روبورتاج

ربورتاج | المغاربة العالقون في تركيا يستنجدون بالملك

يعاني مئات المغاربة من حياة صعبة في تركيا، لعدة أسباب منها الأزمة الاقتصادية، وجائحة “كورونا” وضياع وثائقهم والتشرد، ثم جاء قرار الحكومة بتعليق الرحلات الجوية إلى تركيا بشكل مؤقت، ليضع مواطنين آخرين يتوفرون على تذاكر العودة أو العبور، أمام مشكلة حقيقية، بحيث أصبحوا عالقين في المدن التركية منذ عدة أشهر، منهم من استنفذ أمواله وباع أغراضه لتدبير مصاريف الطعام والمبيت، وآخرين وجدوا أنفسهم في الشارع بعدما تعرضوا لحوادث سرقة ونصب واحتيال.
الكثير من مغاربة تركيا العالقين، أصبحت حياتهم مثل اللاجئين السوريين، يقضون الليالي وسط أزقة أحياء وشوارع وأنفاق إسطنبول وأنقرة، بعدما تخلت عنهم الحكومة والوزارة المسؤولة عن الجالية المقيمة بالخارج، حيث أصبحوا يتعرضون للإهانة والمعاملة القاسية من الأتراك، بسبب الظروف التي قلبت حياتهم من الاستقرار إلى التشرد.
حكايات للعديد من المغاربة الذين تقطعت بهم السبل في تركيا ووجدوا أنفسهم عالقين بدون مأوى ولا مال يبحثون عن مساعدات، رغم أنهم يتوفرون على منازل وبيوت في المغرب وعائلات، إلا أن إيقاف الرحلات الجوية وضعهم في مأزق ومشاكل مستمرة مع السلطات التركية، التي تمنعهم من تشييد خيام للوقاية من البرد والحرارة المنخفضة، وتمارس عليهم مضايقات بسبب عدم اهتمام السفارة المغربية بأوضاعهم.

الرباط. الأسبوع

حكايات ومعاناة

    حسن، طالب دكتوراه مغربي، وجد نفسه عالقا في تركيا بعدما قدم من ماليزيا لأجل تبديل الطائرة، قصد إكمال الرحلة إلى الدار البيضاء عن طريق “ليسكال”، هو من بين المغاربة الذين تقطعت به السبل رفقة أسرته بعد رحلة عبور كان من المفترض أن تدوم لمدة أربعة أيام فقط، لكنه فوجئ بقرار الإغلاق في اليوم الثالث بعد قيامه بتحاليل “كورونا” واستعداده للسفر إلى المغرب في اليوم الموالي.

يروي حسن أن السبب الرئيسي الذي دفعه ليقرر العودة من ماليزيا، هو فقدانه للعمل أواخر السنة الماضية وصعوبة الظروف المعيشية الناجمة عن تأثير جائحة “كورونا”، مما جعله يفكر في الرجوع للمغرب بصفة نهائية، إلا أنه فوجئ بالقرار الذي نزل كالصاعقة عليه وبدون سابق إنذار، مما جعله رفقة زوجته وطفلته عالقين في الديار التركية، مضيفا أن حالته المادية أصبحت صعبة بسبب تعليق الرحلات وبقائه رفقة أسرته الصغيرة في تركيا.

وأوضح أن العالقين نظموا وقفة احتجاجية أمام مقر القنصلية المغربية من أجل تسوية مشكلتهم، منوها بتجاوب القنصل معهم وأخذه جميع المعلومات من عشرات الناس لأجل إرسالها إلى المصالح المختصة بالمغرب، إلا أن جميع القرارات، حسب القنصل، بيد وزارة الخارجية التي ينتظر منها المواطنون أن تفتح لهم باب العودة إلى المغرب.

وأكد حسن أن معاناة المغاربة العالقين كبيرة، منهم شباب يبيتون في الأزقة ليس لهم مأوى، وآخرون جاؤوا من أجل السياحة ليجدوا أنفسهم أمام ظروف صعبة، وبعض الأشخاص لديهم تذاكر العبور لتبديل الطائرة في تركيا قصد التوجه للمغرب، مشيرا إلى أن المصالح القنصلية لم تعط أي جواب إيجابي وتركت مصير الناس مجهولا.

وتابع أن “هناك دولا تضع حلولا لمواطنيها الذين في الخارج، مثل دولة ماليزيا التي تفرض اختبار كورونا على المسافر ثم تخضعه للحجر الصحي لمدة عشرة أيام في أحد الفنادق، ويجري بعد ذلك اختبار آخر على حساب نفقته الخاصة قبل السماح له بالذهاب إلى بيته”.

حالات كثيرة من بينها حالة أم وابنها البالغ 12 سنة، وجدت نفسها أمام وضعية وظروف صعبة، بعدما قررت الحكومة تعليق الرحلات وتتوفر على تذكرة العودة، تقول أنها مهددة بالتشرد مع ابنها الذي يعاني من مرض بسبب عدم توفرها على المال، وتسعى لطرق أبواب القنصلية قصد الحصول على حل والعودة للوطن، بينما تعيش سيدة أخرى حالة مزرية بعد أن جاءت لقضاء يومين فقط في تركيا، لتجد نفسها من العالقين وتمنع من العودة للمغرب، بعدما تركت ابنتها لوحدها تخضع للعلاج في المستشفى بالدار البيضاء منذ شهر ونصف، مطالبة الوزارة المسؤولة بفتح باب العودة وتسهيل الإجراءات حتى تعود لأطفالها.

شابة أخرى جاءت إلى تركيا بهدف إجراء عملية جراحية في إحدى المصحات، تعرضت للنصب من قبل عراقيين وصرفت أموالا كثيرة وتمر بظروف صعبة بسبب تواجدها لوحدها، وحاليا تفكر في الرجوع للمغرب قصد متابعة حالتها الصحية عند أحد الأطباء، تقول: “تعرضت لظروف صعبة هنا في تركيا كنت أفكر في العودة للمغرب، صرفت الكثير من الأموال بين الفندق والمصحات والعلاج، ندمت كثيرا على المجيء هنا.. أريد فقط العودة لديارنا وأرجو أن يخصصوا لنا رحلات خاصة مثل الدول الأخرى لكي نتخلص من هذه الأوضاع الصعبة”.

مشردون وآخرون في السجون

    كثيرة هي ظروف وأحوال المغاربة في تركيا، فمنهم من يبحث عن لقمة العيش، ومنهم من يريد الدراسة أو الزواج، ومنهم من يحلم بالعبور إلى أوروبا، الآلاف من الشباب والشابات اصطدموا بواقع تركيا والحياة الصعبة بعدما كانوا يعتقدون أن تركيا هي “فردوس الشرق”، إلا أن حياتهم تحولت إلى جحيم ومعاناة ومصير مجهول.

يقول محمد، مغربي مقيم في تركيا، أن غالبية العالقين جاؤوا من أجل أهداف معينة، سواء للدراسة أو للتطبيب أو للعمل، لكن عند انتهاء المدة المحددة، وجدوا أنفسهم عالقين بعد توقيف الرحلات بين البلدين، مما أدى بهم إلى صرف جميع أموالهم ومدخراتهم خلال فترة الإقامة، سواء في الفنادق أو الشقق، وبالتالي كان مصيرهم الشارع، مضيفا أن من بين العالقين من أصبح يتسول ومنهم من باع ملابسه وأغراضه ويعيش حاليا معاناة كبيرة في البرد القارس في الشارع، بعدما أغلقت السفارة الأبواب في وجوههم ولم توفر فضاء أو مسكنا يقطنون فيه بشكل مؤقت.

وأوضح أن العديد من المغاربة الذين جاؤوا من أجل الدراسة أو العمل أو السياحة قبل “كورونا” أو بعدها، يعانون ظروفا صعبة بعدما صرفوا جميع أموالهم وفقدوا الإقامة والمأوى ليصبح مصيرهم الشارع، مشيرا إلى أن فئة منهم وجدوا أنفسهم يتسولون في الأزقة والساحات بعدما تعرضوا للنصب من قبل بعض النصابين المغاربة الذين يقومون بتزوير بعض الوثائق والعقود والإقامات، ويستغلون جهل الضحايا للغة التركية لسلبهم أموالهم وأغراضهم.

وتحدث محمد عن فئة أخرى من المغاربة التي تعاني في تركيا، وهم “الحراكة” الراغبين في الهجرة إلى أوروبا والذين جاؤوا قبل انتشار الجائحة، لكن حياتهم انقلبت رأسا على عقب وأصبحوا مثل المهاجرين السريين في إسبانيا، مطاردين من قبل دوريات الشرطة التركية، ويعيشون حياة التشرد والتسول في الشوارع، ويتعرضون لانتهاكات حقوقية ويتم الزج بهم في سجون “أدرنا” و”مالتيبي”،  المخصصة لحبس المهاجرين السريين، بدون تهم أو محاكمات منذ سنوات، تستعملهم تركيا كوسيلة ضغط على الاتحاد الأوروبي، لأخذ الدعم المالي مقابل مكافحة الهجرة السرية، مناشدا وزارة الخارجية للتدخل من أجل إطلاق سراح الشباب القابعين في سجون المهاجرين السريين وإعادتهم للمغرب.

وعبر محمد عن حزنه وحسرته على ضياع الشباب والشابات المغاربة العالقين والمتشردين في تركيا، من بينهم حاملو ديبلومات وشواهد الإجازة، يعيشون ظروفا قاسية بعد انتهاء التأشيرة أو فترة الإقامة ومن بينهم من كانوا عرضة لعمليات نصب واحتيال، مؤكدا أن عائلاتهم في المغرب لا تعلم عنهم شيئا خاصة القابعين في السجون، أو الذين يعيشون التشرد، بحيث يلتقي كثيرا بآباء وأمهات مغاربة في شوارع إسطنبول يبحثون عن أبنائهم الذين انقطعت أخبارهم ومنهم من اختفى منذ سنة 2017.

مناشدة العالقين للملك

    التمس عشرات المغاربة العالقين في تركيا من الملك محمد السادس التدخل، لأجل تمكينهم من العودة إلى المغرب بعد أن وجدوا أنفسهم أمام مصير مجهول، عقب قرار السلطات المغربية القاضي بتعليق الرحلات الجوية إلى تركيا مؤقتا ضمن الإجراءات الاحترازية لمنع تفشي السلالات الجديدة لـ”كورونا”.

وناشد المغاربة العالقون بتركيا الملك، لإعطاء تعليماته إلى الحكومة، لترتيب عودتهم للوطن عبر تخصيص رحلات جوية استثنائية لنقلهم وإنقاذهم من التهميش واللامبالاة والتشرد الذي بات يهددهم في ظل الظروف القاسية التي يعيشونها منذ شهرين.

وأكدوا على أنهم طرقوا جميع الأبواب دون جدوى، ولم يجدوا بعد الله سوى باب الملك الذي سوف ينقذهم من هذه المحنة والحيف وتجاهل أوضاعهم في الظروف الجوية والصحية الصعبة، مشيرين إلى أن بعضهم ينامون في الشوارع والحدائق يفترشون “الكارطون” ويلتحفون السماء، والمحظوظ فينا وجد مكانا في “الميترو” إلى جانب العشرات من السوريين الهاربين من ظروف الحرب.

وأشار المغاربة العالقون في تركيا، أنهم “حاولوا مرارا التواصل مع قنصلية المملكة في إسطنبول، وسفارة المملكة في أنقرة، لكن دون جدوى، وكل محاولاتنا هذه باءت بالفشل، والتجاهل، وفي بعض الأحيان بالإهانات من طرف بعض العناصر”، معبرين عن أملهم في الملك لوضع حد لأوضاعهم المزرية التي لا تشرف أحدا، وفتح خط جوي مستعجل لإجلائهم من تركيا إلى المغرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى