للنقاش

للنقاش | هل يقوم المغرب بتقنين الموت الرحيم ؟

دول الاتحاد الأوروبي تأخذ المبادرة

أقر البرلمان الإسباني مؤخرا – بمقتضى تشريع خاص – القتل الرحيم، لتنضم إسبانيا إلى بلدان قليلة في العالم التي تسمح للمصابين بأمراض مستعصية بطلب الموت لإنهاء عذابهم.
وقد أقر مجلس النواب الإسباني هذا التشريع بأصوات 202 نائب من أصل 350 نائبا، وقدم هذا القانون بفضل تأييد نواب اليسار والوسط، وقالت وزيرة الصحة الإسبانية، كارولينا دارياس، إن إقرار القانون يدفع بنا قدما نحو مجتمع أكثر إنسانية للأشخاص الذين يعيشون معاناة صحية كبرى ولعائلتهم من معاناة نفسية وصحية ومادية مكلفة، وينص القانون الإسباني على أن ((أي شخص يعاني مرضا خطيرا ومستعصيا وآلاما مزمنة تجعله في حالة عجز، في إمكانه طلب مساعدة الجهاز الطبي لموته تفاديا لمعاناة لا تحتمل، وبمقتضى هذا القانون، يمكن لطبيب أو مجموعة من الأطباء رفض طلب المريض أو قبوله دون تعرضهم لأي عقاب))، وقد تظاهر مواطنون ومنظمات مدافعة عن الحق في الموت اللائق للمرضى الذين يعانون من ألم المرض المفرط، من بينهم المواطنة الإسبانية، أسون بوينو، التي توفي زوجها الذي كان يعاني من التصلب اللويحي عن سن 50 سنة بعد معاناة مع هذا المرض المؤلم، قائلة: “إنه يوم عظيم بإقرار هذا القانون”، مضيفة: “كانوا يعاملونني على أني مجرمة لأني كنت أريد مساعدة زوجي على التخلص من عذابه خلال عدة سنوات طالبت خلالها بصدور قانون يبيح الموت الرحيم دون عقاب الطبيب الذي تفادى معاناة مريضه الذي يتعذب كثيرا”.
بقلم: د. عبد الرحيم بن سلامة *

  وبدخول هذا القانون حيز التنفيذ في غضون ثلاثة أشهر، ستصبح إسبانيا خامس دولة في الاتحاد الأوروبي بعد بلجيكا وهولندا واللوكسمبورغ وسويسرا التي تسمح بالموت الرحيم، أما البرتغال، فقد أقر برلمانها قانونا يسمح بالقتل الرحيم، غير أن المحكمة الدستورية أحالت هذا القانون مجددا على مجلس النواب من أجل تدقيق الحالات المزمنة التي يباح فيها الموت الرحيم.

وتجدر الإشارة إلى أن بعض الولايات الأمريكية، مثل واشنطن وأوريغون، تسمح بأن يقوم المرضى بإعطاء الدواء القاتل لأنفسهم تحت إشراف طبي ليتخلصوا من مرضهم المؤلم، كما أن كولومبيا تساعد مرضاها على انتحارهم بإعطائهم الدواء للتخلص من الحياة بعد معاناتهم النفسية والصحية، لكن هذه الدول أثيرت فيها ضجة كبيرة من طرف المدافعين عن بقاء المريض مهما كانت حالته على قيد الحياة حتى يموت موتا طبيعيا دون وضع حد لآلامه ومعاناته مع المرض، لذلك عرف الموت الرحيم جدلا كبيرا بين القبول والرفض في كثير من الدول الأوروبية، ولا سيما ألمانيا التي كان قانونها الجنائي يعاقب عليه بعقوبة الإعدام، ومع ذلك، فإن النقاش مازال محتدما في هذا البلد حول المريض الميؤوس من شفائه، فالبعض يعتبر الموت الرحيم ليس بقتل عمد ولا مساعدة للتعجيل بالموت قبل أجله، بل إن هذا القتل هو عبارة عن نزع آلة طبية من جسم المريض، يبقى الهدف الأول منها هو أن يكون الموت أقل تعذيبا وأقل مضرة للمريض في الحالات التي يستعصي فيها الشفاء، وبالضبط في الحالات التي يصبح فيها الداء أكثر ضررا على المريض من أثر الدواء، فالموت الرحيم في نظرهم طريقة للتخفيف من أعباء آلام المريض الميؤوس من شفائه طبيا، وبذلك لا يجب معاقبة من ساعد على التعجيل بالموت قبل أجله بعقوبة القتل العمد، كما هو الشأن في معظم البلدان العربية والإسلامية التي تعتبر الموت الرحيم قتلا عقوبته رهينة بالدين، وكما حصل في فرنسا بالنسبة لمواطنة فرنسية التي أوقفت عمل الأجهزة الطبية التي كان يتنفس من خلالها أخوها المريض والذي وصل إلى الوفاة الدماغية ولزم الفراش أكثر من عقد من الزمن، فتوبعت بعقوبة القتل العمد، وهي الممرضة التي كان عليها ترك أخيها يموت موتا طبيعيا، كما أن أطباء توبعوا في فرنسا بعقوبة الإعدام قبل أن يتم العفو عنهم بعد تدارس حالات مرضى ميؤوس من شفائهم والذين طلب ذويهم من أطباء التعجيل بموتهم رأفة بحالاتهم المرضية التي استعصى فيها شفاؤهم، ورأفة بذويهم الذين يعانون ماديا ونفسيا فاستجاب الأطباء لرغبتهم.

لقد أثبت الواقع أن هناك حالات مرضية تصبح فيها الحياة عبارة عن عذاب في جميع الأوضاع، سواء تعلق الأمر بالوضع الاجتماعي كذوي المريض وأقاربه، أو الوضع النفسي، ناهيك عن الوضع المادي، خصوصا المعوزين منهم الذين لا يتوفرون على التغطية الصحية والذين لا يستطيعون مواجهة مصاريف التنقل والتطبيب وغيرها من المصاريف الأخرى.

إن الموت الرحيم تتداخل فيه جوانب متعددة تتوزع بين ما هو أخلاقي وما هو ديني وما هو اجتماعي، إضافة إلى ما هو قانوني وحقوقي، لذلك يصعب الخوض فيها من وجهة نظر أحادية الجانب.. فهل من حق الإنسان أن يقتل نفسه تخلصا من الألم، بل يتعدى ذلك إلى قتل إنسان آخر تحت ذريعة المرض الميؤوس من شفائه لا سيما إذا كان طبيبا معالجا؟

تعددت الأسباب والموت واحد

    “تعددت الأسباب والموت واحد”.. هكذا بررت شقيقة أحد المرضى ميؤوس من شفائه وهي تحاول أن تدافع عن اقتناعها بالموت الرحيم وتنفيذه في حق أحد أقاربها، إيمانا منها بأن هذه الطريقة تجسد قمة الرأفة والرحمة، سواء في حق شقيقها الذي طال أمد ملازمته فراش المرض مع ارتباطه بالآلات الطبية ليل نهار دون جدوى ودون ذرة أمل في البقاء حيا، أو في حق ذويه وهي واحدة منهم، وقد أضناهم العوز المادي والمعاناة النفسية المقرونة بتكاليف التنقل ومصاريف العلاج الغير مجدي، والمقرونة كذلك باليأس والإحباط وتداعياتهما وتأثيرهما على باقي أفراد الأسرة في استمرار حياتهم العادية.

على الرغم من أن الدين الإسلامي يحرم القتل كيفما كان، وعلى الرغم من أن القانون المغربي له اليد الطولى في زجر كل من سولت له نفسه هذا الإجراء علنا أو خفية، وعلى الرغم مما تدعو إليه الأعراف الإنسانية والحقوقية من حق تشبث الأفراد بالحياة وعدم مصادرة هذا الحق، تقول هذه السيدة اليائسة، إنها طلبت من الطبيب المعالج المشرف على صحة أخيها في أكثر من مرة، أن يوقف الآلات المرتبطة بشقيقها لـ”تبعث” فيه تنفسا اصطناعيا ليس إلا، أو بالأحرى طلبت منه أن يجهز على أخيها ويرحمه مما يعاني منه من ألم، وبمعنى آخر، طالبت الطبيب بقتله قتلا رحيما، يرحم هذا الشقيق الذي لا يربطه بهذا الوجود إلا الآلات الطبية، التي إذا نزعت من جسده لكان ذلك رحمة به وبأفراد أسرته التي تعاني من أعباء المصاريف المادية والمعاناة النفسية.

موقف الديانات السماوية من الموت الرحيم

    إن جميع الديانات السماوية من يهودية ومسيحية وإسلام، تحرم القتل الرحيم، كما أن معظم الدساتير تجرمه، ومنها دستور 2011 المغربي الذي ينص في الفصل 20 على “الحق في الحياة، وهو أول الحقوق لكل إنسان ويحمي القانون هذا الحق”.

موقف الإسلام من قتل النفس

    لقد نهى القرآن الكريم عن قتل النفس كيفما كان نوع القتل، حيث قال الله تعالى: ((ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما))، وقال عز من قائل: ((ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون))، وقال الرسول (ص): ((من قتل نفسه بحديدة جاء يوم القيامة وحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا أبدا، ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا))، وقال عليه السلام: ((من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله))، وقال شيخ الأزهر الدكتور جاد الحق رحمه الله: “إن الموت من فعل الله تعالى، وقتل النفس حرام إلا بالحق، وأن قتل الرحمة ليس من الحق، إنما من المحرم قطعا بالنصوص الشرعية”.

وفي توصية مجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة: أنه يمكن القيام بنزع أجهزة الإنعاش عن المتوفي دماغيا والذي لا أمل من شفائه وعودته إلى الحياة الطبيعية، وفي حالة الإجهاض الاضطراري، حيث يوجد خطر يهدد حياة الأم في حالة استمرار الحمل، يكون إجهاض الجنين هو الحل الوحيد لإنقاذ حياة الأم مع استحالة الجمع بين حياة الأم وجنينها، فهنا على الطبيب تقديم حياة الأم على حياة جنينها، ويعزى ذلك إلى قاعدة “يرتكب أهون الشرين وأخف الضررين”، فهنا الطبيب لا يشترط إذن الأم، ولا الأب، إنها حالة الضرورة القصوى التي تقتضي إجهاض الجنين لإنقاذ حياة الأم.

الوضع القانوني للموت الرحيم

    لقد تطرقت موسوعة القانون الأمريكي للقتل الرحيم بصفة عامة، فذكرت أن “القتل الرحيم جريمة قتل يعاقب عليها بأقصى عقاب”، غير أن الانتحار بمساعدة الطبيب لا يصنف على أنه قتل رحيم من قبل ولاية أوريغون، حيث أن الطبيب الذي يلاحظ تفاقم كآبة مريضه المفرطة، بإمكانه أن يخلصه من عذابه النفسي فيساعده على الانتحار دون أن يلحقه أي عقاب قضائي كيفما كان نوعه، وإعطاء الطبيب لمريضه دواء مسكنا للألم من أجل تخفيف المعاناة، حتى لو كان يعجل بالموت، تم اعتباره قانونيا في العديد من قرارات المحاكم، ومن أشهر قضايا القتل الرحيم، قضية الطبيب الأمريكي جاك كيفوركيان، الذي تعرض للسجن لمدة ثمان سنوات بتهمة القتل من الدرجة الثانية بسبب مساعدته 130 مريضا على إنهاء حياتهم، نظرا لعذابهم ومعاناتهم مع المرض.

وحسب استطلاع للرأي في الولايات المتحدة الأمريكية، سئل أكثر من 10.000 من الأطباء عن القتل الرحيم، فأجاب 16 % من هؤلاء الأطباء بموافقتهم على القيام بتوقيف حياة المريض إذا طلبت أسرته ذلك، حتى لو كان يعتقد أنه من السابق لأوانه، بينما ما يقرب من 55 % منهم رفضوا ذلك، أما 29 % المتبقين، فكان جوابهم بأنهم يعتمدون على الظروف المحيطة بالمريض.

وفي استطلاع آخر، ذكرت الدراسة التي قام بها فريق علمي طبي، أن 46 % من الأطباء يتفقون على أنه ينبغي أن يسمح للأطباء بالمساعدة في إنهاء حياة المريض في بعض الحالات، بينما 41 % رفضوا ذلك، و14 % كان جوابهم أنهم يتصرفون حسب الحالات.

والقتل الرحيم أو ما يعرف بـ”الأوتانازيا” وما عرفه من جدل كبير عالميا، بين القبول والرفض، فإن هذا القتل يبقى مستبعدا في المغرب، لارتباط هذا الموضوع بالدين والقانون وحقوق الإنسان، لاسيما وأن الدستور المغربي نص في الفصل 22 منه على أنه ((لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص في أي ظرف من قبل أي جهة كانت خاصة أو عامة)).

 

* أستاذ باحث

تتمة المقال بعد الإعلان

تعليق واحد

  1. من حق الواحد يختار يموت, كيفما ما تعطاش ليه الحق يختار باش يعيش بكرامة, او بسبب امراض نفسية او جسدية,
    انا فالعشرينات ديالي و كرهت هاد الحياة بغيت الموت الرحيم يتقنن خلاص نتهناو اش من حق الحياة؟؟
    ايلا الديانات ديال البعض ماكاتسمحش ليهوم يديروها لا يديروهاش, اش شغلهوم فينا حنا اللي بغينا نموتو؟ دين ديالكوم مارسوه فداركوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى