الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | الصفعة الملكية على وجه الكولونيل عبابو

الصخيرات المجزرة السياسية "الحلقة 27"

حتى لا ننسى.. الصخيرات المجزرة السياسية
((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر)) صدق الله العظيم.
يقول القيدوم الراحل أستاذنا مصطفى العلوي: ((وما كان لأحداث على مستوى خطورة هجوم الصخيرات أن تدرج في مسالك النسيان، دون أن نستخلص الدرس منها، وكان الملك الحسن الثاني رحمه الله، حريصا على إقبار أخبارها وأسرارها، تفاديا لاستمرار البحث عن دوافعها وأسبابها والمسؤولين عنها، بقدر ما يحرص كتاب “الصخيرات المجزرة السياسية” على استخلاص الدرس مما خطته دماء الضحايا، ودموع الثكالى على جبين التاريخ المغربي المعاصر.
فيما يلي، تقدم “الأسبوع” أقوى ما كتبه الراحل مصطفى العلوي عن محاولة انقلاب الصخيرات، عبر حلقات ضمن ركن “الحقيقة الضائعة”.
بقلم: مصطفى العلوي

  الكولونيل عبابو امحمد، وهو الذي يأتي مباشرة بعد الجنرال المذبوح أو ربما قبله في تنظيم العملية الفاشلة بمصطاف الصخيرات، فهو صنف آخر من الرجال، وهو العكس الفاضح لشخص الجنرال المذبوح.. هو ضابط في رتبة ليوتنان كولونيل، ورغم انتمائه لمدينة الناضور التي لا تبعد عن مدينة أكنول، مسقط رأس الجنرال المذبوح، فإن شخصية الرجلين متباعدة تماما.

عبابو شخص قصير القامة، قصير الشعر، قصير الأيدي، عصبي المزاج، كثيرا ما تسبق يده لسانه، وعمره يوم الهجوم 35 سنة، ولكنه قوي الشخصية مرتفع الصوت كثير الحركة، أشبه ما يكون في تكوينه الفيزيونومي والبسيكولوجي بالسيد المهدي بنبركة، زعيم المعارضة الأكبر الذي مات في ظروف غامضة سنة 1965 في باريس.

ولكن عبابو عسكري.. عسكري بكل ما في الكلمة من معنى، متربي في المدرسة العسكرية المطبوعة بالطابع الإسباني، وبعد الاستقلال، انضم إلى القوات المسلحة الملكية وتوجه ضمن الفوج الأول إلى مدرسة “سان سير” العسكرية الفرنسية، التي يتخرج منها الضباط المعروفون بالتوازن والتناسق بين تكوينهم العسكري والاجتماعي وأناقتهم، ونبل تفكيرهم، ولكن عبابو لم يأخذ من “سان سير” إلا شهادتها العسكرية، وبقي دون ذلك فظا غليظا غير منسق ولا أنيق، سمعته في الجيش أنه العصبي القبيح، وهذا ما رشحه للمهام التي تحتاج إلى صنفه.

وعندما تأسس مركز تدريب المجندين المدنيين بالحاجب، والذي أسسه الحسن الثاني لترويض الطلبة الجامعيين ومعاقبتهم على أفكارهم، ولتقليم أظافر الشبان المتنطعين، وخصوصا الطلبة الجامعيين والموظفين الثوريين، أسندت إدارة هذا المركز طبعا للكولونيل عبابو، الذي كان يعامل المجندين بقوة لا مثيل لها، وبعقلية هتليرية فريدة المثال.

كان المجندون ذات ليلة، يغطون في سبات عميق بمركز الحاجب على ارتفاع في الأطلس المتوسط يتعدى الألف متر فوق سطح البحر، عندما اهتزت جنبات المركز، حوالي الساعة الرابعة صباحا، ونفخ جندي الطوارئ في زمارته، إيذانا للمجندين بالاستعداد للخروج، وعندما اصطف المجندون في ساحة المركز، كان عبابو يعطي أوامره للضباط الصغار بأن يحمل كل مجند أمتعته العسكرية ويتوجه الجميع راجلين في عملية مشي عسكري نحو إفران، أي حوالي أربعين كيلومترا من ذلك المركز، وكان الظلام يلف هضاب الأطلس المتوسط عندما كان المجندون يقطعون الأميال راجلين نحو إفران، التي وصلوها عند الصباح، وبدون سابق استعداد، أصدر عبابو أوامره للمجندين بأن يعودوا إلى مركزهم بالحاجب راجلين، ودون توقف ولا استراحة.

وقبل الظهر، عندما وصلت أفواج المجندين في حالة مزرية إلى مركز الحاجب، بعد أن قطعوا ثمانين كيلومترا في ذلك الصباح التعس، لاحظوا أن خمسة مجندين لم يعودوا.. والسرد لواحد من أولئك الطلبة، فثار عبابو وغضب، فلعلهم فروا.. ولابد من أن تتوجه كوكبة من الجنود في سيارات “الجيب” لتعقبهم والبحث عنهم.

وفعلا، عادت سيارات “الجيب” حاملة المجندين الخمسة، لكن جثثا هامدة، لقد ماتوا في طريق العودة، كل واحد في موقع أبعد من الآخر.

وقامت قيامة أركان الجيش لهذا الحادث حينما علمت بالخبر، وتم استدعاء الكولونيل عبابو إلى الرباط، بينما كلف رئيس إقليم مكناس الصحي، الدكتور الرحالي، بصفته مسؤولا عن المنطقة الصحية للحاجب، بإجراء تشريح للجثث الخمسة، تبين بعده حسب التقرير الطبي، أن المجندين الخمسة ماتوا نتيجة الإجهاد وعدم الأكل حتى أن نسبة السكري في دمهم كانت صفر فاصلة خمسة، وهي جزئية حكاها الدكتور الرحالي عندما أصبح فيما بعد وزيرا للصحة.

وبلغ الخبر للملك، القائد الأعلى للجيش، والذي لم يصدق الخبر، فاستدعى الكولونيل عبابو والمسؤولين عن القيادة العليا للجيش، وصاح فيه مستنكرا عمله، واستهجن فعلته، خصوصا وأن للمجندين سمعة واهتماما لدى أوساط الشعب، وأغلبهم جامعيون كانوا يزاولون نوعا من الخدمة العسكرية، وكان غضب الملك لدرجة لا تتصور، وما إن أراد عبابو أن يفتح فمه ليقدم وجهة نظره، حتى نزلت على وجهه صفعة قوية يظهر أنها كانت ذات تأثير كبير على شخصيته ومستقبله، وربما كانت سبب مخططه لمحاولة إسقاط النظام.

وتم إبعاد الكولونيل عبابو من مركز الحاجب، وعين على رأس المدرسة العسكرية بأهرمومو بعد فترة توقيف كانت فيها عدة تدخلات لصالحه من طرف صديقه الجنرال المذبوح، وأيضا من طرف الجنرال إدريس بن عمر العلمي، الذي كان وقتها مفتشا عاما للجيش، ومؤسسا لمدرسة أهرمومو العسكرية، وكان لا يرى أحدا أنسب من الكولونيل عبابو للإشراف على تلك المدرسة التي يتخرج منها ضباط الصف المغاربة، وهم الطلبة الذين استعملوا في الهجوم على الصخيرات.

وفي أهرمومو، نسي عبابو بسرعة ما جرى له في الحاجب، وعاد لحياته القاسية ومعاملته الفظة، ولكنه أخذ يهتم أكثر من الأيام الأولى، بوضعه المالي، فأخذ على غرار أغلبية الضباط الكبار يجمع المال بوسائله الخاصة، ويهوى الهوى ويعشق الجمال، فتزوج إحدى الحسناوات الفرنسيات شرعا وعلنا، ثم تزوج فتاة مغربية سرا، واكترى شقة لإحدى صديقاته الفاسيات بمدينة فاس، وأصبح العشيق المباشر في إيموزار قرب فاس لإحدى بنات أحد القواد المشهورين.

كان عبابو مديرا للمدرسة العسكرية ورئيسا لأوراش البناء، وكانت طريقته فريدة من نوعها، فقد كان يبعث الجنود في الليل للاستيلاء على الخشب والحجر والحديد، ويبني البنايات العسكرية، ويضع الميزانيات في جيبه، وكثيرا ما كان يقتسم مع بعض المسؤولين في الرباط ثمار أسلوبه الغريب.

وصباح الإثنين ثاني عشر يوليوز، بعد أن أعلن عن فشل المحاولة، كان حراس مدرسة أهرمومو لا يعرفون شيئا مما جرى حينما جاءت سيارة “مرسيدس” بيضاء إلى باب بيت الكولونيل عبابو البحري في شاطئ “سابل دور” قرب البيت البحري للمستشار عبد الهادي بوطالب، ونزلت منها زوجته الفرنسية، وأخذت تشحنها بالأمتعة، وبعد أن أقلعت بالسيارة، عادت مرة أخرى أمام استسفار الحراس واستغرابهم، وأخرجت من البيت حقيبة كبيرة، مما دعا الحراس إلى الإقدام على استفسارها عن سر هذا الرحيل، فلربما كانت في نظرهم تريد الغدر بزوجها الراحل والاستيلاء على أمتعته، فاقتربوا منها وحاصروها وأخذوا منها الأمتعة والحقيبة، وبغتة سقطت الحقيبة إلى الأرض، واتضح أنها مشحونة بمائة واثنين وسبعين مليون فرنك كلها بالدولار والمارك الألماني.

وإذا كان هذا المقدار الكبير من المال الذي كان الكولونيل عبابو يحتفظ به في حقيبته، والذي يعادل الأربعمائة ألف دولار، فإنه يكفي لأن يجعل عبابو في عداد الضباط الأغنياء، الذين لا تعادل ثروتهم ثروة الجنرال المذبوح، ولكنها تقاربها، إذا ما أضفنا إليها ما يتوفر عليه من منازل وعمارات كان يتصرف فيها ويحميها بحد السلاح.

لقد سجلت مصالح وزارة الداخلية قبل حوادث الصخيرات بأيام قليلة، حادثة غريبة من نوعها على شاطئ “سهب الذهب” الذي يمتلك فيه الكولونيل عبابو بيتا صيفيا جميلا، وقد كان بيته البحري يقع في منتهى زقاق ضيق على الشاطئ، ولكن عبابو كان باستطاعته أن يصل إلى بيته دون المرور بالزقاق.. وحيث أن كثرة السيارات التي تمر بذلك الزقاق تهدد حياة الأطفال الصغار، فقد طلب سكان ذلك الزقاق من رئيس المجلس المنتخب لسكان الحي، وهو السيد العميري، أن يستسمح وزارة الداخلية في الترخيص ببناء جدار في نهاية الزقاق يحول دون مرور السيارات العابرة، وصادف أن كان منزل عبابو في نهاية الزقاق، وأن ذلك الجدار سيرغم الكولونيل العصبي على المرور من طريق آخر للوصول إلى بيته، وعندما رخصت وزارة الداخلية بالبناء وخصصت لذلك ما يلزمه من اعتمادات، جاء بعض البنائين بحماية القوات المساعدة، وبنوا الجدار، وفي المساء، عندما جاء عبابو لبيته، وجد الجدار يحول بينه وبين بيته، وعوض أن يمر من الطريق الثاني، تراجع بسيارته إلى الوراء، ثم تقدم بسرعة جنونية إلى الأمام ودخل بسيارته في الجدار وهدمه.. ومر إلى بيته غير آبه بما جرى.

وحفظا على حسن العلاقات مع الكولونيل العصبي، فقد اجتمع المجلس المحلي مرة أخرى، وقرر ألا يحاسب الكولونيل عبابو وأن يبني جدارا آخر.

وفي الصباح الباكر، عندما كان البناؤون يستأنفون بناء الجدار، جاء الكولونيل عبابو مزمجرا وسأل البنائين عمن كلفهم ببناء الجدار، فقالوا: السيد العميري رئيس جماعة السكان، فقال عبابو لهم: اذهبوا وأحضروا لي هذا العميري؟ فسألوه: لماذا؟ فقال لهم: لتدفنوه هنا قبل أن تبنوا الجدار على جثته. التعبير، نقل حرفيا إلى مدير السكنى وقتها، المهندس محمد الداودي، الذي حكاها لرئيسه وزير السكنى والداخلية، الجنرال أوفقير.

ولعل هذا كان آخر حدث ذا أهمية بالغة في حياة هذا الكولونيل، الذي كان يفرض نفسه بشكل مذهل، مات كما قرأنا في اشتباكات القيادة العليا وترك أخاه محمد عبابو شريكه في الهجوم لمصيره.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى