الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | حياة البذخ والمجون عند الكولونيل الشلواطي

الصخيرات المجزرة السياسية "الحلقة 28"

حتى لا ننسى.. الصخيرات المجزرة السياسية
((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر)) صدق الله العظيم.
يقول القيدوم الراحل أستاذنا مصطفى العلوي: ((وما كان لأحداث على مستوى خطورة هجوم الصخيرات أن تدرج في مسالك النسيان، دون أن نستخلص الدرس منها، وكان الملك الحسن الثاني رحمه الله، حريصا على إقبار أخبارها وأسرارها، تفاديا لاستمرار البحث عن دوافعها وأسبابها والمسؤولين عنها، بقدر ما يحرص كتاب “الصخيرات المجزرة السياسية” على استخلاص الدرس مما خطته دماء الضحايا، ودموع الثكالى على جبين التاريخ المغربي المعاصر.
فيما يلي، تقدم “الأسبوع” أقوى ما كتبه الراحل مصطفى العلوي عن محاولة انقلاب الصخيرات، عبر حلقات ضمن ركن “الحقيقة الضائعة”.
بقلم: مصطفى العلوي

  الكولونيل العربي الشلواطي الذي يعد الشخص الثالث في الجهاز المسير للثورة الفاشلة، وربما هو أقوى رجل فيها، فقد كان صنفا آخر من الرجال.. كانت ثروته تفوق العد والحصر، ورغم أنه من عائلة متوسطة من منطقة أهرمومو، مقر المدرسة التي انطلق منها الهجوم، إلا أن صداقته الحميمة بالجنرال أوفقير جعلته يرتقي سلم الرتب العسكرية بسرعة مذهلة، ويجمع الثروة بسرعة أكبر.

ولقد ساعده قوامه الطويل وملامحه الشابة على أن يصبح “دون جوان” الجيش وأن يحيى حياة “البلاي بوي” بكل ما في الكلمة من معنى، وهو أيضا عصبي مقطب الجبين سريع الحركة، مر من نفس المراتب التكوينية في الجيش التي مر منها عبابو، ولكنه قدم للجيش خدمات جبارة، كان أهمها إشرافه على تأسيس فرقة التدخل السريعة في الجيش، تلك الفرقة التي كانت تنال الإعجاب والتقدير، وهذه الفرقة هي التي استطاعت مواجهة الثوار في شوارع الرباط، نظرا لقوة تنظيمها، أي فرقة التدخل السريعة.

وذات يوم، كان بعض الجنود يقومون بعمليات عسكرية سقط أثناءها أحد الجنود في نهر غارق، ولم يتمكن أحد من إنقاذه، ولكن رئيسه الشلواطي هو أيضا لم يهتم بالحادث وكأن الأمر يتعلق بحادث عادي، فلم يسجل حتى اسم الجندي في تقرير العمليات، ولم يخبر بموته إلى أن تسرب الخبر إلى القيادة العليا التي سريعا ما أوقفت الشلواطي وأحيل على مكتب الأبحاث والدراسات بالقيادة العليا، حيث بقي شبه عاطل.. ولكن دائما برتبته العسكرية.

وعندما عين عاملا على إقليم وجدة سنة 1965، تفرغ للأعمال الإدارية ولجمع المال، خصوصا وأنه على مقربة من مسقط رأسه في إقليم تازة، وأن إخوته الاثنين، أحمد ومحمد، من أنشط العناصر أيضا في تلك المنطقة.

وقد مكنته مهامه كعامل في إقليم وجدة من أن يزيد صداقته بالجنرال أوفقير وزير الداخلية تمتينا، وذهب إلى أبعد من ذلك، فتصاهر مع السيد محمد بن العالم، كاتب الدولة في الداخلية، والرجل الذي كان يقال عنه أنه ظل الجنرال أوفقير، وكان زفاف أخ الكولونيل الشلواطي، المهندس الفلاحي الشلواطي ببنت بن العالم، حدثا اهتز له الإقليم، وتقاطرت الهدايا الفاخرة على العائلتين اللتين كانت لهما وقتها الكلمة العليا على الإقليم.

وفي سنوات قليلة، أصبحت أحسن ضيعات الفلاحة الممتازة بالإقليم في ملك الكولونيل الشلواطي، ضيعة في الناضور، وضيعة في تاهلة، وضيعة في السهول قرب الرباط، وثلاث يخوت بحرية، وقطع البناء والمنشآت السياحية والشركات كلها في ملك الشلواطي.

ونظرا لكون مدينة وجدة تقع على الحدود الجزائرية، ولكون الجزائريين كانوا يودون المجيء إلى المغرب بكثرة، ولكون المغاربة كانوا يودون السفر للجزائر بكثرة، وفي ظروف السياسة التي كانت فيها عناصر عدة من منظمات المعارضة المغربية ملتجئة بالجزائر، وراغبة في الدخول إلى المغرب، تبلورت أهمية جوازات السفر وأصبحت تجارة رابحة بالنسبة للسماسرة، حتى أن جواز السفر المغربي أصبح يباع بألفي درهم للواحد، وطبعا كان عامل الإقليم الكولونيل الشلواطي يجني ثمار هذه التجارة الرابحة، مما وفر له ثروة طائلة.

ولكن سند الكولونيل الشلواطي في الرباط، كان قويا، وألسنة المعارضة مربوطة إلى الصمت، فاستمر هذا الوضع المزري في الإقليم إلى أن حدث ما لم يكن في الحسبان..

كان الكولونيل الشلواطي ساهرا مع رفاقه ذات مساء، عندما جاءه خبر قيام ثورة ليبيا ضد نظام الملك إدريس، فرفع كأسه إلى الأعلى وقال: ((لنشرب على نخب هذه الثورة.. في انتظار أن نشرب على نخب ثورتنا))، وتسرب الخبر إلى الرباط وصدر في نفس الليلة قرار توقيف الكولونيل الشلواطي ووضعه من جديد رهن إشارة الجيش، فالحسن الثاني إذن كان يعرف نواياه.

وكانت صدمة كبيرة للعامل المقال، ولكن ثقته في نفسه وفي رصيده المالي ودعم الجنرال أوفقير، كانت أكبر من أن تزعزع عزيمته.

ولا شك أن رصيد الشلواطي لم يكن فقط صداقاته في الرباط ولا أمواله الكثيرة، بل شيئا آخر، هو شخصيته القوية ونظراته المرعبة، وهكذا عاد إلى الرباط العاصمة بموكبه ومساعديه وسياراته وزوجته، وحتى صديقاته العديدات، وكان يقضي النهار في التفسح والجولات عبر الشواطئ بمراكبه الشراعية، والأسفار والرحلات، والليل في السهر والرقص ومغازلة الأوانس والسيدات المتزوجات والمطلقات.

إن جميع أجهزة المخابرات العالمية متأكدة أن الشخص الذي لعب دورا أساسيا في اختطاف السيد المهدي بنبركة واختفى، لأنه كان يحمل اسما مستعارا، هو الشتوكي، وهو الذي استدرج المهدي بنبركة إلى باريس بعدما اتصل به في القاهرة وجنيف، وبحثت عنه العدالة الفرنسية، وأنكرت العدالة المغربية وجوده، وبقي سرا غامضا في قضية بنبركة، لم يكن سوى الكولونيل الشلواطي، الذي كان يتحكم في المسمى التونزي، الذي كان ينفذ تعليمات الشلواطي، وهذا الدور الذي لعبه في هذه القضية هو الذي سمح له بأن يبقى منزها عن العقاب والانتقاد رغم هفواته كلها، ولعله الرجل الذي كان يعرف كثيرا.. ولعله الرجل الذي كانت أجهزة الدولة تترقب الفرصة للتخلص منه، ولعله لم يحصل على ثقة الزعيم المغربي المهدي بنبركة بسهولة، ولعلهما كانا على اتفاق مباشر في عدة نقط، ولعله غدر بالمهدي بنبركة كما غدر المذبوح بالفقيه البصري.

وقد كان المذبوح حريصا على أن يتم تعيين الشلواطي على رأس قوات المدرعات خلفا للجنرال الغرباوي، وكان تعيينه قاب قوسين أو أدنى.

وفي يوم سابع يوليوز 1971، أي ثلاثة أيام قبل عملية الصخيرات، كان الشلواطي سكرانا تتلاطمه جدران مطعم “لاماما” قرب مقهى “الدولتشي فيتا” بالرباط حتى ساعة مبكرة من صباح ثامن يوليوز، وفي ثامن يوليوز، كان وسط مجموعة من السيدات الجميلات يلعب البوكر حتى صباح تاسع يوليوز، وصباح تاسع يوليوز، التقيت به أنا شخصيا في متجر بقال حي السويسي، “طوطال”، وكان يشتري بعض المواد الغذائية، فسألني عما أعمل.. وسألني هل لازالت جرائدي موقوفة كلها.. فأجبته: نعم، فقال لي: وهل تنتظر شيئا آخر من حكومة كهذه التي يرأسها شخص مثل أحمد العراقي؟ ثم عقب قائلا: تعال عندي للبيت في الأيام القادمة لنسهر شيئا ما، ولكنك ستتفرج غدا(…)، ثم ركب سيارته المرسيديس الصفراء واختفى.

وكان اليوم التالي هو يوم عاشر يوليوز.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى