الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | المقصلة تجمع أعناق الجنرال أمحراش والكولونيل الفنيري وبلبصير

الصخيرات المجزرة السياسية "الحلقة 30"

حتى لا ننسى.. الصخيرات المجزرة السياسية
((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر)) صدق الله العظيم.
يقول القيدوم الراحل أستاذنا مصطفى العلوي: ((وما كان لأحداث على مستوى خطورة هجوم الصخيرات أن تدرج في مسالك النسيان، دون أن نستخلص الدرس منها، وكان الملك الحسن الثاني رحمه الله، حريصا على إقبار أخبارها وأسرارها، تفاديا لاستمرار البحث عن دوافعها وأسبابها والمسؤولين عنها، بقدر ما يحرص كتاب “الصخيرات المجزرة السياسية” على استخلاص الدرس مما خطته دماء الضحايا، ودموع الثكالى على جبين التاريخ المغربي المعاصر.
فيما يلي، تقدم “الأسبوع” أقوى ما كتبه الراحل مصطفى العلوي عن محاولة انقلاب الصخيرات، عبر حلقات ضمن ركن “الحقيقة الضائعة”.
بقلم: مصطفى العلوي

الجنرال أمحراش

    يعتبر الجنرال مصطفى أمحراش من الأسماء الغريبة على المغاربة، إذ أنه من الضباط الذي كانوا يعملون في الخفاء دون التقلب في مناصب سياسية وإدارية، فهو أيضا سليل عائلة بربرية مثل الجنرال حبيبي، ومن نفس القرية التي ولد فيها الجنرال حبيبي، أي الحاجب بإقليم مكناس.

وليست شخصيته بالقوية ولا تكوينه بالمتين، ولكن حياته كانت مطبوعة في الدرجة الأولى بمشاكله العائلية، فبعد أن تزوج بإحدى الأوروبيات في الكنيسة، استولت السيدة على مصيره، وعلى أولاده الذين كانت ترغمهم على التوجه إلى الكنيسة كل يوم أحد، وعندما كان الجنرال مصطفى يزاول مهامه بالقيادة العليا للجيش، كانت زوجته منكبة على تكوين أولاده تكوينا مسيحيا بحثا، إلى أن أسندت إليه إدارة المدارس العسكرية، حيث يعطي للجنود التلاميذ تكوينا دينيا إسلاميا متينا، وحيث أخذ الجنرال مصطفى يتأثر بما يفرضه على التلاميذ من تكوين إسلامي، وبسرعة تحول تفكيره، وتوجه إلى الحج ثم عاد مسلما أكثر من المسلمين، ومؤمنا أكثر من المؤمنين، ومنع الكنيسة عن أولاده وهدد زوجته بالطلاق، وأصبح من أعز أصدقاء الجنرال بلعربي الذي يعتبر الضابط المغربي الوحيد المتطرف في شؤون الدين والذي يؤدي صلواته الخمس في وقتها داخل مكتبه.

ولكن هذا لم يمنع الجنرال مصطفى من أن يولي بدوره عناية خاصة لمصالحه المادية، وكان له ما أراد من عمارات وضيعات شأنه شأن جميع الضباط الكبار.

ويقول المقربون للأوساط الحكومية، أن الجنرال مصطفى منذ أن اعتقل عشية سبت عاشر يوليوز وهو يصلي بدون انقطاع.

ورغم أن اللائحة الرسمية للضباط الذين تم إعدامهم لا يتواجد بها اسم الجنرال مصطفى أمحراش، إلا أن الصحف المغربية نشرت اسمه بين المعدمين، لكنه لم يعدم مع الضباط العشرة، وربما مات من قبل تحت التعذيب حيث كان يجري استنطاقه عن الدوافع التي جعلته يسلم للجنرال المذبوح والكولونيل عبابو، مائة وخمسين طنا من الذخيرة الحية.

 

الكولونيل الفنيري

    من أغرب الضباط الذين تم إعدامهم وضعا، الكولونيل محمد الفنيري، فهو أصغرهم سنا وأكثرهم حظا في الحياة.

شاب أنيق منتهى الأناقة، أديب مطلع سليل أسرة ضاربة في الغنى، من ناحية الرباط زعير، كان أبوه قائدا مشهورا أيام الحماية الفرنسية، وكان هو ضابط من أشهر الضباط بعد الاستقلال، قضى معظم حياته العسكرية إلى جانب الأمير مولاي عبد الله أخ الملك الحسن الثاني كمرافق عسكري وصديق خاص وأمين سر، حتى أنه تزوج كالأمير من فتاة لبنانية كانت صديقة لزوجة الأمير السيدة لمياء الصلح، وقد مكنته هذه الصداقة من أن يصل إلى كل ما يبتغي وما يتمنى.. ضيعات وهدايا وفيلات ومواشي، وكل ما يمكن أن يتوفر لضابط بورجوازي التقاليد، يحيى بجانب أمير أخ ملك البلاد، وكانت علاقته بالأمير مولاي عبد الله تتعدى الصداقة، ليستبعد كل شك في تآمره مع الانقلابيين، الذين أطلقوا الرصاص على صديقه الأمير، وربما اقتنع بنجاح الانقلاب بعد أن كلفه عبابو بوزارة الداخلية، قبل معجزة الصخيرات التي انتهت بنجاة الحسن الثاني.

وقد كانت زوجته سميرة وولداه يضفون على حياته طابعا من الاستقرار والسعادة قلما تتوفر لعدد من الناس، خصوصا عندما تتوفر الإمكانيات المادية والتسهيلات الحكومية.

وقد أبعد رسميا عن مهمته كمرافق عسكري للأمير، لكن علاقته الخاصة به بقيت على حالها، حتى أنه عندما عين مديرا لمدرسة الإطارات التابعة لوزارة الداخلية بالقنيطرة، احتفظ بسكنه الأنيق بالرباط المشحون بالأثاث الرفيع وبالصور الفريدة للملك ولعائلته والأمير وعائلته.

وقد يصح للعقل أن يقبل مشاركة أي ضابط في محاولة انقلاب على النظام إلا الكولونيل الفنيري، الذي كان يعتبر أكثر من ضابط وأكثر من صديق للأسرة المالكة، لقد كان طرفا من النظام الملكي وجزء منه، وقد تناول طعام الغذاء قبل عاشر يوليوز على مائدة الأمير مولاي عبد الله، الذي أخذه معه إلى حضرة الملك وترجاه أن تكون مناسبة عيد ميلاد الملك (تاسع يوليوز) فرصة لتعليق شارة الكولونيل على صدر الفنيري، وكان وعد الملك بالقبول.

وعندما كانت الفرقة المصرية، عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وسعاد محمد وغيرهم يغنون في بيت الفنيري في اليوم الثاني من شهر يوليوز، كان الكولونيل الفنيري منعزلا في بيت خاص يشاهد الحفلة التي أقامها في الصباح بمدرسة الإطارات التي هو مديرها، تلك الحفلة التي ترأسها وزير الداخلية الجنرال محمد أوفقير، ووقف فيها خطيبا ينوه بالكولونيل الفنيري الشاب النشيط، لقد كان الفنيري في منتهى الاعتزاز والثقة بالمستقبل، وكان الفرح يتطاير من عينيه، وفي المساء السابق لعاشر يوليوز، تجادل مع زوجته في مشكل اللباس الذي سترتديه بمناسبة الحفل الملكي، خصوصا وأنها كانت إحدى السيدات الأنيقات اللواتي يضرب المثل بأناقتهن.

وفي صباح عاشر يوليوز، اختار سيارته المرسيديس الجديدة التي وصلته من ألمانيا قبل أربعة وعشرين ساعة، وحمل سروال سباحته وفوطة أنيقة وارتدى زيا خفيفا وتوجه إلى الصخيرات.

الفنيري إذن، وحتى إلى صباح عاشر يوليوز، لم يكن من بين المحضرين للهجوم، وهو بطبيعته بعيد عن العنف، إلا أنه بعد ظهر ذلك اليوم المشؤوم، وعندما كان الكولونيل عبابو يعطي الأوامر ويعلن التعيينات في الساعات الأخيرة، التفت إلى الفنيري وقال له: لقد عينتك وزيرا للداخلية، فاذهب الآن لتتحمل مهامك في الرباط، وفعلا توجه الفنيري إلى وزارة الداخلية وأخذ يتصرف، إلى أن تم اعتقاله في مكتب الوزير، ونقله إلى المنطقة التي كان فيها الجنرال الدليمي يستنطق المتهمين، حيث مات الكولونيل الفنيري تحت التعذيب، في إطار ما سماه الحسن الثاني فيما بعد بـ”التجاوزات”، إلا أن الجنرال الدليمي أحضره صباح الإعدامات ليربط وهو ميت إلى عمود الإعدام بجانب الجنرالات الذين كان مقررا إعدامهم.

الكولونيل بلبصير

    أما الكولونيل بلبصير الكبير، فوضع آخر وشخصية أخرى، إنه الرجل الذي صال وجال في عالم المجد الحكومي والعسكري، وأفنى عمره في جمع المال وتذوق طعم الحياة.. فهو بالإضافة إلى هوايته الكبرى في شراء الأراضي وتربية المواشي منذ صغر سنه، فإنه يهوى أيضا شراء المقاهي والمطاعم والأوطيلات، وهكذا نجده مالكا لأكبر مقاهي شارع محمد الخامس، ولواحد من أجمل أوطيلات العاصمة الفرنسية باريس، بالإضافة إلى آلاف الهكتارات في ناحية وادي زم التي كان اسمه فيها ترتعش لذكره الأفكار.

ولقد بدأ حياته العسكرية مبكرا، حيث شارك في حروب الهند الصينية، وفي المعارك الإيطالية كضابط فرنسي، وحصل على عدة أوسمة أهلت الحكومة الفرنسية لأن تثق فيه وتسند إليه ناحية وادي زم كقائد في خريبكة على الطريقة الاستعمارية القديمة.

وعندما أراد الفرنسيون سنة 1953 إبعاد الملك المرحوم محمد الخامس عن عرشه، اختاروا الكبير بلبصير كواحد من الأدمغة المفكرة والعناصر التي لا شك في ثقتها، وهكذا وضع اسم بلبصير تحت أسماء الكلاوي والكتاني والمقري، وطوق بلبصير إقليم وادي زم بحزام من حديد ونار، وعندما انتفض شعب وادي زم ضد الاستعمار في سنة 1955، تزعم بلبصير المذبحة التاريخية بوادي زم، حيث ذهب عشرات من الوطنيين الشهداء.. وسريعا ما حصل الشعب على استقلاله وفتح ملف بلبصير الذي حاول الهروب، لكن الجماهير سجنته، ووضع اسمه في لائحة الخونة وصودرت ممتلكاته، لكن بلبصير ككل ضابط ذكي، عرف كيف يزاول سياسة النعامة، فانطوى على نفسه ولازم الهدوء في انتظار مرور العاصفة، وكان فقط في رتبة قبطان وقرر عدم الرجوع إلى الجيش الفرنسي وانتظار تقلبات الزمان.

وتقلب الزمن واشتعلت نار الحرب بين المغرب والجزائر في أكتوبر 1963، ونودي على ضباط الاحتياط وكان بلبصير من المستجيبين المتطوعين وأبلى بلاء حسنا في المعركة، مما أهله لثقة الكولونيل حمو، الذي كان يلعب دورا هاما في تلك الحرب، والذي أخذه معه كخليفة له في الناحية العسكرية بتافيلالت، وترقى الكولونيل حمو إلى رتبة جنرال والقبطان بلبصير إلى كومندان، ثم كولونيل، وبقيا لا يفترقان حتى عين الجنرال حمو بناحية الرباط وبقي معه الكولونيل بلبصير، إلى أن التقيا على أعمدة المقصلة حيث تم إعدامهما جنبا إلى جنب.

ويكاد الكولونيلان الأخيران اللذان تم إعدامهما إلى جانب الضباط الثمانية السابقين، وهما الكولونيل بوبري والكولونيل إبراهيم عمي، أن يكونا ضابطين عاديين في الجيش، بل وهما من عائلة واحدة تجمعهما المصاهرة، إذ أنهما زوجان لأختين، إلا أن عمي إبراهيم كان خليفة للجنرال بوكرين في إقليم فاس، بينما بوبري كان لا يغادر شارع محمد الخامس بزيه المدني الأنيق يهوى البنات وينظم الشعر ويحب فريد الأطرش.

أما الكومندان محمد المنوزي، فقد كان العنصر الوحيد المريب في الجيش، إذ أنه من قدماء جيش التحرير وصديق حميم للدكتور عبد الكريم الخطيب ولجميع المنتسبين الثوريين لإقليم سوس، وله ثلاثة إخوة متهمون في”مؤامرة” مراكش التي كانت تجرى محاكمتها في نفس اليوم الذي كانت تجري فيه مجزرة الصخيرات.

ولا يتواجد شك في أن الكومندان المنوزي أعدم في إطار التنكيل بكل أولاد المنوزي، إخوته الذين سجلوا أسماءهم في تاريخ الكفاح الوطني من أجل العدالة والديمقراطية.

 

يتبع

تتمة المقال بعد الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى