يتصور الناس السعادة في عالمنا هذا؟

يرى البعض السعادة في ثروة كبيرة يجمعها أو رصيد كبير في أحد البنوك يحقق به رغباته، أو منصب عالي يتولاه، فالأيام دول، فلا يغتر بها عاقل إذا أقبلت، ولا ييأس إن أدبرت، فيوم لك ويوم عليك ولو دامت في عزها ورخائها لأحد لدامت لعلية القوم وأهل الثروة والجاه، فما الدنيا بمخلدة لأحد وماهي إلا متاع الغرور.

فالحياة الصافية من الكدر والهنيئة من التعب والخالية من المنغصات، هي حياة وهمية يحلم بها الفلاسفة وتراود أحلام الخياليين، ولكنها في عالم الواقع مستحيلة. إن الحياة جبلت على الكدر ومزجت بالآلام واقترن فيها السرور بالحزن والفرح بالغم والبهجة بالترح، والعاقل يسعى للتخفيف من آلامها في حدودها ما يقدر عليه ويحاول أن يسهم في هناء البشرية وسعادتها.

سعادة الدول وجائحة “كورونا”

    كيف نتصور سعادة دولة من الدول وجائحة “كورونا” انتشرت في العالم انتشار النار في الهشيم، فتسبب فيروس”كوفيد 19″ في وفاة حوالي 3 ملايين شخص في جميع أنحاء العالم، وبمختلف القارات لا فرق بين بلد فقير وغني، ولم تكتف الجائحة بحصد أرواح البشر، بل أدت أيضا إلى حدوث هزة كبيرة في الحياة اليومية للكثير منا، ولم تستقر الحياة على حال، فصحة الناس أصبحت مهددة على جميع الواجهات لا فرق بين قوي البنية وضعيفها، والاقتصاد العالمي انهار والبطالة عمت المعمور، ومستقبل العالم مظلم، بينما كل يوم جديد مع استمرار الجائحة ومع هذه المآسي “الكورونية” نتحدث عن ماهي أسعد دولة في العالم؟إن الناس يرون في “كوفيد 19” تهديدا مشتركا وخارجيا لمؤشر السعادة، وازديادا كبيرا في وتيرة المشاعر السلبية عند ثلث دول العالم، ورغم تواجد وباء “كورونا” ومع عدم معرفة علماء الأوبئة متى سيضمحل وينتهي هذا الوباء على الصعيد العالمي، فإن المهتمين بوضع تقرير أسعد دول العالم، مازالوا متفائلين، حيث كشف تقريرهم للسنة الماضية وهذه السنة، عن الدول السعيدة في العالم والدول التعيسة عالميا، بالرغم من استمرار انتشار الفيروس، وهكذا صنفت دولة فنلندا على أنها أسعد مكان للعيش في العالم، وجاءت الدانمارك في المرتبة الثانية، تلتها كل من سويسرا وإيسلندا وهولندا.

أما الدول الأكثر تعاسة في العالم، حسب تقرير هذه السنة، فهي أفغانستان وسوريا وجنوب السودان وبوتسوانا ورواندا وزيمبابوي والصومال.

وضع الدول العربية والمغرب على وجه الخصوص

    وجاء ترتيب الدول العربيةنها أسعد مكان ل للعيش في العالم، وجاءت الدنمارك في المرتبة الثانية ثلثها كل من سويسرا الأكثر سعادة هذه السنة على الشكل الآتي:

احتلت دولة البحرين المرتبة الأولى ضمن قائمة أسعد دولة، تليها دولة الإمارات العربية المتحدة والسعودية.

واحتلت الإمارات العربية المتحدة المرتبة الحادية والعشرين عالميا، مما جعلها تتصدر قائمة دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث دعا التقرير المتعلق بأسعد الدول عالميا، إلى الاقتداء بها، فهذهالدولة يوجد بحكومتها وزير للسعادة حيث أحدث هذا المنصب خلال السنوات الأخيرة ومازال موجودا حتى الآن.

أما المغرب، فلم يحظ بمرتبة خاصة كدولة سعيدة، كما هو الشأن بالنسبة لمصر وتونس والجزائر، وعلى الصعيد الإفريقي، ترتبت سيراليون والصومال ونيجيريا وجنوب إفريقيا وموريتانيا في مؤخرة الدول السعيدة، وتذييل دول إفريقيا جنوب الصحراء قائمة الشعوب السعيدة إلى جانب سوريا، وهو ما اتضح من خلال حلول دول جنوب السودان وليبيريا وغينيا والطوغو ورواندا وتانزانيا وبوروندي وجمهورية إفريقيا الوسطى في المراكز الأخيرة.

وأخيرا، قد يتساءل المرء: ما الهدف من التصنيف الدولي لأسعد دولة عالميا خلال كل سنة ؟ لنقول أن هذا التصنيف الذي تنادي به الأمم المتحدة سنويا (رغم جائحة كورونا) يهدف إلى اتخاذ خطوات إيجابية من الدول لكي تحسن مستوى عيش شعوبها، لأن السعادة في المفهوم الدولي تعني تلك العوامل الإيجابية الداعمة لتحقيق الرفاهية الاجتماعية، مثل تحسين الصحة والتعليم والاقتصاد والحريات والحقوق والقانون وغيرها، ليبقى الأهم، ألا تتأثر العوامل سلبا بمرور الوقت، فتتراجع الدولة في مجالات التنمية العامة أو في الحقوق والواجبات، سواء خصت الحكومات أو الأفراد أو المؤسسات المختلفة.

لهذه الأسباب رتب تقرير السعادة،الدول الأكثر سعادة في العالم خلال سنة 2021 كالتالي:فنلندا،إيسلندا،الدانمارك، سويسرا، هولندا، السويد، ألمانيا، النرويج، نيوزيلندا، النمسا، إلخ…

بينما تقدمت الولايات المتحدة الأمريكية هذه السنة من المركز الثامن عشر إلى المركز الرابع عشر، بينما تراجعت المملكة المتحدة من المركز الثالث عشر إلى الثامن عشر، فيما احتلت أستراليا المركز الثامن عشر.

 تجدر الإشارة إلى أن هذه الدراسة التي ترعاها الأمم المتحدة والتي تنشر سنويا منذ سنة 2012، هي عبارة عن استطلاعات رأي يشرف عليها معهد “غالوب” يجيب فيها السكان عن استبيانات بشأن درجة السعادة الشخصية في بلدانهم بالنظر إلى مؤشرات التضامن والحرية الفردية والرفاه المنشود.

* أستاذ باحث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى