الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | دور الجنرال المذبوح في انقــلاب الصخيرات

الصخيرات المجزرة السياسية "الحلقة 26"

حتى لا ننسى.. الصخيرات المجزرة السياسية
((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر)) صدق الله العظيم.
يقول القيدوم الراحل أستاذنا مصطفى العلوي: ((وما كان لأحداث على مستوى خطورة هجوم الصخيرات أن تدرج في مسالك النسيان، دون أن نستخلص الدرس منها، وكان الملك الحسن الثاني رحمه الله، حريصا على إقبار أخبارها وأسرارها، تفاديا لاستمرار البحث عن دوافعها وأسبابها والمسؤولين عنها، بقدر ما يحرص كتاب “الصخيرات المجزرة السياسية” على استخلاص الدرس مما خطته دماء الضحايا، ودموع الثكالى على جبين التاريخ المغربي المعاصر.
فيما يلي، تقدم “الأسبوع” أقوى ما كتبه الراحل مصطفى العلوي عن محاولة انقلاب الصخيرات، عبر حلقات ضمن ركن “الحقيقة الضائعة”.
بقلم: مصطفى العلوي

  كانت الساعات التي أعقبت هذا اليوم التاريخي الدامي في القصر الملكي بالصخيرات، مليئة بالمفاجئات فيما يتعلق بمدبري هذا الانقلاب، وقد ظهر أن الأمر يتعلق برجل ثقة الحسن الثاني، الجنرال المذبوح، الذي احتفظ في الإعداد لمخططه الانقلابي باسم الكولونيل امحمد عبابو، مدير المدرسة العسكرية بأهرمومو، كشريك رئيسي.

لكن يوم عاشر يوليوز في الصخيرات، كان كافيا ليكشف أن الأمر يتعلق بمخطط أوسع يضم عددا كبيرا من جنرالات الجيش المغربي، فيهم الذين أعدموا علنا، والذين أعدموا سرا، والذين قتلوا في عز هجوم الصخيرات، وطبعا كان من بين الضباط المعدومين، من أدرج الجنرال أوفقير أسماءهم لإعدامهم والتخلص منهم حتى لا يفضحوا مخططه المستقبلي.

فمن هم قادة الانقلاب؟ أو بالأحرى، من هم الذين اتهموا وأعدموا بجريمة الانقلاب؟

“الجنرال المذبوح سليل الخونة” كما قال عنه الحسن الثاني نفسه في استجوابه مع الصحفي ريموند تورنو، في الحوار المنشور في مجلة “باري ماتش” غداة المحاولة الفاشلة للانقلاب، ولكن سليل الخونة المذبوح، كان إلى اللحظات الأخيرة من ظهيرة عاشر يوليوز 1971، رجل الثقة الملكية، وأمين سر العاهل المغربي، وحصنه الحصين، كان غنيا أكثر من اللزوم، ومقدسا لا يفرقه عن الألوهية فارق كبير، كان العاهل يشتري له ضيعة كلما وأينما كانت للملك ضيعة، وكان له الحساب المفتوح في أبناك الدنيا، والجاه المرفوع والكلمة المسموعة، وكان السيف المسلول فوق رؤوس الأمراء والوزراء، ورؤساء الوزارات، وعندما أشرف بنفسه على إنشاء ملعب الغولف الملكي بالسويسي، وضعت رهن إشارته أربعة ملايير من الفرنكات كان يصرفها بدون حسيب ولا رقيب، مع العلم أن هذا القدر يقارب في مجموعه نسبة الدخل الفردي لنصف مليون مواطن مغربي، ولكن أي واحد لم يكن قادرا على فرز شفتيه بكلمة نقد في حق الجنرال المذبوح، الذي تحكي الشائعات أن المخلوقات كلها حتى الضفادع التي توجد في حدائقه وضيعاته كانت تسكت عن النعيق كلما جاء في زيارة لضيعة أو حديقة.

تبنته الأمة الفرنسية في ثلاثينات القرن الماضي، ودخل في صفوف الجيش الفرنسي بصفته يتيما ابنا لأحد قادة الاستعمار الفرنسي في المغرب، فجعلت منه ضابطا وفيا لمبادئ الدولة الفرنسية بما تضمه من مبادئ استعمارية معاصرة، واحتقار ونفور من كل ما له علاقة بوطنية المغرب وأمة المغرب.

وغداة الاستقلال، كان القبطان المذبوح في عداد الضباط الذين لا تصلهم بالأمة المغربية صلة، ولكنه تسرب كالماء في كيان الدولة المغربية، وراهن بذكاء على مستقبل الحسن الثاني الذي كان آنذاك وليا للعهد، وربط نفسه إلى شخصه، وعندما مات المرحوم محمد الخامس بسرعة مذهلة في عمليته الجراحية سنة 1961، أصبح المذبوح في وضع يسمح له بقطف ثمار رهانه، وسريعا ما أصبح يتقلب في المناصب الحكومية والعسكرية، ويصعد سلم الرتب العسكرية، فمن وزير في البريد وعمالة الدار البيضاء، حيث دخل في اتصالات سرية مع قادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، لا ليتعاطف معهم، ولكن ليتجسس عليهم كما حصل عندما غدر بهم سنة 1963، بعد أن أصبح محط ثقتهم، فما لبث أن باعهم للشرطة وأبلغ عن نواياهم، وتقدم شاهدا سنة 1961 في محاكمة أولى محاولات الانقلاب السياسية كاشفا عن نوايا الاتحاد الوطني للقوات الشعبية حينما صرح أمام المحكمة بأن السيد محمد البصري، طلب منه بيانات عن خريطة القصر، للقيام بهجوم على القصر، بمساعدة بعض ضباط المخابرات السوريين، وفعلا حكم على البصري بالإعدام، وكان ذلك جواز ترقية المذبوح لدرجة الثقة الملكية السامية، المقدسة، والعالية.

وفي خضم الاستعدادات للاحتفال بالذكرى الثانية والأربعين لميلاد الملك الحسن الثاني، وكانت في هذه السنة مبالغا فيها لدرجة كبيرة جدا، قرر المذبوح أن يتم افتتاح الملعب الملكي للغولف الذي كلف أربعة ملايير من الفرنكات، وتقرر أن يقام في الملعب ليلة الأحد حادي عشر يوليوز، حفل عشاء ساهر تدعى له الطبقة المحظوظة من الكبراء والحاكمين بلباس السهرة، ويشرفها الملك بحضوره هو وأفراد عائلته، وتقدم الجنرال المذبوح نحو الملك ذات مساء قبل هجوم 10 يوليوز، ليقول له بأدبه المعهود ووجهه المقطب: اسمح لي مولاي أن أحضر لجلالتك بهذه المناسبة مفاجأة فريدة من نوعها، وليسمح لي مولاي أن لا أخبره بهذه المفاجأة حتى ساعة تنفيذها، وكانت إشارة الملك بالرضى والقبول، وكانت المفاجأة فعلا.. لكنها كانت دموية حمراء اللون قاتمة الجوهر.

وإذا كانت شخصية المذبوح القوية ونفوذه الجبروتي وثروته الفارطة، وحدة شخصيته وغموض كنهه، تجعله منفردا في شكله مطبوعا بطابع خاص، فإن هذا كان لا يؤثر فقط على وضعه الاجتماعي والسياسي والعسكري فحسب، وإنما على حياته الخاصة أيضا.. فقد تزوج للمرة الأولى والثانية، وكان الفشل حليفه في كل الظروف، رغم أن ذلك الزواج خلف له أولادا لا بأس بتكوينهم، وبناته لا جدال في جمالهن، ولكنه حاول مرة ثالثة أن ينقذ وضعه الاجتماعي، فتزوج ببنت المارشال أمزيان، الذي كان وزيرا للدفاع يوم الانقلاب، ورغم أن بنت المارشال أمزيان متربية تربية إسبانية بما فيها من تأثيرات دينية كاثوليكية، وعوامل عائلية عسكرية، كانت متزوجة من ضابط إسباني الدين والجنسية، طلقته لتتزوج سيد البلاط العسكري للملك، فإن الفشل أيضا طبع العلاقة بين الجنرال المذبوح وزوجته بنت المارشال أمزيان وكان التنافر يهيمن على علاقتهما إلى درجة افترقا معها، وكانت لهما فقط علاقة اسمية يطبعها التباعد وتهيمن عليها الكراهية، وعندما كلف الملك رئيس بلاطه العسكري، الجنرال المذبوح، بمهمة سرية ذات طابع دبلوماسي لدى رئيس مجلس الثورة الليبي، معمر القذافي، في الشهور الأولى من سنة 1971، عاد الجنرال المذبوح أكثر نفورا من بيته ومن زوجته، وسرعان ما توجه إلى الولايات المتحدة ليشارك في مباراة عالمية للعبة الغولف، كانت كما ظهر فيما بعد، انطلاقة لتحول سياسي مغربي كبير، وعاد المذبوح ليبدأ حياة جديدة كان يغادر فيها البيت طول النهار للاشتغال بالبلاط العسكري والغولف الملكي، وفي الليل يغيب في مهمة لا علم لأحد بها، لا يعود بعدها للبيت إلا في الساعات الأولى من الصباح، وذلك لمدة تعدت الشهرين، فلم تحتمل زوجة الجنرال المذبوح الموقف وطلبت من أبيها أن يقوم بالإجراءات القانونية للطلاق، ووقتها غادرت البيت واستقرت في بيت أبيها.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى