الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | الاحتفال بانقلاب الجنرال أوفقير في عز انقلاب الصخيرات

الصخيرات المجزرة السياسية "الحلقة 31"

حتى لا ننسى.. الصخيرات المجزرة السياسية
((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر)) صدق الله العظيم.
يقول القيدوم الراحل أستاذنا مصطفى العلوي: ((وما كان لأحداث على مستوى خطورة هجوم الصخيرات أن تدرج في مسالك النسيان، دون أن نستخلص الدرس منها، وكان الملك الحسن الثاني رحمه الله، حريصا على إقبار أخبارها وأسرارها، تفاديا لاستمرار البحث عن دوافعها وأسبابها والمسؤولين عنها، بقدر ما يحرص كتاب “الصخيرات المجزرة السياسية” على استخلاص الدرس مما خطته دماء الضحايا، ودموع الثكالى على جبين التاريخ المغربي المعاصر.
فيما يلي، تقدم “الأسبوع” أقوى ما كتبه الراحل مصطفى العلوي عن محاولة انقلاب الصخيرات، عبر حلقات ضمن ركن “الحقيقة الضائعة”.
بقلم: مصطفى العلوي

  كثير من الضباط الذين عاشوا أحداث الصخيرات وتفاصيلها وجزئياتها، أصبحوا من ذلك التاريخ بالنسبة لمن لازال حيا منهم، موقنين بالحجة والبرهان، أن الصخيرات كانت يوم 10 يوليوز 1971 مسرحا لانقلابين، الأول نظمه الجنرال المذبوح على الملك، والثاني نظمه الكولونيل عبابو على الجنرال المذبوح، الذي رفض أن يكشف عن مخبإ الملك الحسن الثاني، أما الانقلاب الثالث، فهو الذي ساقه القدر في شكل معجزة، عندما حلقت طائرة هيليكوبتير يقودها الكولونيل أمقران، الذي حسب أن كل من في الصخيرات أموات، وأنه جاء وقت الدخول إلى الرباط لتسلم زمام الحكم.

وهكذا كشفت الأيام أن الانقلاب الثاني على الملك الحسن الثاني، والذي نظم سنة من بعد، في غشت 1972، ولد من رحم انقلاب الصخيرات، ومدبر هجوم الانقلاب الثاني، الكولونيل أمقران، الذي جاء بطائرة الهيليكوبتير ليحلق فوق أحياء الصخيرات وأمواتها، رجع إلى قيادته في قاعدة القنيطرة ينتظر تلفون شريكه، الجنرال أوفقير، الذي سلمه الحسن الثاني مقاليد الأمور دون أن يعرف – بدون شك – أنه إنما أعطى للجنرال أوفقير مفاتيح القوة التي ستضرب طائرة الحسن الثاني في الفضاء سنة من بعد، وأن أمقران الذي حلق فوق قصر الصخيرات يوم 10 يوليوز 1971، هو الذي ضرب الطائرة الملكية سنة من بعد.

فكيف كان الموقف في المدينة الرباط بعد أن هيمن عليها الجيش الذي كان يحتل الصخيرات بعد الظهر؟

عشية يوم عاشر يوليوز 1971، عندما استتب الأمر للكولونيل عبابو والكولونيل الشلواطي في الرباط العاصمة، بعد أن تركوا القصر الملكي بالصخيرات محتلا وكل من فيه ممدودا على التراب وعلى ملاعب الغولف، توجه الكولونيل عبابو إلى مقر الإذاعة الوطنية لتسيير العمليات الإذاعية بعد أن ترك الكولونيل الشلواطي في القيادة العليا للقوات المسلحة الغير بعيدة من الإذاعة، ووقتها نصب الكولونيل الشلواطي نفسه قائدا عاما للجيش.

وقد بدأ الكولونيل الشلواطي الاتصال برؤساء النواحي العسكرية، يعطيهم الأوامر باسم مجلس قيادة الثورة.

واتصل الشلواطي بأهم مركز للجيش الملكي وأكثره خطورة، وهو القاعدة الجوية بالقنيطرة، حيث كان الكولونيل محمد أمقران، وهو ريفي مثل الكولونيل عبابو، رئيسا لتلك القاعدة.

كما اتصل بالكولونيل أبارودي في البحرية الملكية بالدار البيضاء، حيث كانت بعض البوارج الحربية على أهبة الاستعداد بعد أن تلقت كل المعلومات الكافية من الباخرة الحربية التي كانت تتفرج على ما يجري في الصخيرات، وقال بعض الشهود أنهم رأوها تطلق عيارات نارية.

وقد وضع الكولونيل أمقران كل إمكانيات القاعدة رهن إشارة القيادة العليا، وهي جزئية لم يطلع عليها أحد من قبل.

وبعد ساعات قليلة، وصل الجنرال حمو إلى القاعدة الجوية بالقنيطرة وكان في حالة مزرية، ممزق الثياب، ملطخا بالدم.. وهو يلهث، وما إن دخل إلى المكتب الفخم المؤثث على الطريقة الأمريكية حيث كان الكولونيل أمقران جالسا، حتى وقف هذا الأخير وأدى التحية، فقال له الجنرال حمو: هيا بنا.. اعط الأوامر لطائراتك بأن تتحمل بالقنابل وتمحو مدينة الرباط كلها من الخريطة، وسأله أمقران عن السبب، فأجابه حمو: إن عبابو يريد أن يستبد بالحكم لنفسه وهو شيء نحن غير متفقين عليه.

في تلك اللحظة، فطن أمقران إلى روح الخلاف التي تسربت إلى صفوف الضباط الثائرين، فالتفت إلى الجنرال الواقف أمامه، والذي هو في نفس الوقت رئيسه، بحكم أنه رئيس المنطقة العسكرية التي توجد بها القنيطرة وقال له بدهاء كبير: لكن.. أنت تعرف أن الكولونيل الشلواطي هو رئيس الأركان، وإنني لا يمكن أن أتصرف إلا بأمر منه.

وبعد أيام قليلة، كان رصاص الجيش يسكت أنفاس الجنرال حمو والكولونيل الشلواطي، ومعهما كل هذه الأسرار والأخبار والجزئيات.. وقتها كان الكولونيل أمقران يشرب كأسه بنادي الضباط ذي الكراسي الجلدية الوثيرة داخل القاعدة المغربية الأمريكية بالقنيطرة.

وعادت المياه إلى مجاريها.. وأصبح الجنرال أوفقير ماجورا عاما للجيش ووزيرا للدفاع، بعد أن نفض يديه من الغبار المتناثر على شاطئ البحر وقت إعدام الضباط الكبار.

لقد أسندت إلى الجنرال أوفقير مهمة إعادة الأمن وتنظيم الجيش ودفن روح التمرد والثورة، وذات أمسية جميلة من الأسبوع الأول من شهر غشت 1971، كان نادي الضباط بشارع محمد الخامس بالرباط يزخر خارجه بالسيارات وداخله بمئات الضباط المحتفلين بتنصيب الجنرال محمد أوفقير ماجورا عاما للجيش ووزيرا للدفاع في نفس الوقت، كانت عيون الضباط كلها متوجهة إليه.. خليط من الأفكار والاتجاهات، وكان الويسكي والشمبانيا يسيلان في كل جنبات نادي الضباط.. وكان الجنرال أوفقير بكسوته البيضاء المرصعة بالصدف النحاسية والنياشين الحمراء الحريرية سابحا في بحر من النشوة والحبور.. كان كعادته يرفع عينيه تارة بعد أخرى في اتجاه معين كالقط عندما يصب نظراته على صيد، ثم أحنى رأسه ودخل في الحديث مع مجاوريه.. وبعد لحظات قصيرة، وضع يده اليمنى على كتف أحد مساعديه المدنيين مشيرا له باليد اليسرى إلى المحل الذي كانت نظراته منصبة عليه منذ لحظات، وقال لمساعده: قل للكولونيل أمقران الذي هناك أن يأتي عندي.

وبعد لحظات، كان الكولونيل أمقران، وهو في أحسن بذله العسكرية، بقده الجميل الغير فارع، ورأسه المقصوص القصير الشعر وعينيه الضيقتين المرتعشتي الرموش، وقد وقف يؤدي التحية العسكرية للجنرال الكبير، وبسرعة، وضع أوفقير يده على كتف أمقران وكأنه يسدل بركاته على هذا الضابط المتقد، أمقران، قال أوفقير: كيف الطائرات وكيف القاعدة.. إني أريد أن أزورها يوما وأريد أن أجرب هذه الطائرة التي تسمى “إيف سانك”، حضر لي غذاء بعد غد فسأكون ضيفك؟

ولا أحد غير أمقران يعرف ما دار في ذاكرة الكولونيل الشاب من أفكار، بعد أوفقير طبعا.. ولكنه حديث مرتبط بما يعرفه أوفقير بنفسه وما يعرفه أمقران أيضا من سوابق مضى عليها شهر وبضعة أيام.

وعندما هم أمقران بالانصراف وهو يقلب عينيه الضيقتين بين المنصتين ذات اليمين وذات الشمال، بادره أوفقير مقاطعا حيرته بقوله: ناد لي على الكولونيل أبارودي لكي يحضر لي هو أيضا جولة على ظهر الباخرة الحربية (المعونة).

وأصبح الكولونيل أمقران في قاعدته وكأنه رئيس دولة في دولته، فهو في تلك القاعدة رئيسها، وهو أحسن الضباط إتقانا للإنجليزية وإتقانا للألمانية، وإتقانا للإسبانية وإتقانا للفرنسية، وطبعا فهو يتكلم الريفية ككل الريفيين، ويتكلم العربية ككل المغاربة، له في القاعدة أحسن البيوت، ولكنه يعيش مع أفراد القاعدة وكأنه واحد منهم، يزاول كل أنواع الرياضة، ويقسم نهاره بين واجباته العسكرية في القاعدة وواجباته الاجتماعية في القنيطرة، فشعبيته في هاته المدينة الصغيرة نابعة من إعجاب القنيطريين بهذا الطيار الذي يتذكرونه كلما مرت طائرة نفاثة فوق بيوتهم، أما ليله، فيقضيه في السهرات الراقصة وسط الضباط الأمريكيين الذين يوجد منهم المئات في القاعدة التي يرأسها.

ولقد عمت القاعدة حركة غريبة من التنظيف والترتيب استعدادا لاستقبال “المعلم” الجديد للجيش.

 

يتبع

تتمة المقال بعد الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى