خاص

خاص | عام على رحيل “صوت الأغلبية الصامتة”

دروس في الوطنية من صاحب "الحقيقة الضائعة"

بتاريخ 28 دجنبر من السنة الماضية، رحل عنا الأستاذ مصطفى العلوي، القيدوم الذي ولد يوم 28 دجنبر 1936، ليتزامن عيد ميلاده مع ذكرى وفاته.. ورغم أن غيابه عن التعليق على الأحداث الجارية حاليا، إلا أنه ترك رصيدا كبيرا من التعاليق على الأحداث والأشخاص والمواقف، قد يغني في بعض الحالات عن الكتابة في المستقبل، حيث أنه كان بمثابة صوت للأغلبية الصامتة، ومثال للصحفي المنضبط في مهمة البحث عن الحقيقة، من خلال ركنه الأسبوعي “الحقيقة الضائعة”، حيث كان يتحول في كثير من الأحيان إلى مرشد روحي في الوطنية، باعتباره مواطنا أصيلا.

إعداد : سعيد الريحاني

  يقول مصطفى العلوي في كتاب “الأغلبية الصامتة بالمغرب” والذي صدر سنة 1977: ((تنطلق متاعب الباحثين في تاريخ الوطنية عند المغاربة، من عدم التعمق في ينابيع الأصالة المغربية المتفجرة عبر القرون والأجيال، وأولئك الذين يجهلون حقيقة الأصالة المغربية المشدودة الجذور إلى الخلد أو يشككون في سلامة تركيبها، هم أقرب إلى الأجانب الذين أرادوا غزو هذه البلاد وتجريدها من شخصيتها فتحطمت أمانيهم وخابت ظنونهم.. أما أبناء هذا الوطن الذين نهلوا من هذه الينابيع خلفا عن سلف، فإنهم أدرى بحقيقة ما يجري في عروقهم من مزيج بين عناصر الحياة والمشاعر المغربية الحقة)).

هكذا كانت الصحافة الوطنية، وعن الوطنية قال مصطفى العلوي: ((ليست الوطنية إلا عنصرا من العناصر المنبثقة عن الأصالة المغربية نهلت من ثدييها وتشبعت بروحها، فالوطنية إذن ليست شيئا جديدا على المغاربة الذين رفعوا رايتنا عاليا في سماء المجد، عبر القرون والأجيال.. وعندما تقاسمت الدول الاستعمارية في بداية القرن الحالي مناطق النفوذ، وتجاهل، الذين جعلوا احتلال المغرب نصب أعينهم، حقيقة الواقع المغربي الأصيل، معتمدين في حساباتهم على ظروف كانت بالنسبة للمغرب ككبوة جواد، سرعان ما فاجأتهم الحقيقة المغربية المجردة، ولم يكونوا في حاجة إلى وقت طويل لاكتشافها ولا لمواجهة التضامن الوطني الفطري..)).

ولأن الراحل كان يستشهد دائما بالتاريخ، حيث جمعت شخصيته بين المؤرخ والصحافي، فقد استشهد على كلامه بما كان يقوله الماريشالاليوطي، إذ يقول، حسب نفس المصدر:((بعد مضي بضع سنوات فقط على وصول الماريشالاليوطي، اضطر للاعتراف لحكومة فرنسا بالحقيقة المرة الكامنة وراء المتاعب التي يواجهها، فكتب تقريرا في دجنبر 1920 يقول فيه:”إننا وجدنا هنا أمامنا دولة.. ووجدنا شعبا، وإذا كانت الدولة المغربية قد مرت بأزمة، فإنها أزمة حديثة وحكومية أكثر منها اجتماعية.. وإذا لم تكن الحكومة المغربية قبل الحماية إلا هيكلا، فقد كان الهيكل على الأقل قائما، ويكفي أن نرتد إلى الوراء بضع سنين لكي نرى حكومة فعلية كانت لها صفة الدولة الكاملة بوزرائها العظام، وسفرائها الذين عالجوا مشاكل الدولة مع كبار رجال السياسة الأوروبيين، ومنهم من لا تزال ذكراهم عالقة بالأذهان وسيظلون خالدين على صفحات التاريخ”)).

وفيما يتعلق بالمقارنة بين المغرب والجزائر، فقد وثق العلوي ما كان يرد على لسان اليوطي قائلا: ((الماريشالاليوطي هو قائد الغزو الفرنسي على المغرب، لم يكن محتاجا لوقت طويل للتمييز بين المغرب والجزائر، ففي معرض ليون الذي عقد في فبراير 1916، وأثناء الحرب العالمية الأولى، وقف خطيبا أمام الرأي العام الفرنسي والأوروبي قائلا: “إننا في الجزائر لم نجد أمامنا إلا أطلالا من حكومة، حتى أن سلطة الداي التركي انمحت بمجرد وصولنا، أما في المغرب، فوجدنا العكس، وجدنا أنفسنا أمام إمبراطورية تاريخية مستقلة غيورة إلى أقصى حد وثائرة على كل استعباد”)) (نفس المصدر).

وقد كان الراحل العلوي، بخلاف كتاب يتطاولون على المواضيع دون عمق، يدرك جيدا خطورة المواقف، خاصة عندما يكتب عن العلاقة بين المغرب والجزائر، فـ((الكلام عن موضوع الحدود المغربية الجزائرية يعتبر مغامرة خطيرة، أخطر منها الكتابة عن هذا الموضوع.. ذلك أن الأيام “الخالية” و”الحالية”، وبديهي أن الأمر يهم حتى الأيام “الجاية”، أعطتنا، وستعطينا من البراهين ما يؤكد أن الخطر محيق بهذه الحدود التي “يحق في حقها” القول بأن الغائر في مدلهماتها مفقود، والخارج عن سوقها مولود، ولقد كان آخر الذين سقطوا صرعى – تحت أعيننا – على ناصية الحدود المغربية الجزائرية، هو الرئيس بوضياف.. ولا نزاع ولا شك في أنه لن يكون آخر الساقطين صرعى جحيم الحدود المغربية الجزائرية)) (المصدر:”طلوع وهبوط على الحدود المغربية الجزائرية” بتاريخ 17 يوليوز 1992/الأسبوع الصحفي والسياسي عدد 234).

الراحل مصطفى العلوي محاطا بحب المواطنين

ما كتبه العلوي عن الجزائر بالأمس، يمكن أن نأخذ منه الدروس اليوم، إذ يقول: ((لا داعي لسرد عدد الشهداء الذين قدموا دماءهم من أجل الحفاظ على مغربية الصحراء الغربية، التي هي استمرار طبيعي لأزمة متفرعة عن خطوط الحدود، ولكني سأكتفي بالمرحلة الأخيرة في الصراع المغربي الجزائري، الذي كان المغرب يضع فيه المشكل في إطار مستقبلي، حله الملك الحسن الثاني بقوله في خطاب ألقاه يوم 15 يونيو 1972 أمام أقطاب القمة الإفريقية فقال: “أعتقد أن الأجيال المقبلة ستكون لها مشاكل، لا على صعيد هذه الأرض، بل على صعيد الأفلاك”، وعلق جلالته على الاتفاق المغربي الجزائري بشأن الحدود بقوله: “كانت هناك طريقتان لحل هذا المشكل، أما الأولى، فهي هذه التي ركبناها أنا وأخي الرئيس بومدين (يعني الاتفاق على حدود آمنة)، وأما الطريقة الأخرى، تلك الطريقة التي لا منفذ لها إلا الحرب، وإلا التباعد، وإلا حفر هوة شاسعة بين شعبين ودولتين، وذلك لاسترجاع 15 كيلومتر من هنا، ولاغتصاب(…) 20 كيلومتر من هناك.. فقررنا وفضلنا أن نسلك هذه الطريقة (طريقة الاتفاق)، ذلك أن مسألة الحدود اليوم صارت مسألة مصطنعة. كانت الحدود من قبل مسألة مهمة، لأنها كانت تحمي التراب من الجار، أما الآن، ونظرا للوسائل الحربية الجديدة، فيمكن أن يكون العدو على آلاف الكيلومترات، فأصبحت الحدود يجب أن تكون لا أسوارا مشيدة، ولكن صداقات متينة” انتهى كلام جلالة الملك.. وهو يفسر وجهة النظر المغربية، أما الجزائر، فكانت تنظر إلى المشكل من منظور آخر، برهنت الأيام التي أعقبت الإعلان عن الاتفاق المغربي الجزائري لسنة 1972، على أن النظام الجزائري كان ينظر إليها من جانب الهيمنة التي طبعت نظام الرئيس بومدين)) نفس المصدر.

وانظروا إلى صيغة الاحترام التي يتحدث بها الراحل العلوي عن الراحل الحسن الثاني، رغم أن الملك الراحل كان يتعقب كتاباته، وقد حكى قيدوم الصحافيين الراحل، الذي ألف كتابا عن “الحسن الثاني الملك المظلوم”، عن علاقته بهذا الملك الاستثنائي قائلابأن علاقته مع الحسن الثاني، كانت مثل العلاقة بين القط والفأر، ((هو يحاول اصطيادي وأنا أحاول التهرب منه، وهذه مميزات الصحافة التي تعلمتها في فرنسا، وتعلمت أن أول واجبات الصحفي، هي أن يكون مستقلا، وإلا فهو ليس بصحفي.. الصحفي الذي يخدم لفائدة جهة معينة يسمى موظفا وليس صحفيا)) يقول العلوي، قبل أن يؤكد أن الملك الراحل كان يتعقب خطواته، ((تارة بواسطة الجنرال أوفقير، وكان ساعده الأيمن السي بلعالي، واحد من وجوه العلم والتاريخ والأدب وكان صديقي، يقول لي: احضي راسك من الجنرال أوفقير، كما أنه كان يتعقبني بواسطة الجنرال الدليمي الذي كان صديقي، وجاري..)) يحكي العلوي.

ولأن العلوي هو صوت الأغلبية الصامتة، فقد كان يشخص في كثير من الأحيان أعطاب المجتمع، ويخص الشباب بتعليقاته، التي يمكن أن يستفيدوا منها، حيث كان يقول: ((يتهيأ للمهتم بشؤون الشباب في المغرب، وهم يمثلون خمسة وسبعين في المائة من السكان، أن المشاكل المرتبطة بهذا العنصر الذي يمثل الأغلبية الحقيقية، لا يمكن حلها على الإطلاق، فهناك فريق يبحث ليل نهار عن عمل، وغالبا ما يرفض كل عمل، لأنه يحتار في التوفيق بين ما سيكسبه، ألف أو ألف وخمسمائة درهم، وبين حاجياته الظرفية، فيجد أنه لا أمل في التوفيق بين الحاجيات وبين ما سيكسبه، وما سيكسبه يكون بمقابل جهد، الاستيقاظ الباكر في الصباح، والحضور اليومي في الشغل، والالتزام بالشروط وبالإنتاج، والوقوف ساعات طويلة أمام طابور الأوطوبيس، فيفضل البقاء ساخنا في فراش الكسل، والعيش على ما يعطيه الوالد أو الوالدة، أو ربما الأخت التي تدبر حالها في الشارع..وفئة تقبل بأي شغل، بأي ثمن، وتلزمها ظروفها الاجتماعية والحاجة الملحة للخبز والسكن، بالقبول بالأمر الواقع، وهي الفئة التي تمثل الأغلبية الساحقة من الشباب، وفئة تجد راحتها في المساجد، والاستماع إلى الأطروحات الدينية، واستكناه دروس الصبر والتحمل من النماذج النبوية، وتعيش على الأمل في رؤية اليوم الذي تنصف فيه السماء عبادها، أو يوم “تنزل المائدة من السماء”، أو “يأتيها رزقها رغدا من عند ربها…”، وهي فئة تمثل الطرف الآخر من الأغلبية الساحقة من الشباب، وفئة أولاد الكبار، الذين يشكلون بدورهم أغلبية تمارس حياة التفكك والانحلال في الكباريهات، والتباهي بالسيارات التي يشتريها لهم الآباء، وفيهم من يدفع ثمن شمة “الهيروين” في الماخور الليلي بألف درهم للشمة، وتحويل سجاير “المارلبورو” إلى “جوان” يحملهم إلى عالم الخيال، أو يدقون أذرعتهم بحقنات “الكوكا”)).. عن مصطفى العلوي/ بتاريخ 29 ماي 1992.

هكذا هو مصطفى العلوي، عدو للكسل، ولا يرحم في التشخيص عندما يتعلق الأمر بالكتابة، فقد كان يفتح شرفات جرائده على الشارع دائما، ويؤثر ويتأثر، فقد كان أول من أصدر جريدة “أخبار الدنيا”، وهي أول جريدة محايدة في المغرب المستقل، ثم أصدر جريدة “دنيا الأخبار” وجريدة “الدنيا بخير” و”الكواليس” ومجلة “سبعة أيام”، وجريدة “الأسبوع”، ومجلة “أطياف”، ومجلة “الكروان” وجريدة “المساء”، ومجلة “بريد المغرب”، كما أصدر باللغة الفرنسية مجلة “فلاش ماكازين” وأسبوعية “ليكوليس”، وجريدة “تورف”، ومجلة “لوميساجيماروكان” الخاصة بالعمال المغاربة في الخارج، فكان الصحفي الوحيد في المغرب الذي فعل كل ذلك، بسبب التزامه الدائم مع القراء، رحم الله مصطفى العلوي..

‫2 تعليقات

  1. رحم الله الفقيد القيدوم مصطفى العلوي؛ كان أستاذا ومعلما وحاضرا في كل الأحداث والمحطات التي مر منها المغرب سواء من خلال كتابتها باللغة العربية على جريدة الأسبوع أو من خلال تخزينها لإعادة نشرها عبر كتب قيمة أجمع القاصي والداني على أهميتها.
    جالست القيوم مئات المرات أحيانا رأس لرأس وأحيانا مع شخصيات تاريخية فلم أجد في الرجل إلا كونه مطلع وملم بكل سهولة ويسر بالأحداث؛ قليلا ما تنقصه بعض جزءياتها كنت بكل حب وصدق انوره بالحقيقة والدليل المطلوب الزاما عن الرجل.
    رحم الله الفقيد وانا لله وانا اليه راجعون.

  2. منذ ان انضممت لمدرسة الأسبوع الصحفي والسياسي أواخر الثمانينات على منبر الحر ، كانت بدايتي في الكتابة مع أن تعليمي كان مفرنسا ، ومع ذلك ، فتح لي المجال في المشاركة والتعليق على كثير من المواضيع القانونية والسياسية والثقافية ، وكان المرحوم مولاي مصطفى العلوي يشجعني والأخت حكيمة خلقي بدورها كان لها الفضل في مواصلة الكتابة في الصحيفة ولا زلت أحتفظ بالأعداد إلى يومنا هذا ، وانا احاول جاهدأ قدر المستطاع الاستفادة من كل حرف وتعبير لغوي من خلال مواظبتي على القراءة والكتابة ، ونصح يوجه الي من الزملاء ، فما ان انهي كتابة المادة الصحفية حتى انتظر استماع تعليقات المسؤولين ومن بينهم رجل المهنة المحترف وقيدوم الصحافة مولاي مصطفى العلوي قدس الله روحه حتى استطعت أن أربح الرهان .. ولا زلت أحتفظ ببعض الرسائل محررة بقلم المرحوم مولاي مصطفى العلوي التي كنت أتوصل بها من حين لآخر تهم مستقبل صحيفة الأسبوع الصحفي والسياسي حين كانت مطاردة من طرف البوليس السياسي ، وكان المرحوم لا يرغب في توقف الجريدة ، كلما كان المنع ، كانت الجريدة تطل على قرائها بعنوان جديد ، من الأسبوع الصحفي والسياسي ، والأسبوع الصحفي إلى الأسبوع .. وهكذا تظل الاستمرارية بكل عزم وبلا خوف .. ومولاي مصطفى العلوي رحمه لا يكل ولا يمل ، باحثا عن الحقيقة الضائعة في كواليس الدولة والمجتمع مهما كلفه من ثمن في سبيل الحرية والكرامة … لم اشهد رجلاً بحكمة والتزام مولاي مصطفى العلوي في أفعاله وأعماله ، فلقد علمنا معنى الالتزام والوفاء في كتاباته بالوطنية ، وكم انا فخور بذلك على غرار كل القراء ،
    فبوجود مولاي مصطفى العلوي كما يروى عنه بين المراسلين والصحفيين في مكتب التحرير ، الكل يشعر وكأنهم خلية نحل تسعى لانجاز واجبها بكل صدق واجتهاد ، فالكل يعمل جاهدا من اجل نهضة وتقدم الأسبوع الصحفي والسياسي .
    لم تسعفني الايام لأحضر جنازة المرحوم مولاي مصطفى العلوي ، كنت وقتها 28 دجنبر 2019 خارج أرض الوطن بمدينة أوسلو النرويجية .. لأقدم واجب العزاء لذويه ، ومحبيه ، ومعارفه ،وزملائه في مهنة المتاعب .. ومع ذلك لقد احسست حينها بانني افتقد شخصا عزيزا ورائعا ، خاصة بعد ان قرأت كلمات الرثاء التي سطرتها دموع الأصدقاء ، والأهل والأحباب، و الزملاء على صفحات الجريدة،
    فكان عزائي بان امسك بالقلم لكتابة رثاء يليق بقيدوم الصحافة وعميدها الاستثنائي مولاي مصطفى العلوي ، الرجل الأديب والمؤرخ والصحفي المحترف ، لقد رحل إلى دار البقاء منعما في الفردوس الأعلى ، لكنه باقٍ في قلوب تلامذته وقرائه ، وزملاءه في مهنة المتاعب من خلال ما كتبه حول الحقيقة الضائعة التي تختزل في العمق موسوعة أحداث من تاريخ المغرب سياسيا واجتماعيا واقتصاديا .
    لا نملك لك شيئا يا أستاذنا العظيم مولاي مصطفى العلوي أمام مشيئة الله سوى رفع أكف الضراعة والابتهال الى الله عز وجل العلي القدير أن يتغمدك بواسع رحمته ويدخلك فسيح جناته ، وأن يلهم ذويك ومحبيك ومعارفك الصبر والسلوان ، إنا لله وإنا إليه راجعون .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى