الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | حمو وبوكرين وحبيبي.. جنرالات تورطوا في الخيانة العظمى

الصخيرات المجزرة السياسية "الحلقة 29"

حتى لا ننسى.. الصخيرات المجزرة السياسية
((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر)) صدق الله العظيم.
يقول القيدوم الراحل أستاذنا مصطفى العلوي: ((وما كان لأحداث على مستوى خطورة هجوم الصخيرات أن تدرج في مسالك النسيان، دون أن نستخلص الدرس منها، وكان الملك الحسن الثاني رحمه الله، حريصا على إقبار أخبارها وأسرارها، تفاديا لاستمرار البحث عن دوافعها وأسبابها والمسؤولين عنها، بقدر ما يحرص كتاب “الصخيرات المجزرة السياسية” على استخلاص الدرس مما خطته دماء الضحايا، ودموع الثكالى على جبين التاريخ المغربي المعاصر.
فيما يلي، تقدم “الأسبوع” أقوى ما كتبه الراحل مصطفى العلوي عن محاولة انقلاب الصخيرات، عبر حلقات ضمن ركن “الحقيقة الضائعة”.

 

بقلم: مصطفى العلوي

الجنرال حمو

    ليس الجنرال حمو الزياني بأقل ثروة ولا أضعف نفوذا من الجنرال المذبوح ولا الشلواطي ولا عبابو.. ورصيد الجنرال حمو الأول هو أنه ينتمي للعائلة البربرية الكبيرة ذات الماضي العظيم والنفوذ الواسع في مناطق خنيفرة وقبائل زيان، عائلة أمحزون.

فهو سليل البطل التاريخي ضد الاحتلال الفرنسي حمو الزياني، الذي كان يحمل اسمه، وهو سيد الأسرة المنحدرة من ذلك البطل الهمام، والرجل الأول في عائلة أمحزون، التي تملك آلاف الهكتارات في تلك المناطق، وهو بالإضافة إلى كل ذلك، صهر الملك الحسن الثاني، حيث أنه عم الضابط مصطفى حسن، والد الملكة لطيفة زوجة الملك وأم الأمراء، وعم الكولونيل حمو حسن، أحد الضباط المقربين جدا للملك والمنتقدين جدا في محيط الحسن الثاني.

ولقد خصت الطبيعة شخص الجنرال حمو بهبة الطول الفارع، لقد كان أطول ضابط في الجيش الملكي على الإطلاق، حتى أنه كان يخجل من طوله أمام قصر قامات الآخرين، وكان عنيف الملامح كبير الأطراف.. ويعطيه ماضيه العسكري في صفوف الجيش الفرنسي وتجاربه في مختلف ميادين القتال، هبة وشخصية تتكامل مع حجمه الكبير وتقاسيمه المرعبة.

وعندما انضم إلى صفوف القوات المسلحة من بين الذين انضموا متأخرين مثل الجنرال المذبوح، قدم للجيش خدمات جلى وقدم لعائلته خدمات أجل.

إن تاريخ المغرب الحديث مرتبط بدرجة لا تخلو من أهمية بقضية اجتماعية تهم عشرات الآلاف من الزيانيين تجاه عائلة أمحزون التي يعتبر الجنرال حمو الوصي عليها.

فمنذ سنوات طويلة، تسلطت قبائل زيان على أراضي عائلة أمحزون، بمناطق خنيفرة، وهي عدة آلاف من الهكتارات، واحتلوها وأخذوا يتصرفون فيها كما لو كانت ملكا لهم، ولعلها في الحقيقة ملك لهم، وإنما استولت عليها عبر السنوات الماضية عائلة أمحزون.. ولم تستطع هذه العائلة أبدا أن تزحزح الجماهير الشعبية من تلك الأراضي، لذلك كان وجود أحد المسؤولين الكبار عن العائلة لحماية المصالح الإقطاعية للعائلة، على رأس إدارة هامة في الجيش وبرتبة جنرال، عاملا كبيرا في تخفيف حدة التحدي الفوضوي للجماهير المناوئة لعائلة أمحزون، كما أن تعيين ابن أخ الجنرال حمو، وهو الكولونيل حمو حسن، على رأس الدرك الملكي، عامل آخر ذا أهمية بالغة.. وعندما تصاهرت هذه العائلة مع الأسرة الملكية، ضمنت لنفسها الاستقرار والمسالمة رغم أن أي عنصر من هذه العوامل لم يكن من شأنه أن يحل هذا المشكل الذي لازال قائما حتى الآن(…)، ولو لم يكن أسلوب المخزن، لكانت المنطقة موقعا لحرب أهلية طويلة.

ورغم هذه المصاعب، فإن عائلة أمحزون تنعم بحياة الرغد الذي لا نظير له، بين آلاف الهكتارات وآلاف الأبقار والأنعام والخيول والمنتوجات والسيارات والأموال والراقصات والسهرات.

وليس في شك أن الجنرال حمو كان يحيا حياة المتعة والرفاهية، لكنه كان يضيف إليها من أخلاقه الحسنة وبساطته البدوية ما جعله محبوبا جدا عند سكان قبائله الذين بكوا عليه عندما تم إعدامه مثلما يبكي الأبناء على أبيهم، حتى أن الاحتجاجات التي أعقبت إعدامه، تسببت في ردود فعل ملكية سيأتي سردها.

وبعد اشتباكات الجيش المغربي والجزائري في الحدود سنة 1963، أبلى الجنرال حمو بلاء حسنا في العمل العسكري، وأسندت إليه إدارة الناحية العسكرية لإقليم تافيلالت الممتدة على طول المناطق الحساسة في الحدود الجزائرية المغربية، كما أنه عرف الراحة والهدوء عندما أسندت إليه الناحية العسكرية للرباط، وهي الناحية التي تقع فيها قبائله وأراضيه ومصالحه، مركز الصراعات القبلية.

وقد كانت سهرات الجنرال حمو وحفلاته مضرب الأمثال، وستبقى ذكرى للأجيال، كما أنه رغم كبر سنه، كان يهوى الجمال ويختار أجمل البنات وأصغرهن سنا للتزوج بهن.. وقد سارت بذكره ركبان الراقصات الزموريات اللواتي كان يسقيهن الخمر ويغدق عليهن الأموال.

وهكذا غطت حياة الرفاهية والبذخ على الشخصية العسكرية للجنرال حمو، الذي كان تفكيره السياسي منحصرا في كراهيته لسكان المدن، وخاصة لرواسب مدينة فاس وأبنائها الذين يعتبرهم نوعا آخر من الاستعمار.

وحتى إذا كانت ظروف مشاركته في الانقلاب تدعو للشك، حيث أن صوته اختلط برصاص إعدامه وهو يصيح عاش الملك الحسن، فإن كراهيته للعنصر الفاسي، كانت تبرر كل شيء.

الجنرال بوكرين

    يعتبر الجنرال بوكرين الخياري من أنبغ الضباط الذين عرفهم الجيش المغربي ومن أكثرهم تأدبا وأناقة واتزانا وكفاءة.

والذين عرفوا الجنرال بوكرين عن قرب، لم يكونوا يتصورون أن هذا الرجل المهذب والعسكري الهادئ سيموت يوما ما رميا بالرصاص، ومتهما بالخيانة العظمى.

فقد ترقى هو أيضا مدارج المجد العسكري مسديا خدمات كبرى للنظام الملكي، واستفاد بالإضافة إلى ذلك استفادات مادية ومعنوية كبيرة وأصبح على رأس ثروة طائلة، خصوصا وأنه تقلب بدوره في مناصب إدارية وسياسية منذ الاستقلال، ولقد بدأ حياته في ميادين القتال كضابط صغير في صفوف الجيش الفرنسي بعدما بدأ دراسته العسكرية في مكناس.

وقبل أن يتوجه إلى الهند الصينية ليحارب تحت العلم الفرنسي، تزوج وترك زوجته وولده وبنته في تازة، وذات يوم وهو مرابط هناك في الهند الصينية، جاءه خبر اعتقال زوجته في تازة سنة 1953، فامتطى أول طائرة إلى الدار البيضاء، ومنها إلى تازة، حيث أصيب بصدمة كبرى أثرت على حياته، وبلورت في نفس الوقت مكامن شخصيته، لقد وجد زوجته معتقلة بتهمة أخلاقية، فلم يرض بهذا الحادث وقام بالمستحيل لإطلاق سراحها وارتحل إلى الرباط، حيث طلقها بعد شهور قليلة، وقد كان هذا التصرف النبيل من الأشياء التي جعلت بوكرين يحصل على رصيد كبير من الاحترام بين أصدقائه.

ولم يرجع للهند الصينية، بل بقي في المغرب إلى أن انضم للقوات المسلحة الملكية يوم تأسيسها، وأخذ يتقلب في المناصب إلى أن أسندت إليه المشاريع الإصلاحية العسكرية في إقليم تافيلالت، ثم عمالة الرباط، وعمالة مكناس، وقد عاد لزوجته الأولى بعد أن محت الأيام جروح الماضي، وعاد أيضا إلى مكناس قرب مسقط رأسه عين اللوح، ليفكر في مصالحه الخاصة، وفي جمع الأموال، خصوصا بعدما رأى أن الشغل الشاغل للضباط هو سباقهم نحو الثروة، وهو الذي كان في الحقيقة عندما كان مديرا للمدرسة العسكرية بمكناس، مثال المتزن المتعقل.

وفي سنة 1967، أقيل من منصبه كعامل سياسي وإداري لإقليم مكناس إلى حاكم عسكري للإقليم، وعندما رقي إلى رتبة جنرال، سمي رئيسا للمنطقة العسكرية بفاس، حيث ربط نفسه بعلاقات طيبة مع الأوساط البورجوازية، لكنه من دون شك كان يتتبع ما يجري في الرباط عن كثب، وربما كانت اتصالاته بحكم جواره لمدرسة أهرمومو مع مديرها عبابو، عاملا أساسيا على دوره في التهمة التي نسبت إليه.

إلا أن المؤكد، أنه كان على متن الطائرة التي نقلت أقطابا عسكريين، الجنرال حمو، عدو الفاسيين، والجنرال بوكرين، كلفهم رئيس الثوار عبابو بالتوجه إلى فاس كمسؤولين عنها، لكنه أمرهم حسب اعترافهم بأن يحدثوا مذبحة في الفاسيين، كانت ستكون لولا الألطاف الخفية، فعندما عرف الجنرال أوفقير بتوجههما إلى مطار فاس، ولن تكون به كتيبة عسكرية، أمر عامل الرباط بنشمسي، بأن يتصل بعامل فاس ويخبره بأوامر إطفاء الأنوار في المطار، وعندما اتصلت طائرة بوكرين وحمو بالمطار للنزول، أخبرهما مسؤول المطار بأن الكهرباء مقطوع عن المدارج، وأن على طائرتهما أن تتوجه إلى مطار مكناس، الذي بمجرد نزولهما به، تم اعتقالهما مع من معهم من المرافقين ليتم نقلهم جميعا معتقلين إلى الرباط.

 

الجنرال حبيبي

    الجنرال حبيبي، الرجل الصامت الساكت في الجيش، والذي لم يكن أحد يعرف كنه صمته ولا سر انطوائه.. كان يبدو غاضبا على الأوضاع بينما كانت تتوفر لديه كل الإمكانيات لكي يكون ضاحكا مستبشرا.. ورغم أن كل أولاد مدينة الحاجب بإقليم مكناس مشهورون بالروح الخفيفة والنكتة السريعة وحب الرقص البربري، فإن الجنرال حبيبي كان شيئا آخر.. كان ساكتا منطويا كالقنفذ حتى عندما كان سيد الدرك الملكي الذي يعتبر من اختصاص الجنرال حبيبي، ولقد اجتاز فترة غامضة في حياته سنة 1964 عقب الحرب التي قامت بين الجزائر والمغرب، فقد عزل من منصبه كمدير عام للدرك الملكي (الجندارمية)، وبقي قابعا في بيته في شبه عزلة.. لكن اتصالاته بقيت مستمرة مع أصدقائه، وخصوصا المدنيين منهم، وكان يحاول أن يتكلم في شؤون السياسة والأوضاع، لكن أي أحد لم يكن ليمنحه ثقته ولا قلبه خصوصا في تلك الفترة الحرجة من تاريخ المغرب.

وعندما رقي إلى رتبة جنرال وأسندت إليه ناحية مراكش العسكرية، اتضح أن عزلته كانت مقصودة، وأنه كان يعمل أثناء تلك الفترة لفائدة المخابرات بدون شك.

ولقد كان جد متزن في أسلوب حياته وطريقة تمتعه، ولكنه كان يعيش حياة رفاهية وبذخ شأنه شأن كل رؤساء المناطق العسكرية.

الجنرال حبيبي عندما كان في الرباط، كان يسكن في ضواحي الرباط، تمارة، جارا للصحفي مدير وكالة المغرب العربي للأنباء، عبد الجليل فنجيرو، الذي كان حاضرا ولمحه ساعة إعدامه، فاقترب منه وقال له: “أقسم لك أني بريء”، إلا أن شهودا كثيرين حضروا في قصر الصخيرات بعد استرجاع الملك لمسؤولياته، فدخل عليه الجنرال حبيبي وسلم على الحسن الثاني بكل احترام وقال له: “لقد تلقيت الأوامر بالتوجه إلى مراكش”، فقال له الحسن الثاني: “ومن أعطاك تلك الأوامر؟”، فأجابه: “الكولونيل عبابو”، فضحك الملك وقال له: “اذهب إذن”، ولكن تم اعتقاله وإعدامه، بعد أن اتضح أنه لا يعرف ماذا يجري، فربما أنه أعدم لأنه كان يتصور أن الكولونيل عبابو مكلف من طرف الملك، وقديما قالوا إن “من الجهل ما قتل”.

 

يتبع

تتمة المقال بعد الإعلان

تعليق واحد

  1. ces 3 generaux n’etaient jamais dans le coup.seulement parcequ’ils sont Amazighes on les ont inclus pour les eliminer donc ouvrir le chemin pour voler le Maroc par Hassan2 et les Fassis

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى